English

 

الأحد. مارس. 16, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » أفغانستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مطيع الله تائب.. كتاب جديد عن مستقبل طالبان

قيامة طالبان.. أسباب البعث وأسئلة المستقبل *

مصطفى عبد الجواد

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
ما بين تردّد اسم حركة طالبان الأفغانية للمرة الأولى في وسائل الإعلام منتصف عام 1994، وسقوط نظام حكمها تحت وطأة آلة الحرب الأمريكية أواخر عام 2001، ما زال هناك الكثير من التفاصيل والخبايا التي لم يكشف سترها حتى الآن، فالحركة ظهرت كـ"وميض نور" وسط ظلام الاقتتال والتناحر بين رفقاء السلاح من المجاهدين الأفغان، وسرعان ما تمدّد ضوء هذا الوميض ليغطي أكثر من 85% من أراضي أفغانستان، إلا أنه أيضا سرعان ما تراجع من جديد ليصبح مجرد "وميض خافت" مع انطلاق الحرب الأمريكية على نظام طالبان وحلفائها من تنظيم القاعدة.

إلى هنا والقصة تبدو عادية ومسطور أشباهها بين دفات كتب التاريخ، لكن الجديد هو أن طالبان قامت مرة أخرى من وسط "ركام الهزيمة"، وقيامتها لم تكن كالمرة الأولى وميضا يخطف الأبصار ويكتسح الأرض في وثبات متتالية، فالأمر هذه المرة بدأ على هيئة "شرر" ضعيف متقطع، ثم أخذ في القوة والتمدد حتى أصبح "لهب نار" يخشى خصومه حرارته ونيرانه، كما يطلب أصدقاؤه دفئه وحمايته.

عودة طالبان هذه المرة لم تكن كسابقتها، حيث الفراغ إلا من بعض رفقاء السلاح المتناحرين، فالمسرح الأفغاني بات مزدحمًا بالعديد من اللاعبين ذوي الأحجام الدولية المقدرة، فالولايات المتحدة وبالتحديد إدارة الرئيس بوش جعلت من أفغانستان، بما فيها من قاعدة وطالبان، جبهة رئيسية لمعركتها مع ما أسمته بالإرهاب، كما أن حلف الناتو خرج للمرة الأولى من "شرنقته" الأوروبية، سعيا وراء التمدد شرقا، حيث مكامن الطاقة وخصوم المستقبل المحتملين، كما أن خصوم طالبان المحليين وحدوا صفوفهم وليسوا على استعداد لتجرع كأس الهزيمة من جديد. أما الجارة باكستان، اللاعب الإقليمي البارز في الساحة الأفغانية، فقد اختلطت أوراقها بشدة، وباتت بين مطرقة حليف ربته على يديها وتحتاجه بشدة حتى ولو كان قد خرج عن طوعها، وأقصد طالبان، وسندان حليف أكبر، وهو الولايات المتحدة، يلوح لها بخيارين لا ثالث لهما: إما مع أو ضد، وكلا الأمرين مر.

خريطة متشابكة

هذه الخريطة المتشابكة والمعقدة، حاول الباحث الأفغاني مطيع الله تائب، رسم مفاتيح قراءتها، وذلك في كتابه المعنون: "أفغانستان: عودة طالبان واحتمالات المستقبل". الكتاب الصادر ضمن سلسلة "أوراق الجزيرة" عن مركز الجزيرة للدراسات في قطر، يبدو أقرب ما يكون لورقة بحثية مطولة، حيث مهد الباحث لموضوعه الرئيسي بوجبة دسمة عن أفغانستان، الجغرافيا والسكان والتاريخ، ثم قدم عرضًا سريعًا لبيئة الصراع الحالي في أفغانستان وأطرافه الفاعلة، لينتقل بعد ذلك لرصد العودة المتدرجة لحركة طالبان حتى آلت الأمور لما باتت عليها الآن، ثم تحول لتقليب أوجه سيناريوهات المستقبل الممكنة طارحا أسباب الترجيح وشروط التحقق لكل منها.

