|
| عشرات العمليات تنفذها المقاومة العراقية يوميا |
قضية العراق ليست قضية الهزيمة الأمريكية وما الذي سيحلّ بالولايات المتحدة الأمريكية واقتصادها وسياسات عسكرة الهيمنة وقد أخفقت جزئيًّا أو كليًّا، ولا كيف ستتعامل معها القوى الناهضة والمنطقة العربية والإسلامية، بل هي قضية العراق، وكيف يتعامل أهله مع واقعه الراهن، وكيف يخرجون منه ويبنون مستقبلاً آخر خارج قضبان الاحتلال، وهي قضية المنطقة العربية والإسلامية وتعاملها مع العراق ومع مستقبلها هي وليس مع مستقبله فقط.
هزيمة مدمّرة كالحرب المدمّرة
قد تتحول قضية العراق في معركة الانتخابات الأمريكية من مكانة الصدارة التي بدأت المعركة بها مع هبوط شعبية رئيس الحروب الأمريكية إلى أدنى حضيض ممكن بالمقارنة مع سائر من سبقوه، وتصبح قضية الوضع الاقتصادي المتعثر، والمالي المتدهور، هي القضية رقم واحد لدى الناخب الأمريكي، مما لا يُستبعد معه أن يكون الرئيس الأمريكي المقبل جون ماكين، وهو نسخة أخرى عن بوش الابن، وربما كان أخطر منه على مستقبل بلاده والعالم. ولكن حتى لو وصل إلى منصب الرئاسة رئيس من الديمقراطيين، الأرجح حتى الآن أن يكون مارك أوباما، ووصلت نسبة أعلى من غالبية الديمقراطيين إلى "الكونجرس الأمريكي" فلن يكون التغيير كبيرًا، على عكس ما قد تقول به أمنيات فريق من متابعي تلك الانتخابات والذين ينتظرون في تحديد مواقفهم في قضاياهم هم، وينتظرون في صناعة القرار على صعيد قضاياهم هم، ما الذي ستسفر عنه تلك الانتخابات، أي ما الذي ستقرره لهم إرادة الناخب الأمريكي، وسط الضجة المسرحية الكبرى المعروفة عن مجرى الانتخابات.
في الحالتين لا يمكن التغطية على الهزيمة الأمريكية في العراق، وعلى آثارها المدمّرة بالنسبة إلى الاقتصاد الأمريكي وإلى موقع السياسة الأمريكية على المسرح الدولي، وسيّان ما يقال عن أسباب الهزيمة، يبقى أن المقاومة العراقية الحقيقية التي لم تنقطع في العراق طوال السنوات الخمس الماضية، هي التي ألحقت بالولايات المتحدة الأمريكية الهزيمة.
وتكفي نظرة عامة إلى بقايا من بقي من الفريق الذي بدأ بالحرب، وتساقطت أجنحته الواحد بعد الآخر، ثم بدأ التساقط يصيبه في بنيته الهيكلية الأساسية، حتى يكاد ينفرد الميدان بذلك الرئيس الأمريكي "الفذ" في تسجيل رقم السبق فيما شنّ من حروب مفتوحة، وما ارتكب من جرائم حربية وضد الإنسانية، وما سبّب من دمار وآلام في عالمنا المعاصر.
ومهما قيل بشأن غباء السياسات الوحشية التي مارسها، وأنه السبب من وراء الهزيمة التي سببها لبلاده، ويخشى العالم الغربي أن تشمله معها، فإن السبب الأول والحاسم لتلك الهزيمة هي المقاومة العراقية، من وراء حجب التعتيم الإعلامي حولها، وغير المسبوق في مختلف حالات الحرب والسلم من قبل.
كما يذكر "يورجن تودنهوفر" أحد كبار الصحفيين الألمان في كتاب نشره بعد زيارته للعراق أن العراق يشهد يوميًّا بالمتوسط ما يعادل 100 عملية عسكرية أمريكية يمكن وصفها بالوحشية، ويسقط ضحاياها عدد كبير من المدنيين، كما يشهد العراق يوميًّا بالمتوسط ما يعادل 100 عملية مقاومة مسلحة موجَّهة ضد الاحتلال الأمريكي بصورة مباشرة، ولكنّ سياسات الحصار الإعلامي -وتلك مقولة أحد كبار العاملين بالإعلام المرموقين عبر ثلاثين سنة مضت- تجعل وسائل الإعلام الغربية (ونضيف: ومعظم وسائل الإعلام العربية أيضًا) يركّز على ما لا يتجاوز 3% من تلك العمليات التي تقوم بها جهات لا تنتمي إلى المقاومة الشعبية العراقية نفسها، ويكون من ضحاياها المدنيون بسبب أسلوب ارتكابها (كالتفجيرات العشوائية بما في ذلك ما يوصف بالاستشهادية من جانب منفذيها وبالانتحارية إعلاميًّا).
