|
| الانتخابات بين خامنئي ونجاد من تيار المحافظين |
أسفرت الانتخابات التشريعية الإيرانية، وكما هو متوقع عن فوز المحافظين بأكثر من 70% من مجمل مقاعد مجلس الشورى، وذلك حسب النتائج الأولية للانتخابات، في ظل نسبة مشاركة وصلت إلى 65% لتعكس -على عكس ما هو شائع- قبولا إيرانيا كبيرا للمحافظين من جهة، ولسياسة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد من جهة ثانية، إذ كان يتوقع أن تسفر نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية عن تراجع التيار المحافظ، خاصة بعد أن أدّت سياسات نجاد المتشددة تجاه البرنامج النووي الإيراني إلى فرض حصار يزداد بأسا على الجمهورية الإيرانية، مما أثر على الأوضاع الداخلية الإيرانية بصورة ما، لذلك فإن نتائج تلك الانتخابات تمثل صدمة كبيرة ليس فقط للتيار الإصلاحي الذي عجز عن الحفاظ على أقلية قوية داخل المجلس، ولكن أيضا للإدارة الأمريكية التي لم تملك سوى التشكيك في نتائج تلك الانتخابات.
لذا فإن نتائج تلك الانتخابات سوف تضع الحكومة الإيرانية وتيارها المحافظ داخل مجلس الشورى أمام تحديات داخلية وخارجية؛ التحديات الداخلية تتمثل بالأساس في تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين الإيرانيين، أما التحديات الخارجية فتتمثل في تصاعد المواجهة مع واشنطن وبروكسل على خلفية البرنامج النووي، بعد أن صوّت الشعب الإيراني للاستمرار في السياسة النجادية المتشددة.
وهذا ببساطة يعني أن نتائج هذه الانتخابات ستكون بمثابة انطلاقة جديدة نحو مستقبل إيراني جديد.
إرهاصات العملية الانتخابية
بالرغم من بعض الاتهامات التي وُجّهت لمجلس صيانة الدستور واللجنة الانتخابية المسئولين عن إدارة العملية الانتخابية، بزعم قيامهما باستبعاد عدد كبير من المرشحين، إلا أن الواقع يشير إلى أن عملية التسجيل للانتخابات التشريعية هذه المرة، قد سجلت أعلى رقم في تاريخ الانتخابات التشريعية الإيرانية، حيث وصل عدد المرشحين إلى أكثر من 7450 شخصا، وإن كان هذا الرقم قد تم تقليصه لأسباب عديدة منها عدم الأهلية، والتوافق مع الشروط التي حددها الدستور لمن يرشح نفسه لتلك الانتخابات إلى 4400 مرشح من مختلف الأحزاب والأطياف السياسية الإسلامية والعلمانية.
وحسب بيانات وزارة الداخلية الإيرانية يحق لـ44 مليون مواطن إيراني المشاركة في الانتخابات لاختيار290 نائبا لمجلس الشورى الإيراني من بين نحو4400 مرشح، بينهم مائتان فقط من التيار الإصلاحي.
ويتوزع التنافس على مقاعد البرلمان على أربع قوائم رئيسية؛ اثنتان للتيار المحافظ هما: الجبهة المتحدة للأصوليين بزعامة رئيس البرلمان الإيراني غلام علي حداد عادل، وتعرف هذه القائمة بولائها للرئيس ومواقفه السياسية، أما الثانية فتعرف باسم الائتلاف الجامع للأصوليين المعارض لسياسات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على صعيد الملف النووي، ومن أبرز مرشحي تلك القائمة علي لاريجاني مسئول الملف النووي الإيراني السابق الذي استقال من منصبه احتجاجا على سياسات أحمدي نجاد، وتتمتع تلك القائمة بعلاقات وثيقة مع محافظ طهران محمد باقر قاليباف، والقائد العام السابق لقوات الأمن محسن رضائي.
أما بقية القوائم فواحدة للتيار الإصلاحي الذي يمثل تحالفا واسعا يعرف باسم (مجموعة 15) وتضم الائتلاف الإصلاحي بزعامة الرئيس السابق محمد خاتمي، وحزب الثقة الوطنية برئاسة الرئيس السابق للبرلمان الإيراني مهدي كروني، وتحالف المعتدلين بزعامة أكبر هاشمي رافسنجاني رئيس الجمهورية السابق ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام حاليا، وأخيرا قائمة للمستقلين وتشمل بعض مرشحي الأقليات مثل اليهود والمسيحيين والأرمن.
حيادية وسائل الإعلام
منعا لأي اتهامات قد توجه لسير العملية الانتخابية، سواء من أطراف العملية في الداخل، أو من قبل منظمات حقوق الإنسان في الخارج، شهدت الانتخابات التشريعية الإيرانية، مثلما هو موجود في كافة النظم الديمقراطية، وجود المئات من وسائل وأجهزة الإعلام الأجنبية والمحلية، للقيام بتغطية واسعة لهذه الانتخابات؛ حفاظا على نزاهتها، وتأكيدا على حياديتها.
وحسب مراسلي وسائل الإعلام المختلفة، سعت الأجهزة المعنية بشئون المراسلين إلى توفير الأجواء المناسبة لممثلي هذه الأجهزة لمساعدتهم في إجراء تغطية حرة لعمليات التصويت والالتقاء بالمواطنين والمسئولين من دون رقيب.