ويلحظ "مطيع الله" أن حركة طالبان افتقدت منذ نشأتها الأشكال والسياسات التنظيمية المتعارف عليها للحركات السياسية أو العسكرية الحديثة، فمقاليد السلطة داخل الحركة جميعها في يد قائدها الملا محمد عمر، وإن كانت هناك مجالس وهيئات ذات سلطة استشارية يستعين بها في ذلك، ومنها: مجلس الحكم المؤقت بقيادة الملا محمد رباني وخمسة أعضاء آخرين، مجلس الوزراء برئاسة الملا رباني ومعه 15 وزيرا، المجلس المركزي والمجلس العالي وهما كيانان هلاميان من الفقهاء وزعماء القبائل ومهمتهما إبداء الرأي والمشورة، وأخيرًا هناك المجلس الجهادي وهو يتولى إدارة المقاومة المسلحة ويضم عشرة أعضاء برئاسة الملا محمد عمر ونائبه الملا جلال الدين حقاني.

قيامة طالبان لم تصحبها كما كان متوقعًا قيامة مماثلة لتنظيم القاعدة، حيث غادر معظم أعضائه أفغانستان عائدين إلى بلدانهم أو إلى ملجأ أكثر أمنا، وهنا يشير "مطيع الله" إلى أن عدد عناصر القاعدة في أفغانستان وفي منطقة القبائل داخل باكستان لا يتجاوز العشرات، وأن عمل التنظيم يركز على نشر الأفكار الخاصة بالعمليات الاستشهادية ونقل تجربة المقاومة في العراق دون أن يخوض معارك مباشرة أو يدير عمليات عسكرية كما كان في السابق.

مراحل العودة 

كون أفغانستان "دولة حاجزة" بلغة الجغرافيا السياسية، حيث شكلت قديما "نقطة فصل" ما بين الإمبراطورية البريطانية في الهند ودولة القياصرة في روسيا، إضافة إلى كونها ملتقى طرق لدول غرب آسيا، هذا جعلها بؤرة لصراعات القوى الكبرى. وفي ظل الأزمة الحالية فإن "مطيع الله تائب" رصد مواقف العديد من الأطراف الخارجية الفاعلة، وهي: الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وباكستان وإيران وروسيا والصين والهند والسعودية وطاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان.

وذهب الباحث إلى أن سياسة إيران تجاه الأزمة الأفغانية اتسمت بالبرجماتية، القائمة على البحث عن المصالح القومية وقبل كل شيء، فهي في البداية توافقت مع واشنطن على الإطاحة بطالبان، لكنها الآن تواجه اتهامات أمريكية بإمداد طالبان بالأسلحة، ما تنفيه طهران ولا يستبعده المراقبون.

عودة طالبان للساحة من جديد لم تأت دفعة واحدة كما سبقت الإشارة، حيث بدأت الحركة خلال الأشهر التالية لسقوط حكمها في تضميد جراحها ولملمة شتاتها، ويقسم الكتاب الفترة من بداية عودة طالبان مطلع 2002 إلى نهاية 2007 إلى ثلاثة مراحل وهي:

  • مرحلة امتصاص الضربة: وتشمل عامي 2002 و2003 وخلالها قامت طالبان بإعادة هيكلة قواتها العسكرية من خلال تشكيل مجلس عسكري، وتنظيم عمليات تجنيد داخل أفغانستان أو في منطقة القبائل الباكستانية، كما بدأت ملامح التوجه لاستخدام العمليات الاستشهادية في الظهور.

  • مرحلة العودة المتدرجة: وتشمل عامي 2004 و2005، حيث شهد الشرق والجنوب الأفغانيان إضافة للعاصمة كابول تحركا متناميا لحركة طالبان، مع تطور واضح في الأساليب القتالية والأسلحة، كما بدأت مجاميع طالبان في الظهور العلني في وضح النهار، وسيطرت الحركة لفترات على عدة قرى ومناطق نائية.