هذه الصورة الإعلامية الواسعة الانتشار تواري عن الرأي العام حقيقة أسباب الهزيمة الأمريكية أمام المقاومة العراقية الشعبية المسلّحة. وهي المقاومة التي سببت خسائر مالية أمريكية ضخمة، تقدّرها كتب حديثة صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية بألوف المليارات، أي بأضعاف أضعاف ما سببته حرب فيتنام وأوصلت إلى هزيمة أمريكية تاريخية معروفة.
قضية العراق والعرب والمسلمين
السؤال عن كيفية تصرّف الأمريكيين، حكومة وشعبًا، ديمقراطيين وجمهوريين، سياسيين وإعلاميين، مع هزيمة بلادهم، هو السؤال عن قضية أمريكية محضة، وإن كان لها تأثير عالمي النطاق.
أما السؤال عن العراق وواقعه، ومستقبله، فهو القضية الوطنية والعربية والإسلامية، ويجب الخروج به من قفص المنظور الأمريكي أو النظر إليه عبر النظر في الهزيمة الأمريكية؛ ليمكن أن يكون للتعامل مع الحدث ما يترك آثارًا ترتبط بالمصالح الوطنية والعربية والإسلامية أولاً.
المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي مقاومة شعب العراق، وكل محاولة لإعطائها هوية اتجاه بعينه أو طائفة بعينها، لا يعود على العراق ومستقبله بفائدة، ولا يمكن اعتباره منطلق لاستعادة عافية العراق البلد، والعراق الشعب، والعراق السيادة، والعراق بما يحتاج إليه من سياسات توافقية، داخلية وخارجية، ونهوض شامل، في مختلف الميادين، ولصالح كافة فئات الشعب دون استثناء.
إن النظرة إلى العراق الوطن تحت الاحتلال، هي المنطلق للنظر إلى كيفية التعامل ما بين فئات الوطن الواحد، وفق حدوده القائمة، وليس وفق مخططات تقسيمه فعليًّا بحدود جديدة أو تقسيمه على أرضية نزاعات مستمرة، وإن بقيت الحدودُ على ما هي عليه، كما أنها المنطلق للتعامل مع العراق إقليميًّا ولاستعادة سيادته على المستوى الدولي بصورة كاملة، تمنع استغلال أرضه لقواعد أجنبية، وثرواته لتحقيق مطامع أجنبية، وتمنع أي خطوة من قبيل معاهدات ثنائية قصيرة الأمد أو طويلة الأمد، مع أي جهة خارجية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، فكل معاهدة تعقد تحت الاحتلال باطلة شكلا ومضمونًا، كبطلان الاحتلال ومشروعيته، بغض النظر عمّن يعقدها، ولا يعقدها إلا طرف مرتبط بالاحتلال ارتباط وجود عدواني على سيادة الشعب، وليس ارتباطًا وطنيًّا أو قوميًّا أو إسلاميًّا بدولة أجنبية.
والمقاومة التي ألحقت الهزيمة بالاحتلال، هي مقاومة ضد الاحتلال والعدوان، وكل سياسة إقليمية تعمل لتوظيفها لصالح محاور ونزاعات ومطامع إقليمية، سياسة لا تطعن العراق في ظهر شعبه فقط، بل تطعن أيضًا في الظهر مستقبل علاقة الأخوة الوطنية والعربية والإسلامية، والمصلحة العليا المشتركة على كل مستوى من المستويات.
جريمة خدمة الاحتلال
استقلال العراق آتٍ آجلا أو عاجلا، رغم الاحتلال وليس بإرادة الاحتلال، وكل من يساهم في إطالة أمد الاحتلال، بسياساته وممارساته داخل العراق وخارج حدوده، ومهما كانت أعذاره أو ذرائعه، أو كانت حججه أو أسلوب إخراج ما يصنعه، يرتكب جريمة بحق العراق، وشعبه، ومقاومته، وحاضره ومستقبله، وبالمنطقة العربية والإسلامية من حوله، سواء كانت إطالة أمد الاحتلال باستبقاء قواته العسكرية مباشرة، أم بعقد اتفاقات يراد لها أن تستبق الانسحاب العسكري المحتم؛ لتكون "معاهدات إملاء أجنبي" وليس معاهدات علاقة ثنائية على قدم المساواة، فتحقق أهداف الاحتلال بعد اضطراره إلى الانسحاب، وهو ما يستحيل أن يتلاقى مع المصلحة العليا للعراق وشعب العراق، وجيران العراق الأقربين والأبعدين، على المستوى العربي والإسلامي.
