English

 

الأربعاء. مارس. 12, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

إفريقيا.. ساحة للسياسة الخارجية الإيرانية

أحمد حسين الشيمي

إفريقيا.. معبر إيران إلى قوة إقليمية؟.
إفريقيا.. معبر إيران إلى قوة إقليمية؟.
في الفترة التي أعقبت قيام الثورة الإسلامية، تخلت إيران في سياستها الخارجية عن حالة الانعزال وتمردت على التبعية، وأصبحت تتبنى عددًا من الأهداف والأدوار في سياساتها الخارجية، فتارة تسعى للقيام بدور المدافع عن العقيدة، وتارة أخرى تقود المعسكر الرافض لهيمنة القوى العظمى، ومرات ومرات.. تنشط في إقليمها وجوارها الجغرافي لإثبات وجودها، وفي كل الحالات فقد كانت تعتبر نفسها قاعدة الانطلاق للثورة الإسلامية العالمية.

وإذا كانت السياسة الخارجية الإيرانية هدفت في مرحلتها الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية لتصدير الثورة الإسلامية ومساعدة المستضعفين، فإنها لم تكتفِ بذلك، بل راحت تطور -خصوصًا في العقدين الأخيرين- أهدافها، ففي إطار سعيها للحفاظ على سيادتها وتأمين أمنها في مواجهة التهديدات الخارجية، سعت للحفاظ على علاقاتها بسائر المناطق الجغرافية بشكل يتناسب مع الظروف والتحديات الدولية، فجعلت العالم الإسلامي كله من أولويات اهتمامها، وسعت للدفاع عن مسلمي العالم في كل بقاع الأرض، والتعريف بالإسلام الصحيح ودعوته الطاهرة، كما تراهما.

كسر الحصار الغربي

لا شك أن إيران لم تَعُد دولة عادية كباقي دول العالم، لكنها أصبحت قوة إقليمية لا يستهان بها، وأصبحت دولة مثيرة للجدل بسياساتها الخارجية، وبتوجهاتها الأيدلوجية، وبتعاطف الكثيرين معها، وبمشاكل وعداء الفاعلين الدوليين ضدها، خاصة أن طهران لم تَعُد تكتفِ بمحيطها الإقليمي، بل صارت تسعى لتوطيد علاقاتها مع كل دول العالم وفي شتى أرجاء الأرض، وإذا أخذنا إفريقيا نموذجًا لدراسة أهداف ومحددات العلاقات الإيرانية الدولية، فإننا سنجد بالفعل مدى تشعب المصالح الإيرانية، وأبعاد تداخلها وربما تصادمها مع مصالح العديد من القوى الأخرى.

وقبل تناول أهداف ومحددات وكذلك تحديات العلاقات الإيرانية الإفريقية، علينا الإشارة إلى ملاحظتين هامتين هما:

  1. الاهتمام الإيراني بالقارة الإفريقية يعود إلى عقود الستينيات والسبعينيات، حيث بدأت طهران أثناء حكم الشاه وعقب استقلال الدول الإفريقية في إقامة علاقات دبلوماسية مع دول القارة، وبعد قيام الثورة الإيرانية تراجعت العلاقات (الإيرانية - الإفريقية)؛ بسبب الاضطرابات التي أعقبت الثورة، وانشغال إيران في حربها مع العراق، ومع أن بداية التسعينيات شهدت عودة الاهتمام الإيراني مرة أخرى بالقارة الإفريقية، فإن جولة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي لسبع دول إفريقية في يناير 2005 كانت هي المنعطف الأبرز في التعاون الثنائي بين إيران وإفريقيا وتحسين العلاقات بين الطرفين وتنميتها، ووضعها في مسارها الطبيعي، وتعزيز القواسم المشتركة لمواجهة المتغيرات والتحديات الإقليمية والدولية.

  2. التوجه الإيراني نحو إفريقيا يأتي في سياق التحول في أهداف السياسة الخارجية الإيرانية، من مجرد محاولة مواجهة الظروف المحلية الطارئة وتلبية الاحتياجات في ظل معطيات الوضع القائم، إلى محاولة التعرف على المناخ الدولي المحيط وتهيئته بما يحقق أكبر قدر ممكن من المصالح الإيرانية، لا سيما أن إفريقيا تمثل لها بوابة الخروج الحرّ نحو العالم عبر المياه الدولية، وتوفر لها في الوقت ذاته محطات تجارية وغير تجارية على المحيطين الهندي والأطلنطي.