  • مرحلة العودة المدوية: وتشمل عامي 2006 و2007، وهي المرحلة التي شهدت ذروة نشاط الحركة وقوتها، حيث نجحت في الاستيلاء على عدة مديريات في الجنوب، بشكل دائم أو مؤقت، وتولت إدارة شئون الحياة اليومية للمواطنين، مستفيدة في ذلك من الغضب الشعبي المتنامي على عمليات القصف العشوائي لقوات الناتو.

مكامن القوة

ويلفت "مطيع الله" إلى أن قدرة طالبان على إدارة بعض المناطق ساعدتها على تأمين جبهتها الخلفية والتفرغ للتوسع نحو مناطق جديدة، وإن كانت تحركات الحركة بقيت متركزة في مناطق عرقية البشتون، والتي ينتمي إليها جل قادة وعناصر طالبان، في الشرق والجنوب وبعض مناطق الشمال. وقد تنوع الحضور الطالباني ما بين السيطرة الدائمة أو السيطرة المؤقتة أو مجرد السيطرة الخاطفة عبر تنفيذ هجمات وأعمال تفجير لرموز السلطة ثم الانسحاب السريع.

هذا التحرك والظهور المتزايد لطالبان ما كان له ليتم لولا تمتعها بشبكة قوية من العلاقات القبلية والدينية والإقليمية، فالعلاقات القبلية وفرت لعناصر الحركة الحماية والدعم اللوجستي والمخبأ الآمن، سواء في داخل أفغانستان أو في منطقة الحزام القبلي الباكستاني. أما العلاقات الدينية فقد وفرت للحركة الغطاء الشرعي الذي لا غنى عنه لكسب تأييد المواطنين وتجنيد أعضاء جدد وجذب مصادر تمويل للحركة، كما أن هذا الغطاء الديني هو الذي منح طالبان القدرة على نسج شبكة علاقات إقليمية، يشير الكتاب إلى تمركزها في باكستان ودول الخليج.

وفي محاولة لتقصي أسباب العودة القوية لطالبان، يشير الباحث إلى نوعين من الأسباب: داخلي وخارجي. الأولى تتعلق بعمليات القصف العشوائي للناتو وما تسفر عنه من عشرات القتلى والجرحى، إضافة إلى عمليات الدهم والتفتيش والاعتقال وما تشهده من تجاوزات تتصادم مع أعراف الأفغان، كما يشكل الوجود الأجنبي في حد ذاته مبررًا للجهاد والمقاومة، وفاقم من الأمر ضعف الأداء الحكومي وتفشي الفساد وتعثر عمليات إعادة الإعمار، وأخيرًا فإن الورقة العرقية تلعب دورًا حاسمًا في دعم طالبان، حيث تعد الحركة الأداة التي يراهن عليها البشتون (42% من سكان أفغانستان) للعودة إلى الحكم.

أما الأسباب الخارجية، فتعد تعبيرًا عن تفاعل وتقاطع مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، التي شكلت بالمحصلة أرضية صلبة لانطلاقة طالبانية جديدة، ومن هذه العوامل: استمرار الدعم الباكستاني لطالبان ولو بشكل غير رسمي، حيث تتمتع الحركة بملاذ آمن وقاعدة دعم لوجستية ومركز للتجنيد كل هذا في الحزام القبلي الباكستاني، كما تشير بعض التقارير الغربية إلى أن إيران دخلت على الخط، وأنها تقدم دعما عسكريا وأسلحة لطالبان، ونفس الأمر بالنسبة للصين وروسيا ولو بدرجة أقل وضوحًا، وفضلا عن ذلك يشير "مطيع الله" إلى أن علاقة طالبان بالقاعدة منحتها دعما واسعا في العالم الإسلامي.