وبالرغم من التغطية الكبيرة لوسائل الإعلام لسير العملية الانتخابية في إيران، فقد انتقد الإصلاحيون أداء التلفزيون الإيراني الرسمي واتهموه بممارسة "التحريض ضدهم"، حيث أعلن الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي خلال تجمع انتخابي جرى في طهران الأسبوع الماضي أنه يرفض إجراء أي مقابلة مع أي من محطات التلفزيون الرسمي احتجاجا على سياساته.
ومن جانبها انتقدت لجنة الدفاع عن حرية الانتخابات في آخر بيان لها عددا من الإجراءات التي وصفتها بأنها "تخدش نزاهة العملية الانتخابية"، ومن ذلك تحيز الإعلام الوطني.
إلا أنه وفي العموم، تعد العملية الانتخابية في إيران نزيهة، حيث لم تَشُبْها أية تدخلات من قبل الأجهزة التنفيذية، سواء لمنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، أو لتسويد صناديق الاقتراع ببطاقات أعضاء الحزب الحاكم، مثلما هو موجود في العديد من النظم الديكتاتورية في العالم، إذ شهدت الأيام السابقة على الانتخابات حرص الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، على حث جماهير الشعب الإيراني على الذهاب لصناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم؛ نظرا لأهمية تلك الانتخابات في تشكيل المستقبل الإيراني.
وقد كان لهؤلاء دور كبير في إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، إذ أدت عمليات تصويت الناخبين الإيرانيين الساعة 8 صباح الخميس الموافق 13 من مارس، بحضور ملحوظ أعاد إلى الأذهان صورة المشاركة الشعبية التي حصلت في انتخابات البرلمان السادس عام 2000 وأسفرت عن فوز الإصلاحيين بالأكثرية النيابية.
تفسيرات متباينة
وقد تباينت آراء الناخبين حول أسباب اختيارهم لتيار على حساب الآخر، ففي الوقت الذي أكد فيه بعض من صوتوا للمحافظين أن هذا التيار قد حقق للإيرانيين إنجازات مهمة على الأصعدة المختلفة، خاصة على الصعيد النووي، أشار آخرون إلى أن تأييدهم للإصلاحيين، يرجع إلى إخفاق المحافظين في تحقيق الشعارات التي رفعوها في انتخابات فبراير 2004.
وقد برر هؤلاء نسبة المشاركة العالية التي شهدتها الانتخابات الحالية إلى عنصر التحدي الذي تمتاز به شخصية المواطن الإيراني وحسه القومي والوطني، مقابل تصريحات ومواقف الأعداء، لا سيما الولايات المتحدة، التي دعت الشعب إلى مقاطعة الانتخابات، وهي تجهل تماما أن هذا الشعب شعب مستقل يرفض بشكل قاطع إملاءات الآخرين، بل يعمل على العكس مما يطلبه الأجانب منه.
وفي هذا الإطار أعربت المرشحة الإصلاحية فاطمة كروبي عن ارتياحها لمستوى المشاركة الشعبية في الانتخابات التشريعية الإيرانية في دورتها الثامنة، حيث ذكرت كروبي التي تتزعم الائتلاف الشعبي للإصلاحيين المشارك في هذه الانتخابات بـ 30 مرشحا في تصريح لها "كنا نخشى على مكانة الانتخابات لعدم توافر أجواء مناسبة خلال الحملة الانتخابية إلا أن الوضع الآن يبعث على الارتياح بعد أن تفقدنا عددا من مراكز الاقتراع".
ردود الفعل الدولية
من جانبها وكما هو متوقع، رأت الولايات المتحدة أن الانتخابات النيابية لن تقدّم ولن تؤخّر، باعتبارها لم تقدّم للناخبين خيارا حقيقيا. فالإصلاحيون مُنعوا من الترشح، والخيار أمام الناخبين بين مؤيد للنظام وأكثر تأييدا.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية شون ماكورماك: إن نتائج عملية الانتخابات في طهران مقررة سلفا، مضيفا أن "الشعب الإيراني لم تتح له فرصة التصويت لمجموعة متكاملة من الأشخاص"، داعيا القادة الإيرانيين إلى إنهاء تدخلهم في الانتخابات مستقبلا بما في ذلك "الانتخابات الرئاسية المزمعة عام 2009".
لكن بعيدا عن الانتقادات الأمريكية التي تأتي لأسباب سياسية معروفة، فإن الانتخابات الحالية تعد أكبر استفتاء وامتحان لحكومة الرئيس نجاد التي تعيش في مرحلة السنتين الأخيرتين من عمرها القانوني، إذ سيكون على تلك الحكومة العمل بجد من أجل مواجهة التحديات الداخلية من خلال الحدّ من الركود الاقتصادي والتضخم الذي تعاني منه البلاد، وفي نفس الوقت مواجهة التحديات الخارجية المحدقة بها، خاصة الرغبة الأمريكية في توجيه ضربة عسكرية من أجل تدمير المنشآت النووية الإيرانية، والعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين من أجل فك الحصار الأمريكي المفروض عليها منذ فترة طويلة، فهل تنجح الحكومة ومجلس الشورى الجديد في ذلك؟
سؤال متروك للأيام للإجابة عنه.
|