كما ترى طهران أن النظام الدولي القائم على مبدأ الأحادية يلحق بها أضرارًا بالغة ويهدد مصالحها القومية، وبالتالي تسعى تجاه تكريس التعددية القطبية، ومن ثَم فإنها تبحث عن كل منطقة تسمح لها بأن تواجه الحصار الغربي والأمريكي، فقارة آسيا تحتل المرتبة الأولى في توجهها شرقًا، لكن هذا التوجه مرتبط بوجود أمريكي وتنافس صيني، وبالتالي فالبديل هو التوجه غربًا حيث إفريقيا.

الأهداف

إذا كانت طهران منذ الثورة الإيرانية تحاول مدّ النفوذ الشيعي خارج أراضيها وإن تغيرت أساليبها لتحقيق ذلك، من الشكل الصريح لنموذج تصدير الثورة إلى التغلغل في صورة منظمات خيرية ومؤسسات اجتماعية، مرورًا بالكتب والمنشورات الدعائية، فإن إيران بدأت في السعي لتحقيق العديد من الأهداف الأخرى وفي مجالات متعددة.

ففي إفريقيا، نجد أنه بالإضافة إلى الأسباب الدينية والمذهبية، هناك أهداف أخرى تتمثل في التالي:

  1. أهداف سياسية: تتمثل في رغبتها في كسب تأييد الدول الإفريقية للمواقف الإيرانية، خاصة أحقيتها في امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، إلى جانب رغبتها في القيام بدور يتجاوز الإطار القومي.. بل الإقليمي، الأمر الذي يساعدها على امتلاك العديد من الأدوات التي تمكنها من المساومة في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة والملحّة عبر بناء عدة محاور، تؤثر في إعادة تشكيل توازنات القوى.

  2. مصالح اقتصادية: لطهران أهداف اقتصادية في إفريقيا لا تخفى على أحد، ومن بين ذلك الحفاظ -عبر علاقات طهران بالدول الإفريقية النفطية- على أسعار النفط وتفعيل منظمة أوبك لتعبّر قراراتها عن الدول المنتجة وليس المستهلكة للنفط، ولإيران رغبة في الوقت ذاته في الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الإفريقية إليها، وتعزيز التبادل التجاري والاتفاق على التنسيق في استكشاف الموارد الاقتصادية، في ظل احتفاظ القارة الإفريقية باحتياطيات ضخمة من المواد الخام الطبيعية، كما أن القارة سوق مواتية لتسويق المنتجات الإيرانية.

وتشير تقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين إيران والدول الإفريقية يصل إلى حوالي 300 مليون دولار سنويًّا وهو مرشح للارتفاع خلال السنوات القادمة، وتؤكد تقارير أن الشيعة في غرب إفريقيا يقدمون دعمًا سنويًّا لحزب الله اللبناني يقدر بحوالي 200 مليون دولار، كما تسعى إيران لإقامة بعض التكتلات مثل التكتل الإفريقي الآسيوي، وفي سبتمبر الماضي وقعت طهران مع كينيا مذكرة تفاهم في مجال الإسكان وبناء المدن، وأعلن الجانبان دعمهما للاستثمار ومساهمة شركات البناء الإيرانية والكينية لتنميه بناء المباني وارتقاء بناء المدن وإنتاج مواد الإنشاء في البلدين، إلى جانب تبادل المعلومات والتجارب والخبراء في مجال الأبحاث وإنشاء المباني والمدن الجديدة.

وبالإضافة إلى أن إفريقيا ككل باتت محورًا للاهتمام الإيراني، فإن لكل دولة إفريقية على حدة خصوصيتها لدى طهران، فنيجيريا إحدى القوى النفطية الكبرى على المستوى العالم، ومالي بها جالية شيعية ضخمة، والسنغال سوق تجارية وعاصمة ثقافية ذات تاريخ عريق، وجنوب إفريقيا والنيجر يظلان مصدرًا محتملاً لليورانيوم، كما يمكن لطهران استغلال السعي الجنوب إفريقي للعب دور دولي، وقد حاولت جنوب إفريقيا بالفعل الوساطة بين إيران والدول الأوروبية الثلاث وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا؛ لتسويق مقترحاتهم لحلِّ مشكلة الملف النووي الإيراني، أما زيمبابوي فتشترك مع إيران في معارضتها للسياسة الأمريكية (صنفت واشنطن من قبل الدولتين ضمن ست دول فيما أسمته بـ"مواقع متقدمة للطغيان").

مصالح مشتركة

لا شك أن طهران في سعيها لتنمية علاقاتها بالقارة الإفريقية لا تبدأ من فراغ، فهناك تعاون بالفعل في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والفنية والعلمية والثقافية والاقتصادية، وهناك رغبة إفريقية واضحة في الاستفادة من الخبرة الإيرانية في قطاع التكنولوجيا، والنفط، ومجال صيانة معامل تكرير النفط، بالإضافة إلى الخبرة الإيرانية في مجال الاستكشافات البترولية، واستغلال الإمكانات البتروكيماوية والغاز، وأيضًا الاستفادة من قدرة إيران المتطورة في مجال الدفاع والاستخدامات العسكرية.