سيناريوهات المستقبل 

وقبل طرحه للسيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع في أفغانستان، يورد الكاتب أربعة عوامل حاكمة في ترجيح أي سيناريو، وهي: توسع المقاومة العسكرية وهو أمر متوقع إذا ما استمرت نفس الأسباب الداخلية والخارجية السابق ذكرها، وثانيا القضاء على المقاومة المسلحة من خلال تفعيل عمليات التنمية وإعادة الإعمار وتقوية الجيش والشرطة والتنسيق مع باكستان وطمأنتها بشأن الحدود. العامل الثالث هو الحلول السياسية والبحث عن صيغة تجمع ما بين طالبان والحكومة، سواء عبر تشكيل حكومة مشتركة أو تفويض الحركة في إدارة المناطق التي تسيطر عليها، لكن هذا الأمر تعارضه قوى حليفة للرئيس كرزاي كما أن طالبان تشترط انسحاب القوات الأجنبية قبل بعد أي مفاوضات.

أما العامل الرابع فيتعلق بتواجد القوات الأجنبية، الناتو والولايات المتحدة، فحكومة كرزاي تتمسك ببقائها لحين تقوية الجيش والشرطة، كما أن الولايات المتحدة ترى أن أهدافها من احتلال البلاد لم تتحقق بعد وما زال قادة القاعدة وطالبان طلقاء، فضلا عن أن تواجدها في أفغانستان منحها موطئ قدم على مقربة من مكامن الطاقة في آسيا الوسطى وبحر قزوين. أما الناتو فإنه يخشى، في حال اضطراره للانسحاب تحت وطأة هجمات طالبان، أن تطارده لعنة الفشل في أول مهمة له خارج الفضاء الأوروبي.

وفي ضوء ذلك فإن سيناريوهات المستقبل، حسبما طرحها "مطيع الله تائب"، تتراوح ما بين: استمرار العنف والمقاومة في الجنوب والشرق، اعتمادا على استمرار نفس أسبابه الحالية، أو القضاء على طالبان وتحجيمها وهو ما يحتاج لحدوث تغييرات جوهرية في بيئة الصراع وعوامله الحاكمة، عبر تفعيل خطط التنمية والإعمار وإعادة الثقة بالحكومة والقوات الأجنبية وبناء مؤسسات فاعلة للدولة ووقف الدعم الباكستاني لطالبان.

ويذهب السيناريو الثالث إلى سيطرة كاملة لطالبان على الجنوب والشرق واضطرار قوات الناتو للانسحاب، وهو ما يعني إعادة رسم خريطة الصراع لكن على أسس عرقية كما كان الحال قبل ظهور طالبان. وقريبا من هذا السيناريو، يشير الكاتب لسيناريو آخر يعتمد على سيطرة الحركة على كامل البلاد ما يعني اندلاع حرب داخلية على أسس عرقية، كما كان الحال قبل الاحتلال الأمريكي، وهو ما يعني بالتبعية إيجاد مبرر لبقاء القوات الأجنبية.

أما السيناريو الأكثر تفاؤلا فيذهب إلى خروج الناتو من المناطق المضطربة والعمل على تسوية سياسية من خلال فتح حوار مع المعتدلين في طالبان أو استبدال الناتو بقوات من دول إسلامية.

وفي الختام، فإن الباحث الأفغاني "مطيع الله تائب" سعى من خلال كتابه هذا لتقديم قراءة لواقع وقوى ومستقبل الأزمة الأفغانية، لكنه وكما وصف هو بنفسه الكتاب بأنه "مجرد محاولة أولية لفهم الأزمة الأفغانية وتعقيداتها"، فإن هناك الكثير من النقاط الملتبسة والغامضة التي تحتاج لإلقاء الضوء عليها.


*قراءة في كتاب الباحث الأفغاني مطيع الله تائب بعنوان "أفغانستان: عودة طالبان واحتمالات المستقبل"، الصادر ضمن سلسلة "أوراق الجزيرة" عن مركز الجزيرة للدراسات في قطر.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات