|
| مجلس النواب الكويتي |
لم يكن في الصدام الذي حدث بين عناصر معارضة في البرلمان الكويتي وبين الحكومة والذي نتج عنه استقالة الحكومة أي مفاجأة تذكر، ولم يكن في إعلان أمير الكويت حل البرلمان للمرة الخامسة منذ السبعينيات وإجراء انتخابات جديدة أيضًا أي مفاجأة؛ لأن هذا السيناريو أصبح هو الوضع الطبيعي في الكويت في ظل الصراع بين الحكومة -التي تعبر عن الأسرة الحاكمة- والبرلمان الذي يمثل أطياف معارضة إسلامية وليبرالية منذ سنوات.
بل إن المتابع للشأن الكويتي يمكنه أن يتنبأ من الآن بنتائج الانتخابات المقبلة وما سيجري فيها.. فقضية الفساد -بما فيها توزيع عوائد النفط وجدوى صفقات السلاح- كانت هي محور المصادمات الأخيرة بين الحكومة والبرلمان ومحور الانتخابات السابقة وهو ما سيستمر، كما أن قضية تطوير النظام السياسي في الكويت بحيث يكون رئيس الوزراء من خارج الأسرة الحاكمة ستظل هي محور الجدال المقبل، وغالبًا سيعود الوضع لما هو عليه في البرلمان والحكومة بعد مولد الانتخابات!.
صفقات سلاح وعمولات كبيرة
في حلقة سابقة من برنامج "بلا حدود" على قناة الجزيرة الفضائية 23/11/2005، ذكر الدكتور ناصر الصانع النائب الإسلامي ورئيس "المنظمة الدولية لبرلمانيون ضد الفساد" و"المنظمة العربية لبرلمانيون عرب ضد الفساد" أن رئيس الوزراء في دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد حينئذ (أمير الكويت حاليًّا) قال لهم فور توليه مقاليد رئاسة الوزراء في دورة برلمانية جديدة سابقة: "يا جماعة خلينا نبتدي بداية جيدة بلاش مواجهات"، فرد عليه أحد النواب قائلا: "يا طويل العمر فيه ملف في وزارة الدفاع أوقفْه علشان نبتدي بداية جيدة؛ لأن هذا الملف مشوب عليه علامات استفهام".
وقد كشف "الصانع" أن هذا الملف كان يدور حول صفقة سلاح كتب أحد المسئولين في الجيش الكويتي تقريرًا عنها -حصل عليه البرلمان- يؤكد أن "الصفقة المنويّ إبرامها على مراحل تصل إلى مليار وربع مليار دولار لا تنفع البلد، بل تضرّ عسكريًّا"، وكان يضرب مثالا بحالات فساد وعمولات نجح البرلمان الكويتي في وقفها وكشفها، خصوصًا أن صفقات السلاح -وفق كلامه- "أكثر صفقات فيها نسب عمولة تصل إلى 15 أو 20%".
ولا شك أن الصفقات الأخيرة التي وقعتها الكويت مع أمريكا عقب زيارتي الرئيس بوش الأخيرة في فبراير الماضي والتي تتضمن شراء 80 من صواريخ "باك - 3" و"باك - 2" ومعدات الدعم الأرضية بقيمة 1.36 مليار دولار، أثارت نفس الانتقادات خصوصًا أن هناك أصوات كويتية تنتقد شراء هذا السلاح وتضييع الفوائض النفطية (30 مليار دولار عام 2005 وقرابة 50 مليار حاليًّا)، دون حاجة لاستخدامه أو وجود إستراتيجية دفاعية لاستخدامه.
والحقيقة أن هذه الواقعة، بجانب عشرات الوقائع الأخرى التي تدور حول حالات فساد عديدة، منها ما يتركز في (تخصيص أراضي الدولة) لأصحاب نفوذ والتي تكبد الدولة كما يقول نواب المعارضة خسائر "بمليارات الدولارات، أو (تطوير حقول النفط)، وغيرها من وقائع الفساد والتي أسس بسببها عدد من النواب السابقين فرعًا محليًّا للمنظمة البرلمانية العالمية لمكافحة الفساد، فيما أطلقت مجموعة من الشباب مجموعة باسم "شباب ضد الفساد".. هذه الوقائع كلها كانت هي "الخلفية" التي دارت حولها الأزمة الأخيرة بين الحكومة والبرلمان الكويتي والتي أعلن على أثرها أمير الكويت حل البرلمان.
اتهام بشراء الأصوات
فهي إذن أزمة "مزمنة" وتكررت أربع مرات سابقة، وهذه هي المرة الخامسة، وفي كل مرة كان يتم حسمها لصالح الحكومة لا البرلمان، بحلّ البرلمان أملا من الحكومة في أن تأتي الانتخابات بنواب جدد أقل شراسة في معارضة الحكومة وكشف بعض أوجه الفساد التي تحرجها، حيث يقول نواب إنها -الانتخابات- تزداد شراسة في كل مرة يجري حل البرلمان؛ لأن السلطة تقوم باستخدام المال العام لدعم منافسيهم الموالين، بل إن النائب المعارض "مسلم البراك" قال في انتخابات البرلمان المنحل عام 2006 أنه تم منح 19 مرشحًا مواليًا حوالي 12 مليون دينار (41 مليون دولار) من الأموال العامة لشراء أصوات، وأن ثمن الصوت الواحد في بعض الدوائر الانتخابية 12 ألف دولار، وسيزيد بالطبع في انتخابات 2008 التي ستجري يوم 17 مايو المقبل!.
والمشكلة في هذه الأزمة المتكررة التي تدور بين النواب والحكومة والتي يسقط بسببها ضحايا في صورة وزراء يقدمون استقالاتهم بعد تضييق النواب عليهم واتهامهم بالتستر على الفساد، أن المجلس الجديد (الذي ينتخب بعد الحل) غالبًا ما يأتي على عكس الرغبة الحكومية بمزيد من المعارضين مثلما حدث في آخر برلمان جرى حلّه مايو 2006 وتم تنظيم انتخابات تشريعية في يونيو فازت فيها المعارضة الوطنية والإسلامية بأغلبية مقاعد المجلس الذي يضم 50 نائبًا؛ ولهذا يقول عضو المجلس المنحل "محمد جاسم الصقر": "إن قرار حل المجلس سيزيد من قوة الأعضاء المعارضين للحكومة ويساعدهم في استغلال الانتخابات القادمة".
ويرجع السبب في تزايد أعداد المعارضين في كل مجلس جديد منتخب لأمرين:
(الأول): أن نواب البرلمان المعارضين الذين تبغي الحكومة إسقاطهم في الانتخابات هم أصحاب مشاريع قرارات في البرلمان تطالب بتوزيع ثروات الكويت -خصوصًا أموال الوفرة النفطية الضخمة- على الشعب وزيادة رواتب الموظفين باستمرار (زادوها بـ120 دينارًا، أي 450 دولارًا الشهر الماضي، وطالبوا بزيادة أخرى 50 دينارًا أي 188 دولارًا هذا الشهر مارس 2008 ورفضت الحكومة)، ومن ثَم فالناخب الكويتي صاحب مصلحة في انتخابهم وإعادتهم للبرلمان ليواصلوا مطالبهم.
(الثاني): أن غالبية الكويتيين أثرياء ولا يقبلون الرشوة الانتخابية، كما أنهم يدركون وجود حجم ضخم من الفساد ويشكون من حالات فساد يذهب بموجبها جزء كبير من ثروات الكويت لأقلية من المحظوظين ممن لهم علاقات من أطراف حكومية أحيانًا.
تدخل في عمل الحكومة!
والطريف أن التهمة التي توجه للبرلمان دائمًا ويجري بسببها تحميله مسئولية الأزمات السياسية المتكررة هي أنه يتدخل في عمل الحكومة، وبيان استقالة الحكومة الأخيرة برئاسة ناصر محمد الصباح على خلفية إشكالات بين الحكومة والمجلس قيل إنه ناجم عن "تدخل الأخير (البرلمان) في عمل الحكومة"، رغم أن هذا -رقابة الحكومة والتدخل في أعمالها- من صميم عمل أي برلمان في العالم، وجاء في البيان الذي وقعه النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك الصباح أن الاستقالة "جاءت بعد تدخل بعض النواب في اختصاصات الوزراء وإمعانهم في تجاوز الحدود الدستورية".
فنواب البرلمان الكويتي اعتادوا استجواب الوزراء مرارًا، مما أدى إلى استقالة عدد منهم، وآخرهم كان وزيرًا للنفط بدر الحميضي الذي استقال بعد أيام من تعيينه في نوفمبر الماضي تحت ضغط من بعض النواب ولم يعين بديلا له حتى استقالة الحكومة، كما أنهم يهاجمون رفض الحكومة زيادة رواتب المواطنين الكويتيين بمبالغ زهيدة (120، ثم 50 دينارًا)، في حين ينفقون المليارات على صفقات سلاح غير مجدية أو يضيعون مليارات أخرى في صفقات الأراضي للمحظوظين، ورشاوى انتخابية.
وهذا التدخل من قبل النواب في عمل الحكومة، وما استتبعه من غضب حكومي وأميري أيضًا وضح في تصريحات أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد -الذي سبق له نفسه الصدام مع البرلمان مرتين سابقتين حينما كان رئيسًا للوزراء- والذي قال في كلمة موجهة إلى الأمة إنه اتخذ القرار بسبب "تصرفات غير مسئولة".
فقد وصل الأمر ببعض النواب في نقدهم ومطالبهم -مثل النائب الليبرالي أحمد المليفي- لحدّ المطالبة بإجراء عملية إصلاح داخل عائلة الصباح الحاكمة، واتهم رئيس الوزراء -وهو ابن أخٍ للأمير- بأنه فشل في تحقيق الإصلاح المنشود وطالب بتعيين رئيس وزراء من خارج آل الصباح، ولكن بدلا من أن يقبل الأمير استقالة الوزارة ويعين رئيس وزراء آخر، حلّ البرلمان وأنحى باللائمة عليه، رغم أن الحل كما يراه برلمانيون وسياسيون كويتيون هو إصلاح النظام السياسي الكويتي بشكل جذري، وخصوصًا عبر تشريع إنشاء الأحزاب التي لا تزال محظورة في الكويت.
من المستفيد من حل البرلمان؟
والسؤال الذي يتردد غالبًا في أعقاب كل أزمة بين الحكومة والبرلمان، ثم حل البرلمان الكويتي كما حدث مؤخرًا -للمرة الخامسة في تاريخه منذ عام 1976- هو: هل حل البرلمان يعزز الديمقراطية في الكويت ويعزز الإصلاح السياسي أم أنه على العكس يشكل "تراجعًا إصلاحيًّا"؟، أيضًا يثور سؤال: من المستفيد من قرار الحل؟.. هل هي الحكومة التي غالبًا ما تلجأ لأمير البلاد لحل البرلمان على أمل التخلص من القوى المعارضة في البرلمان التي تناطح الحكومة في برلمان جديد، أم البرلمان نفسه على اعتبار أن حل البرلمان غالبًا ما يأتي عكس المأمول حكوميًّا، بحيث يشغل البرلمان الجديد غالبًا المزيد من الوجوه المعارضة التي تطالب بحزمة أكبر من الإصلاحات؟!.
والمتابع لحالات الصدام المتكرر بين الحكومة (التي يرأسها غالبًا عضو من الأسرة الحاكمة)، والبرلمان والتي نتج عنها حل البرلمان خمس مرات أعوام 1976 و1986 و1999 و2006 و2008 يلاحظ جيدًا أن حالات الحل الخمس جاءت نتيجة مواجهة بين البرلمان والحكومة؛ بسبب رفض الأخيرة مطالب برلمانية تنطوي على المزيد من الإصلاحات وتقليص صلاحيات الحكومة وبالتبعية الأسرة الحاكمة.
والمتابع لهذه المصادمات السابقة يلحظ أيضًا أن البرلمانات اللاحقة تميزت بزيادة أعداد النواب المعارضين من التيارين الليبرالي والإسلامي والمطالبين بإصلاحات أكبر مثل فوز 52% من المعارضين في انتخابات 1999، وخسارة 48% من المسنودين حكوميًّا، ووصل الأمر في برلمان 2006 الأخير أن يصل عدد المعارضين إلى 29 نائبًا معارضًا (حوالي 55% من النواب) من 50 نائبًا (أي أغلبية النواب).
تحجيم البرلمان.. تقوية البرلمان!
رغم أن المادة 102 من الدستور الكويتي تنص على أنه "في حال إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها (أغلبية عادية) عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزارة رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وله في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة أو أن يحل مجلس الأمة"، فقد جرت العادة على أن رئيس الدولة يميل لخيار حل البرلمان، وينتصر غالبًا لرئيس الوزراء الذي يكون أحد أفراد الأسرة الحاكمة، ما يثير غضب المعارضة ويهدد التجربة الديمقراطية.
ولا يحل هذا المشكلة بل يزيدها؛ لأن الهدف من الحل وهو تحجيم البرلمان يحدث عكسه وهو تقوية البرلمان ودعمه بمزيد من المعارضين، وفي كثير من الأحيان لا تفوز مشاريع الحكومة بالتصويت لصالحها إلا في حالات تصويت وزراء الحكومة (16 وزيرًا لهم حق التصويت) لصالح مؤيدي الحكومة ما يرفع نسبتهم التصويتية في البرلمان.
وكمثال، فرغم الأغلبية المعارضة في البرلمان المحلول عام 2006 والتي فاقت 29 نائبًا (30 برئيس البرلمان) ممن عارضوا قرار الحكومة تحويل قانون الدوائر الانتخابية إلى المحكمة الدستورية (أي أكثر من نصف نواب البرلمان البالغ 50 عضوًا)، فقد رجحت أصوات وزراء الحكومة رأي الحكومة، وانتصرت في جلسة التصويت بإحالة القانون للمحكمة الدستورية، حيث صوّت بالموافقة على الإحالة 33 نائبًا (منهم 17 نائبًا فقط و16 وزيرًا) من 34 حضروا الجلسة!!.
الفوائض المالية -المتزايدة بفعل ارتفاع أسعار النفط- وكذا الفساد سيظلان بالتالي من أهم أسباب الصراع بين الحكومة الكويتية والمعارضة البرلمانية التي تطالب بتوزيع هذه الفوائض على الشعب والاستفادة منها في مشاريع ضخمة، وهي كذلك أحد مخاوف المعارضة الكويتية من أن تستغلها الحكومة في مساندة نواب في الانتخابات البرلمانية يشترون أصوات الناخبين بالأموال، رغم أنها فشلت في انتخابات 2006 وفاز معارضون.
وطالما لم يتعلم أطراف الصراع من تجارب الماضي عندما تم حل البرلمان 4 مرات ربما بهدف إقصاء المعارضة عنه، كما أن الناخب الكويتي غالبًا ما يُبقي على المعادلة الكويتية الشهيرة التي تشير دومًا إلى أن المستفيد من قرار الحل غالبًا يكون البرلمان نفسه، على اعتبار أن حل البرلمان يأتي دائمًا عكس المأمول حكوميًّا، فالمتوقع أن يؤدي حل البرلمان الخامس هذا العام لعودة المعارضة بقوة أكبر مرة أخرى أو على الأقل الاحتفاظ بمقاعدها لتستمر الأزمة!.
فنتائج انتخابات برلمان 2006 فاز فيها تحالف المعارضة الذي يهيمن عليه الإسلاميون بـ33 مقعد من 50 (بنسبة 66%)، وصعدت بمقاعد المعارضة 4 مقاعد أخرى بعدما كان لها 29 مقعدًا في البرلمان الأخير المحلول، ما يؤكد أن التيار الإصلاحي في تصاعد مستمر (52% في برلمان 1999، و55% في برلمان 2003، ثم 66% في برلمان 2006)، فهل يفعلها البرلمانيون المعارضون ويفوزون بنسبة مقاعد أكبر تعادل نسبة النواب الموالين للحكومة ومعهم أصوات الـ16 وزيرًا أم تستمر الدائرة مفرغة؟.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|