وقد أكد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي، على هامش قمة الاتحاد الإفريقي في فبراير الماضي، أن 2008 هو عام تنمية العلاقات الإيرانية الإفريقية، وأعلن عن استضافة طهران قريبًا لمؤتمر إيران وإفريقيا على مستوى مساعدي وزراء الخارجية، مشيرًا إلى أن هذا المؤتمر سيبحث قابليات إيران ومجالات التعاون في المحاور الثلاثة؛ (الاستثمار، والتجارة، وتنفيذ المشاريع)، وسيمهد لعقد مؤتمر وزراء خارجية إيران والدول الإفريقية.

وبالإضافة لـ"المصالح المشتركة الآنية" بين إيران وإفريقيا، فهناك العديد من "القواسم المشتركة" التي تساعد على نمو العلاقات، فالإسلام يشكل أرضية وقاسمًا مشتركًا بين الطرفين، وكلاهما عانى في الماضي من سيطرة الأجانب وتدخلهم في شئون البلاد، وكلاهما يواجه في الوقت الحاضر أجندات خارجية، ففي نفس الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة للتضييق على ظاهرة تطبيق الشريعة في الأقاليم النيجيرية؛ خوفًا من امتداد ذلك إلى البلدان الإفريقية الأخرى التي يوجد بها حركات إسلامية قوية مثل غينيا والسنغال، هناك سعي أيضًا لمحاصرة إيران ونفوذها الشيعي داخل أراضيها خوفًا من انتقاله إلى دول أخرى.

وكلا الطرفين أيضًا يعاني من تربص الدول الكبرى بهما وبثرواتهما، ويسعيان من أجل اللحاق بالعالم الأول والتغلب على المشكلات التي تعوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كل ذلك كان دافعًا ليس فقط لإيران، بل للدول الإفريقية أيضًا على التعاون، وقد علت أصوات بالفعل في إفريقيا (في زيمبابوي تحديدًا) تطالب بـ"التقارب مع إيران وبالتقارب بشكل عام بين دول الشرق والجنوب، كما تتقارب دول الشمال والغرب على اعتبار أن التعاون المتبادل سيسمح للطرفين بتشكيل جبهة في وجه العدو المشترك".

عراقيل وتحديات

إلا أنه ليس معنى ذلك أن الطريق ممهد بشكل كامل أمام نمو هذه العلاقات، أو أمام التوجه الإيراني نحو إفريقيا، فهناك العديد من العراقيل والتحديات التي تواجه ذلك، بعض هذه التحديات يتعلق بأجندة الدول الإفريقية ذاتها وأولوياتها وأهدافها وقبل ذلك بأوضاعها وتوازناتها الداخلية، والبعض الآخر يتعلق بالعوامل الدولية.

  1. التحديات الداخلية: هناك تيارات محلية في بعض الدول الإفريقية تعارض التقارب مع طهران -كل لأسبابه الخاصة-، فعلى سبيل المثال.. هناك هجوم من التيارات النيجيرية المعارضة لتنامي العلاقات (النيجيرية - الإيرانية)، على خلفية محاصرة النفوذ الشيعي خوفًا من تغلغله في البلاد التي يعتنق أغلبها المذهب السني.

  2. تحديات إقليمية ودولية: فمع أن السعي الإيراني للتغلغل أو على الأقل تفعيل التواجد في العديد من مناطق العالم ليس أمرًا جديدًا، إلا أنه بات أكثر حساسية ليس فقط بالنسبة لأعداء إيران التقليديين، ولكن أيضًا بالنسبة للعديد من القوى الدولية والإقليمية التي أصبحت تخشى على مصالحها، منها الولايات المتحدة والصين والهند وإسرائيل.

خلاصة القول.. إن السياسة الخارجية الإيرانية تحاول في الآونة الأخيرة فتح مزيد من دوائر التعاون مع كافة التجمعات، سواء كانت إفريقية أم عربية وخليجية وغيرها، وإن هذا النشاط يسير بالتوازي مع الضغوط الغربية والأمريكية بسبب برنامجها النووي، وتهدف من هذه التحركات إلى كسب مزيدٍ من التأييد الدولي لمواقفها، وإرسال رسالة إلى الدوائر الغربية تحديدًا مفادها أن لديها القدرة على الانفتاح؛ لتغيير الصورة النمطية عنها والتي تصفها دائمًا بالتشدد!.


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات