English

 

الثلاثاء. مارس. 11, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

العراق نحو شرعنة الاحتلال

مركز النخبة للدراسات

بوش والمالكي أثناء التوقيع عن بعد على 'اتفاق المبادئ'
بوش والمالكي أثناء التوقيع عن بعد على "اتفاق المبادئ"

أجرى مسئولون أمريكيون من مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع (البنتاجون) ومن وزارة الخارجية في بغداد يوم 8 من مارس الجاري مباحثات مع مسئولين عراقيين بشأن وضع تصور لعلاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية بين الطرفين على المدى الطويل.

وكان وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس قد صرح بأن بلاده ستسعى إلى اتفاقية مع الحكومة العراقية تنص على وجود عسكري أمريكي، كما أوضح مسئولون أمريكيون أن المحادثات ستتركز على القواعد الدائمة للجيش الأمريكي في العراق؛ لتحديد عددها والواجبات التي ستناط بها والمسئوليات الجنائية والأخلاقية والاجتماعية للجنود الأمريكيين.

وكانت بغداد قد أعلنت على لسان رئيس وزرائها نوري المالكي خلال شهر نوفمبر 2007 أن بلاده والولايات المتحدة قد وقعتا (يوم 26 من نوفمبر 2007) على اتفاق مبادئ يضع أساس التعاون بين البلدين الحليفين في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة.

وهذا الاتفاق يمهد الطريق للبدء بمفاوضات بين بغداد وواشنطن للتوصل إلى اتفاقية طويلة الأجل تنظم العلاقة بين البلدين وتضع أسس اتفاقية عسكرية حول الوجود العسكري الأمريكي في العراق على المدى الطويل، كما أنها ستكون البديل القانوني لقرار مجلس الأمن الخاص بالتفويض الممنوح للقوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق.

منذ البداية.. تخطيط للبقاء الطويل

منذ اليوم الأول لاحتلالها العراق، أعلنت الولايات المتحدة أن هذا الاحتلال هو لفترة طويلة قد تصل إلى خمسة وعشرين عامًا وربما أكثر.

وحتى قبل اندلاع حرب العراق تحدث محللون عن هذا التوجه الأمريكي، حيث كتب صحفي أمريكي بارز مقالاً في مجلة "أتلانتك" قبل أشهر من الحرب، أوضح فيه أن أحد أهداف حرب العراق هو إعادة توزيع القواعد الأمريكية المتواجدة في الخليج والمنطقة العربية.

وأشار الكاتب إلى أن توزيع القواعد الأمريكية لما وراء البحار الذي عززت به الولايات المتحدة وضعيتها خلال الحرب الباردة لم يأتِ نتيجة تخطيط بقدر ما كان قائمًا على ما صادف أن وصلت إليه قوات الحلفاء عندما انتهت الحرب العالمية الثانية وتوابعها؛ فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تتمتع بحق إقامة القواعد في ألمانيا الغربية واليابان وكوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط وغيرها. ثم يشير إلى أن مثل هذا السيناريو يمكن أن يعقب حرب العراق.

وبعد الحرب، أشار إلى نفس الرأي محللون آخرون كثر في واشنطن منهم جوست هلترمان الباحث في مجموعة الأزمات الدولية الذي أكد أن الإدارة الأمريكية تخطط للبقاء الطويل في العراق، مشيرًا إلى أن "أحد الأسباب التي دفعت أمريكا لغزو الأراضي العراقية، كانت تتمثل في حاجة واشنطن لتغيير مركز عملياتها بمنطقة الخليج".

ويضيف أن العراق يُعَدّ مكانًا مثاليًّا بالنسبة للولايات المتحدة لتحول إليه مركز عملياتها في هذه المنطقة؛ نظرًا لمساحته الشاسعة، مما يتيح الفرصة لأمريكا في تعزيز وجودها العسكري في الخليج انطلاقًا من أراضيه.

ويشير هلترمان إلى أن بول وولفويتز -أحد مهندسي حرب العراق- أقرَّ بهذا الأمر في تصريحات أدلى بها عام 2003 عندما كان مساعدًا لوزير الدفاع الأمريكي.

وتتعزز صحة هذه الرؤية التي يطرحها هلترمان من خلال التقارير التي صدرت في واشنطن، وأكدت أن إدارة بوش تعتزم الإبقاء على الوجود العسكري الأمريكي في العراق بشكل دائم، مشيرة إلى قيام الولايات المتحدة ببناء عدد كبير من القواعد العسكرية الدائمة في العراق.