لقد كان ما شهده العراق في الحرب الأولى ضده وفي فترة الحصار الوحشي الطويل الأمد، وفي فترة الاحتلال بعد الحرب الوحشية الثانية، هو الثمن الباهظ الذي دفعه شعب العراق، دماء، وآلامًا، وتشريدًا، ودمارًا، ونزاعات داخلية، واستهتارًا بالكرامة الإنسانية وخرقًا للحريات والحقوق، ونهبًا للثروات، وتدميرًا للمعالم الحضارية التاريخية، واغتيالا للطاقات العلمية المبدعة، ولم يدفع العراق هذا الثمن الباهظ، من أجل أن يأتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، رئيس آخر، ويحلّ فيها عهد آخر، فيكون له أن يقطف ثمرات إجرام سلفه وعدوانه، وتتخذ العلاقات العراقية والعربية والإسلامية مع الوضع الجديد شكلاً آخر، بحجة "التغيير الجديد" في الولايات المتحدة، فلا يوجد أي تغيير مقبول يبيح "تطبيع العلاقات" سوى العهد الذي يعترف علنًا بجرائم العهد السابق، ويعترف بحق العراق في تعويضه عن كل ما ارتُكب من جرائم في أرضه وعلى حساب شعبه، ولا يوجد من كنوز الأرض، ما هو تحت السيطرة الأمريكية وما لا يخضع لها، ما يمكن أن يعوّض عن روح طفل واحد من أطفال العراق.
صناعة مستقبل آخر
ما دام هذا غير منتظر من دولة متعجرفة سياسيًّا على المستوى العالمي، سيان من يحكم فيها، فلا يمكن القبول بمنطق التطبيع معها، من جانب العراق ومن جانب المنطقة العربية والإسلامية.
لا بد لبناء مستقبل عراقي آخر، ومستقبل عربي وإسلامي آخر، من أن تتبدل أسس التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية من الجذور، وليس أن تتبدل أجهزة السلطة الأمريكية.
مثل هذا التبدّل لا يتحقق من خلال السؤال: ما الذي ستسمح به إدارة أمريكية أقل تطرّفًا أو أشدّ تطرّفًا من إدارة بوش الابن ومحافظيه الجدد والقدماء، إنما يتحقق عبر السؤال: ما الذي ستسمح به الإرادة الشعبية العراقية والعربية والإسلامية من ألوان التعامل مع القوة الأجنبية المعتدية ضدّ العراق وسواه.
وهذا السؤال هو الذي نطرحه ونطالب بطرحه مع مرور خمس سنوات على الاحتلال الإجرامي، وأن نجعله هو المنطلق الأول في كل ما يُطرح فكريًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا، وعلى كل مستوى من مستويات التعامل مع الدولة الأمريكية، تجاريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا وأمنيًّا.
آنذاك.. نتحرك في اتجاه استقلال المنطقة العربية والإسلامية وليس استقلال العراق فقط، فكم في واقعنا الراهن من ألوان متعددة للاحتلال والاستعمار والاستغلال الأجنبي، بوجود عسكري مباشر أو غير مباشر، فالاحتلال لا يعتمد فقط على قوات بطش إجرامية تمارس البطش، بل يعتمد أيضًا على وجود تلك القوات من الأصل، وعلى قواعد عدوانية أو مناورات مشتركة مع الدولة المعادية أو سياسات تخضع لمستشاري الدولة المعادية، مثلما يعتمد على خلل العلاقات على المستويات الاقتصادية والمالية وغيرها.
إنها الإرادة الشعبية والسياسية التي تصنع التغيير، وإن العراق الجريح دفع ثمنًا باهظًا، يمكن أن تكون ثمرته الكبرى استقلال العراق والعرب والمسلمين جميعًا، ودعم المسيرة البشرية للتخلص من الهيمنة العدوانية الأمريكية، فإن لم تتلاقَ الإرادة السياسية مع الإرادة الشعبية على ذلك، فلن تكون الخسارة في المحصلة النهائية من نصيب الشعوب رغم تضحياتها، بل من نصيب من يقف في طريقها ويتنكر لإرادتها ولمصالحها العليا ومستقبلها.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|