|
| فالون.. هل رحل قبل انتهاء المهمّة؟ |
في وقت تحتاج فيه الإدارة الأمريكية إلى تكاتف الجهود، من أجل تمضية الفترة المتبقية لها في البيت الأبيض دون سقطات تضعف من قدرتها على تمضية ما في جعبتها من مخططات ومؤامرات تنتظر التنفيذ قبيل رحيل بوش الابن وعصبة المحافظين الجدد عن البيت الأبيض، جاءت استقالة الأدميرال ويليام فالون قائد العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي، بعد تقارير وصفته مرارا بأنه يعارض سياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن إيران؛ لتثير كثيرا من الشكوك حول سياسة بوش تجاه إيران في الفترة القادمة.
تبريرات غير مقنعة
حتى لا يحرج الإدارة الأمريكية بسبب قرار استقالته المفاجئ، أشار الأدميرال فالون إلى أن الدافع وراء الاستقالة مقال نشرته مجلة "أسكواير" وأشارت فيه إلى أنه يدفع بوش لتجنب الحرب مع إيران.
إلا أن ذلك السبب غير مقنع على الإطلاق، فحسب الخبراء والمحللين، يتكرر هذا الأمر كثيرًا في الصحف الأمريكية، ولا يتطلب من المسئول أو القائد سوى تكذيب الخبر، إذا ما كان يمثل خروجًا عن المفروض، أما أن يؤدي ذلك لاستقالة شخص فإنه أمر نادرًا ما يحدث، وخاصة أن ما جاء في المقال لا يستدعي تقديم الاستقالة.
كما أنه وعلى الرغم من محاولات فالون التأكيد على عدم وجود خلافات بينه وبين بوش بخصوص ذلك الأمر، فإن تصريحاته تشير إلى عكس ذلك، فإذا لم تكن هناك خلافات ما الذي يدفع شخص في وزن فالون لأن يترك مهام منصبه لمجرد مقال نشر في مجلة؟
سيناريو مكرر
إن ما حدث مع فالون تكرر مع العديد من المقربين من إدارة بوش، فمنذ أن أعيد انتخاب الرئيس الأمريكي، ودائرة المقربين منه الذين يتقدمون باستقالاتهم من البيت الأبيض تتسع يوما بعد آخر، ومن هؤلاء: كبير مستشاري بوش الاقتصاديين آلان هابارد وصديقه منذ أن كانا طالبين في كلية إدارة الأعمال في هارفارد قبل أكثر من ثلاثين سنة، وهناك أيضا كارل روف كبير المستشارين السياسيين، ودان بارليت مساعد الرئيس للاتصالات، وروب بورتمان مدير الميزانية، وتوني سنو المتحدث الصحفي، وكاثرين هيوز مديرة الدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية وصديقة ومستشارة بوش منذ أن كان حاكما لولاية تكساس، بالإضافة إلى استقالة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وألبرتو جونزاليس وزير العدل.
وبالتدقيق في تلك الاستقالات واستقالة فالون، سنجد أن الوضع مختلف بعض الشيء، إذ يبدو من خلال النظر إلى تصريحات هؤلاء والظروف التي عاصرت استقالاتهم، أنها في الغالب كانت بناءً على إرادتهم الخاصة، بعد أن اكتشفوا صعوبة تحقيق طموحاتهم في ظل إدارة بوش، أو أن وجودهم في تلك الإدارة من شأنه أن يسيء لمستقبلهم السياسي بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي، وذلك بسبب الانتقادات الكثيرة الموجهة إليهم لمسئوليتهم الجسيمة عن كثير من الأزمات التي عانت وتعاني منها أمريكا والعالم، وبعد أن اكتشفوا أن هناك أجندة موضوعة مسبقًا وأنهم ليسوا أكثر من دمى تحركها العناصر اليمينية، ومن ثم فإن الاستقالة قد تعد حفظًا لماء وجه هؤلاء بعد ذلك.
أما بالنسبة لفالون فإن الوضع مختلف بعض الشيء، إذ يبدو أن الإدارة قد مارست عليه ضغوطًا من أجل أن يتقدم باستقالته بعد أن صار عقبة في وجه أركانها، الذين يصممون على المضي قدما في مخططاتهم للسيطرة على المنطقة والعالم، مهما كانت التحديات التي تقف في طريقهم، ومن تلك المخططات توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.
ويتأكد ذلك إذا علمنا أن مساعد وزيرة الخارجية نيكولاس بيرنز، وهو أحد أبرز المناهضين لأي خطوة عسكرية تجاه طهران، قد ترك منصبه قبل خروج فالون بفترة قصيرة.
صقور.. وصقور
لكن يجب أن ندرك أن معارضة فالون للحرب على إيران هي معارضة آنية مرتبطة بالظروف الإقليمية والدولية، وليست معارضة على مبدأ توجيه الضربة العسكرية نفسه، فآراء الرجل لا تدل على أنه من الحمائم في واشنطن فهو القائل: "كن جديًا.. هؤلاء الناس (أي الإيرانيون) ليسوا أكثر من نمل نستطيع سحقهم حين يحين الوقت".. كل ما هناك -كما يقول محللون- أن آراء فالون الإستراتيجية حول كيفية تحقيق السيطرة الأمريكية على المنطقة والعالم، تختلف عن تلك التي يؤمن بها المحافظون الجدد الأمريكيون ومعهم الرئيس بوش ونائبه تشيني.. وهو اختلاف في الأسلوب ليس إلا.
من هنا أصبح فالون عقبة في طريق المخططات الخاصة بتوجيه ضربة خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية، الأمر الذي استوجب ضرورة إبعاده عن قيادة المنطقة المركزية، واستبداله بآخر لا يقف عقبة أمام هذه المخططات.
شواهد الحرب القادمة
تأتي استقالة فالون كشاهد ضمن شواهد أخرى تصاعدت في الأيام الأخيرة تؤكد نية الإدارة الأمريكية توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، من أبرزها تلك الزيارة المفاجئة التي قام بها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للمنطقة، والتقاؤه العديد من الزعماء العرب، وهي زيارة مشابهة لتلك التي قام بها قبيل الحرب الأمريكية على العراق عام 2003.
فحسب ما نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تأتي زيارة تشيني للمنطقة بعد إقالة فالون والتي تعد بمثابة المقدمة التي أفسحت المجال لنائب الرئيس الأمريكي لكي يقوم بجولته هذه، التي لم تكن لتصبح ذات جدوى في ظل وجود فالون في موقعه.
ذلك أن العبء العسكري لأي حملة عسكرية على إيران -كما تقول صحيفة "يو. إس. نيوز آند وورلد ريبورت" الأمريكية- سيلقى على عاتق البحرية الأمريكية في المنطقة، لا سيما الخليج، وهي حاملات الطائرات والصواريخ، أي عمليًّا على القوات المرتبطة بالجنرال المستقيل الذي يعارض الحرب.
وفي نفس الوقت هناك الزيارة المشتركة لكل من وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت جيتس إلى موسكو، والتي لا يمكن النظر إليها إلا على أنها جاءت لتسوية الأمر مع موسكو التي أبدت تحولا مفاجئًا حيال إيران، بالموافقة المبدئية على فرض مجلس الأمن مرحلة ثالثة من العقوبات على طهران بسبب ملفها النووي.
كما يدخل تفجر القلاقل وأعمال العنف في إقليم "التبت" الإستراتيجي بالنسبة للصين بعد أسابيع قليلة من تفجر أزمة "كوسوفا" الهامة جدًّا لروسيا وحلفائها في البلقان، في إطار الشواهد التي تؤكد قرب الضربة العسكرية الأمريكية لإيران، فتطور الأحداث سواء فيما يتعلق بأعمال العنف في التبت أو باستقلال كوسوفا، لا يدع مجالا للشك بأنها متعمدة من واشنطن لاستخدامها كأوراق ضغط ضد الحليفين الرئيسيين لطهران في مواجهة الغرب.
تضاف إلى ذلك شواهد أخرى على المستوى الإقليمي منها وجود المدمرة كول أمام السواحل اللبنانية، والتأزم الشديد في مسألة الرئاسة اللبنانية، والفشل الصهيوني في اجتياح غزة، والإلحاح المستمر على استمرار المفاوضات العبثية بين عباس وأولمرت، بالإضافة إلى التوجيه الأمريكي للقادة العرب بالتروي في قرار حضور قمة دمشق.
دور إسرائيلي
لا يخفى على أحد أن لإسرائيل دورا كبيرا في كل ما يحدث في المنطقة من أزمات، خاصة فيما يتعلق بالتحركات الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني، إذ تصرّ تل أبيب مثلما هو واضح من تصريحات قياداتها في الفترة الأخيرة، أن البرنامج النووي الإيراني هو أكثر ما يقض مضجعها في الفترة الراهنة، خوفا من امتلاك طهران للقنبلة النووية التي تقترب منها يوما بعد يوم، دون أن تستطيع الدولة الإسرائيلية منع ذلك الأمر، كما فعلت من قبل مع العراق حينما قامت بقصف المفاعل النووي العراقي في العام 1981.
فإيران ليست العراق، وقيام إسرائيل بتوجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية سيعني فتح أبواب الجحيم عليها وهي التي لم تستفق بعد من هزيمتها المذلّة أمام حزب الله، الذي يعد إحدى الأذرع الإيرانية في المنطقة كما ترى تل أبيب، لذا ليس أمامها سوى دفع الإدارة الأمريكية لمشاركتها في القيام بهذا الأمر، وخاصة أن الرئيس الأمريكي بوش أوشك على ترك منصبه، ولا يُعرف على وجه الدقة الكيفية التي سيتعامل بها خليفته مع ذلك الملف.
حرب عالمية
لكن على الرغم من كل تلك المؤامرات، فإن نجاح بوش وإدارته في تحقيق هذا الأمر لا يبدو سهلا للغاية، إذ تقف في ذلك العديد من العقبات؛ أهمها أوراق القوة التي تمتلكها إيران وتجعل تكلفة أي حرب ضدها عالية جدا، خاصة فيما يتعلق بالمصالح الأمريكية والغربية في منطقة الخليج، إضافة إلى أمن الدولة الإسرائيلية المتهاوي أساسا منذ حرب تموز الماضية.
كما أنه إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان بدء الحرب فإنهما بالتأكيد لن تكونا الطرف الذي ينهيها؛ ذلك أن اندلاع تلك الحرب لن يكون مقتصرا على جبهة بعينها، بل ستشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها وربما العالم كله، وحينها ستتحول إلى حرب عالمية جديدة، سيكون الخاسر فيها هو الطرف البادئ بالقتال كما أخبرتنا تجارب الحربين العالميتين السابقتين.
|