هدف واحد.. وطرق مختلفة للتنفيذ

إذن البقاء طويل الأمد هو الهدف الذي من أجله شنّت الولايات المتحدة حربها ضد العراق، ودفعت من أجله الكثير من دماء أبنائها وأموال دافعي الضرائب، وكانت الخطط الإستراتيجية الأمريكية تنوي الإبقاء على الشكل الحالي للتواجد الأمريكي المتمثل في الاحتلال العسكري المباشر والاحتفاظ بقوات أمريكية ضخمة، كوسيلة لتحقيق هذا الهدف. 

لكن التطورات التي حدثت خلال الأعوام الخمسة الماضية من حيث ارتفاع وتيرة المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال وتكبيدها خسائر فادحة وصلت إلى حوالي أربعة آلاف قتيل من القوات الأمريكية إلى جانب عدد كبير من الجرحى، دفع بالإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في شكل الوجود الأمريكي في العراق، فبدأت بوضع الخطط لتحويل هذا الوجود العسكري الكبير إلى وجود رمزي عبر الاحتفاظ بجزء من قواتها في عدد من القواعد العسكرية التي تقوم بإنشائها في أنحاء مختلفة من العراق، على أن يكون الغطاء القانوني لهذا التواجد من خلال اتفاقية طويلة الأمد مع العراق تتيح للولايات المتحدة التدخل المباشر في كافة الشئون العراقية. 

ومع تزايد المطالبات الداخلية والخارجية بضرورة تحديد جدول زمني لخروج القوات الأمريكية من العراق بعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها، سارعت الإدارة الأمريكية في خطواتها لتنفيذ إستراتيجيتها الجديدة، وذلك رغم الأزمة التي حكمت علاقتها مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي خلال العام الماضي والتي تجلت مؤشراتها في الانتقادات التي وجهها الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال الفترة التي سبقت إعلان تقرير بتريوس - كروكر حول الوضع في العراق، ومنها التصريحات التي أعرب فيها بوش عن خيبة أمله في الحكومة العراقية لعدم قدرتها على تحقيق المصالحة في البلاد، والتوصل إلى اتفاق "على سبيل المثال لسن قانون بخصوص عائدات النفط"، وتلميحاته إلى احتمال تغيير الشعب العراقي لحكومة المالكي قائلاً: "إذا لم تستجب حكومة المالكي لمطالب العراقيين فإنهم سيبدلون الحكومة"، وتشديده على ضرورة أن تتحرك الحكومة العراقية وتبذل مزيدًا من الجهود. 

وخلال تلك الفترة شن المسئولون الأمريكيون حملة ضارية ضد المالكي مطالبين بعزله واستبداله آخر به يستطيع تنفيذ المهام المطلوبة منه أمريكيًّا، حيث وصف السفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر الوضع السياسي في العراق بأنه "مخيب جدًّا للآمال"، وحذر من أن الدعم الأمريكي لحكومة المالكي "ليس مفتوحًا"، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق فقط برئيس الوزراء، بل بالحكومة بأكملها التي عليها أن تكون فاعلة. 

وجاءت هذه التصريحات بعد مطالبة رئيس لجنة شئون القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي كارل ليفين بعزل حكومة المالكي، مشيرًا إلى أنها لم تتمكن من التوصل لحلول وسط لمشاكل سياسية رئيسية. 

التمهيد لتطبيق الإستراتيجية الجديدة

تقرير بتريوس الذي خرج للعلن في أواخر شهر سبتمبر الماضي كان البداية الفعلية لتطبيق الإستراتيجية الأمريكية الجديدة القاضية بتخفيض حجم القوات الأمريكية في العراق بعد أن ظهر بوضوح أن العدد الكبير لهذه القوات لم يستطع تحقيق الأهداف التي وضعتها إستراتيجية زيادة القوات التي طبقتها واشنطن خلال العام 2007.

فكان السعي إلى تطبيق الإستراتيجية البديلة التي تستجيب لمطالب المنادين بخروج القوات الأمريكية من المستنقع العراقي، وفي نفس الوقت تحقق الأهداف الأمريكية من الحرب؛ وهي الوجود طويل الأمد.

وتطبيق هذه الإستراتيجية كان يحتاج إلى وجود حكومة عراقية توافق على تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية الجديدة من خلال توقيع الاتفاقيات القانونية التي تضمن تحقيقها، ولم تجد الولايات المتحدة أفضل من المالكي للقيام بذلك باعتبار أنه من أضعف الشخصيات السياسية التي تولت الحكم منذ الاحتلال الأمريكي للعراق.

لذا سعت الولايات المتحدة إلى وقف حملة الانتقادات الموجهة ضده، بل أعلن الرئيس الأمريكي إعادة تجديد الثقة به، حيث أكد أنه لا يزال يدعم رئيس الوزراء العراقي، مشيرًا إلى أن المالكي "رجل طيب يقوم بعمل صعب وأنا أدعمه".

وأثبت المالكي أنه رجل "طيب" بالفعل، فقد قام بالتوقيع على اتفاق مبادئ الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ردود فعل رافضة

لكن هذه "الطيبة" التي تبدت لدى المالكي لم تنسحب إلى بقية السياسيين العراقيين، حيث أعلنت أطراف سياسية مختلفة رفضها للاتفاق، على رأسها التيار الصدري الذي اعتبر إعلان المبادئ تمهيدًا لاحتلال مدني طويل الأمد للعراق، مضيفًا أنه يتعارض مع مساعي التيار في إخراج القوات الأمريكية التي وصفها بالمحتلة في أقرب فرصة.

وقال إن الاتفاق يتعارض أيضًا مع الوثيقة التي تمت مناقشتها أمام المجلس السياسي للأمن الوطني مؤخرًا، منتقدًا إغفال الاتفاق تحديد جدول زمني للوجود الأمريكي، وعدم حصر القيادة العسكرية بيد العراقيين، وشدد على رفض التيار لأي وثيقة تمهد لاتفاق أمني مع الجانب الأمريكي، معتبرًا أنه قد يكون حجة قانونية لبقاء القوات الأجنبية، ودعا إلى عرض الاتفاق على البرلمان والشعب العراقي ليقول كلمته بشأنه.

من جهته، قال النائب ظافر العاني عن جبهة التوافق السنية: "لدينا تحفظات على هذه الاتفاقية؛ لأنها عقد بين طرفين غير متكافئين"، مضيفًا أن ذلك "بالتالي سيتيح للولايات المتحدة فرصة للتدخل في مختلف مجالات الحياة".

هل تنجح؟..

ليس هناك أدنى شك في أن الولايات المتحدة تسعى من وراء كل خطوة تخطوها في العراق إلى حماية ما تعتبر أنه مصالح حيوية لها في هذا البلد وفي المنطقة بأكملها، لكن السؤال المطروح:

هل تنجح الخطة الإستراتيجية الجديدة لواشنطن، خاصة في ظل المعارضة الشعبية الكبيرة لها؟..

وإذا كانت الولايات المتحدة تواجه صعوبات كبيرة بالبقاء في العراق في ظل وجود أكثر من مائة وستين ألفًا من جنودها، فكيف سيكون الوضع في ظل حاميات صغيرة مختبئة داخل القواعد العسكرية التي تشيدها؟..

رغم أن الإجابة عن هذه التساؤلات مرهونة بتطورات الأوضاع على أرض الواقع، فإنه يمكن القول إن الفشل سيكون من نصيب هذه الإستراتيجية كما كان بالنسبة للإستراتيجية السابقة لها، فما دام هناك رفض شعبي لهذا الوجود الأمريكي فسوف يفشل الأمريكيون في الاحتفاظ بوجودهم في العراق سواء كان بشكل كبير أم محدود، خاصة أن هذا التواجد سوف يؤخر عملية عودة الحياة الطبيعية إلى العراق؛ بسبب الصراعات التي تولدت عن الاحتلال، سواء الصراع الدائر بين المقاومة والاحتلال نفسه أم بين الطوائف المختلفة للشعب العراقي.

وكلما تعقدت الحياة وزاد الفقر والبطالة -بسبب تخريب الاقتصاد الناتج عن نهب المحتل لثروات البلاد- زادت المقاومة الشعبية لهذا الاحتلال بدخول طبقات وفئات جديدة للمقاومة؛ وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى تزايد الصعوبات أمام استمرار هذا الاحتلال حتى لو أخذ شكل علاقات إستراتيجية بغطاء قانوني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات