English

 

الاثنين. مارس. 10, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ماذا بعد الانقلاب الروسي والصيني على إيران؟

نبيل شبيب

مفاعل بوشهر النووي
مفاعل بوشهر النووي

لم يكن مفروضًا التساؤل هل سيتحوّل الموقف الروسي من الملف النووي الإيراني بل كان من المفروض التساؤل متى سيكون التحول. ولئن عبّر الساسة الإيرانيون عن مفاجأتهم به الآن، فالأهم من ذلك هو أن يكونوا قد وضعوه في حسابهم، ما داموا يريدون المضيّ قدما في تخصيب اليورانيوم في إطار استغلال الطاقة النووية. ومن وراء ذلك يبدو وكأنّ مجموعة الدول العربية والإسلامية لا تطرح على نفسها ما يعنيه تطوّر الموقف الدولي من خلال ما طرأ على الموقف الروسي -والصيني- إزاء الملف النووي الإيراني.

الردع المحظور

كلمة الملف النووي نفسها في حاجة إلى شيء من التأمّل. علام يكون سعي إيران -أو سواها من البلدان الإسلامية- لامتلاك الطاقة النووية، ملفّا على جدول أعمال دولية، والمعروف أن كلمة "ملف" تعني اعتبار الموضوع قضية على جدول أعمال بضع دول، لتتخذ قرارها أو تتخذ "حكما غيابيا" بصددها؟..

وللسؤال جانبان: أوّلهما التسلح النووي، والثاني استغلال الطاقة النووية لأغراض سلمية. ولا يوجد من يعتبر السلاح النووي سلاحًا مرغوبًا في انتشاره، فهو سلاح إجرامي فتاك، يتناقض ابتكاره، وصناعته، وتخزينه، والتهديد به، ناهيك عن استعماله، مع أبسط حقوق الإنسان، ومع أبعد ما تفتقت عنه الأذهان بشأن القوانين الدولية في السلم والحرب، يقتل بلا تمييز، ويدمّر دون حدود مكانية أو زمانية، فيصنع الموت لأجيال عديدة، ويقتل البيئة لزمن طويل. هو سلاح مرفوض يجب حظره، ويجب إتلاف ما يوجد منه. هذا أمر مفروغ منه، لا يستحق جدلاً.

ولكن المشكلة ليست في "المبدأ والمنطق"، بل في الواقع القائم، والواقع القائم هو أنّ الدول التي تمتلك السلاح النووي تصرّ على امتلاكه، وتطويره، وصناعة المزيد منه، وتخزينه، وفرض إرادتها وأطماعها وهيمنتها عالميا؛ لأنّها تمتلكه، وهي التي تأبى مجرّد وقف تطويره أو الحدّ من المخزون منه، وترفض إتلافه، وتريد أن يبقى وسيلتها للسيطرة والهيمنة عالميا، فلا غرابة أن تستبيح لنفسها العمل على حظر انتشاره. ولكن كيف يستبيح لأنفسهم المهدّدون بخطره، ممّن لا يملكونه، تقبّلَ ما تصنعه الدول النووية، وهو احتكار هذا السلاح الإجرامي الفتاك، والحيلولة دون امتلاك الآخرين ما يردع خطره عن أنفسهم وشعوبهم وبلادهم.

هل ردع أمريكا أي شيء، قانوني أو إنساني أو سياسي أو أخلاقي، عن استخدام السلاح الفتاك ضدّ اليابان عندما أصبحت في نهاية الحرب العالمية الثانية عاجزة لا تملك قوة كافية لردع أمريكا النووية؟..

هل ردع أمريكا أي شيء عن استخدام السلاح الكيماوي والحيوي/ البيولوجي/ الجرثومي الفتاك ضدّ فيتنام عندما كانت لا تملك القوة الرادعة عن ذلك؟..

هل ردع أيّ شيء الأمريكيين، والروس، والبريطانيين، والإسرائيليين، والفرنسيين، وغيرهم، عن استخدام أسلحتهم الفتاكة، ذات مفعول التدمير الشامل، وسواها، كالقنابل العنقودية والانشطارية والعملاقة والحارقة وسواها، ضدّ ضحايا حروبهم ومطامعهم وعدوانيتهم، في أنحاء العالم، ما دام الضحايا لا يملكون سلاحا رادعا؟.

بغض النظر هل ستمتلك إيران القنبلة النووية أم لا، يجب الخروج من نفق التسليم لشريعة الغاب، أن يصنع من يملك القوّة ما يشاء، وألا يسعى "الآخر" أيا كان، لامتلاك سلاح يكفي لردع استهدافه.

من هنا يجب أن تتلاقى الدول العربية والإسلامية؛ لأنها لا تستطيع التصرف كلّ بمفرده، على اتخاذ موقف مشترك قاطع، تستعيد من خلاله حقها في امتلاك القوة الرادعة، بكل وسيلة، وأن تتعاون على ذلك دون قيود، وأن يكون تسلّحها على مستوى يكفي لردع الأطراف المعادية لها، على حسب ما يمتلكونه من سلاح، مع الاستعداد للاتفاقيات الدولية المتوازنة الملزمة، أي التي تؤدّي فعلا إلى تخليص البشرية من الأسلحة الفتاكة، أسلحة التدمير الشامل، وعلى وجه التحديد، وقف تصنيعه وإتلاف المخزون الكبير الموجود منه لدى الدول النووية حاليا، وهو ما بدأت به فعلا اتفاقات الحدّ من التسلّح في حقبة الانفراج الدولي قبيل نهاية الحرب الباردة، ثم تراجعت عنه الدول المعنية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

أرضية مشتركة دولية

السياسة الروسية في هذا الإطار لا تختلف من حيث الأساس عن سياسات الدول الأخرى المتوافقة معها على منع انتشار الأسلحة النووية وغيرها من الأسلحة المتطورة، وكذلك الحيلولة دون وجود قوة رادعة لدى دول العالم الثالث، وعلى وجه التخصيص الدول الإسلامية.

هذه السياسة لا تقوم فقط على "منع" صناعة السلاح النووي، بل تقوم على منع كلّ تقنية مدنية متطوّرة، إذا كانت ذات صبغة عسكرية، أو شبه عسكرية، برغم أنّ هذه التقنيات تساهم إسهاما كبيرا في تحقيق هدف التقدّم، في إطار استغلالها سلميا.

وبتعبير آخر: لا يُحظر التسلح، وردع المتسلّحين، بل يُحظر أيضا "التقدم التقني" على الشبهة.

كلمة "الملفّ" لا تعني في الواقع التطبيقي هنا سوى استباحة التدخّل المباشر، حصارا، ورقابة، واعتداء على حرية التجارة، وعلى حرية تنقل الأموال والأشخاص، مع قابلية أن يكون ذلك مقدّمة لعدوان عسكري، استباقي، أي قبل أن تصل جهود الدولة المستهدفة، إلى مستوى قريب من تأمين قوة رادعة ذاتية لنفسها.

التعاون المنوّه به بين الدول العربية والإسلامية، هو التكتل على رفض الخضوع لهذا السلوك الدولي العدواني تجاهها، منفردة ومجتمعة، ولرفض تحويل الهدف المشروع، الإيراني، أو الباكستاني، وربما الملف السعودي والمصري مستقبلا، ليكون "ملفا"، لقضية تتصرّف بها إرادة الأطراف المدجّجة بالسلاح، الممارسة للعدوان، دون قيد ولا شرط.. ودون ردع.

التكتل هو مصدر قوة الردع البديلة، والامتناع عنه هو ما تعنيه كلمة "الخضوع" مع كلّ ما يترتب عليه من أخطار حاضرة ومستقبلية.

السياسة الروسية في هذا الإطار جزء من "السياسة الدولية" -أي السياسة التي تحتكرها لنفسها بضع دول كبرى وتسميها دولية- وهذه تتضمّن المدّ والجزر، والخلاف والوفاق، والمساومات العلنية وراء ستار، والتنافس والتعاون، والصراع والمصالح المشتركة، وجميع ذلك في وقت واحد.

لهذا لم يكن صحيحا تصوّر السياسة الروسية -وكذلك الصينية- باتخاذ موقف أقلّ انحيازا بالمقارنة مع الدول الغربية تجاه إيران، وكأنّها سياسة تعاون وتحالف واتفاق مع إيران، ضدّ القوى الغربية، إنّما هي من البداية، سياسة ضغوط ومساومات لانتزاع "ثمن" أكبر للمواقف والممارسات التي يرغب فيها "الشركاء" الدوليون.

والدول الغربية تتعامل مع روسيا والصين بالأسلوب نفسه، وتعلم أن نهاية المساومات تأتي عند تحديد الثمن، وقبول الآخر به، وتسعى أن يكون ثمنا منخفضا قدر الإمكان، ولكن لا يستمرّ ذلك إلى أن تضمحلّ السيطرة على "الملف" المطروح على موائد المساومات، ولهذا فالنهاية -بمعنى حدوث تبدّل في الموقف الروسي- كانت من البداية رهنا بأمرين متوازيين، أولهما ما تحصل روسيا والصين عليه، وثانيهما المرحلة التي تصل إليها الجهود الإيرانية لامتلاك أسباب التقنية النووية.

لا يُستبعد أن يكون الثمن مرتبطا بالدرع الصاروخية الأمريكية، أو بالنفط والغاز في حوض قزوين، أو سوى ذلك، فالأهم هو أن فترة المساومات وصلت إلى مرحلة التلاقي على خطوة أخرى في اتجاه تضييق الخناق الدولي على إيران ومشروعها النووي، فلم تتردد موسكو عن إعلان موقف جديد، "مفاجئ" لإيران لظهوره وكأنه سياسة روسية جديدة، تحوّلت في اتجاه جديد، بين ليلة وضحاها.

خلل التسلح والردع إقليميا

الجدير بالذكر، أنّ التلويح بالخطر النووي الإيراني، كان من وراء ما ظهر وكأنه سخاء أمريكي في "عروض" تقديم السلاح لدول الخليج العربية، وعروض القبول المشروط بدخولها مع مصر في ميدان استغلال الطاقة النووية سلميا.

الجدير بالذكر أيضا أن هذه العروض اقترنت بصفقات فورية وثابتة، وليس مجرّد عروض، لتزويد الإسرائيليين بكميات من السلاح الأمريكي، أكبر وأكثر تطوّرا.

والسؤال: ما الذي سيكون عليه مصير تسليح دول الخليج، بعد استكمال أسباب "محاصرة الخطر النووي الإيراني" دوليا، و"إغلاق الملف"؟..

وإذا ألغيت هذه الصفقات، أو انقطعت، أو هبط مستواها -بغض النظر عن أنها مقيدة على كل حال- فهل ستلغى بالمقابل الصفقات الأمريكية-الإسرائيلية؟..

إنّ مجموع المنطقة العربية والإسلامية، لا سيما منطقة الخليج بدوله العربية مع إيران، سيشهد آنذاك ولعدة عقود، خللا أكبر بكثير مما هو قائم حاليا، على مستوى التسلح تجاه العدو الإسرائيلي الأكبر والأخطر في المنطقة، والموجّه ضدّ كافة دولها دون استثناء.

الخلل قائم الآن ومرشّح لاستفحاله مستقبلا؛ لأن في منطلق "التصوّر الأمني" لدى الدول العربية خللا كبيرا. ولن يخفّف من شأن الأخطار الخارجية الحقيقية على هذه الدول، أن يمضي بعضها في سياسات المحاور والأحلاف، داخل نفق الهيمنة الأمريكية، ولا في الاعتماد على قوة أجنبية غربية أيا كان مصدرها، في مواجهة خطر إسرائيلي مدعوم غربيا دون حدود.

مرة أخرى لا يبقى أمام الدول العربية والإسلامية إلا التكتل دفاعا عن وجودها، حاضرا ومستقبلا، وفي ميدان صيغة أمنية مشتركة بالذات، مع كل ما تتطلبه من تعاون في ميادين أخرى، اقتصادية وتقنية ومالية وسياسية.

قد تكون المعطيات الآن أفضل ممّا كانت عليه بالأمس القريب، وربما أفضل من أي وقت آخر في المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب الانكفاء الأمريكي دوليًّا وفي إطار الهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، على أكثر من صعيد، بل إضافة إلى ذلك يوجد ما يكفي من المبادرات الأولية لشيء من الانفتاح بين دول المنطقة، العربية بالإضافة إلى إيران وتركيا.

والاستفادة من هذه الفرصة، ليست مجرد "تكتيك" مؤقت، ولا تتحقق إذا بقيت في هذه الحدود، بل يجب أن تنطلق من صيغة شمولية بعيدة المدى وفي مختلف الميادين. ولا يبدو أنّ هذا "واقعي" ما دامت الدول العربية كما تشير الإعدادات "الساخنة" لقمة دمشق 2008م، أقرب إلى ترسيخ أسباب الخلاف منها إلى إنهاء سياسات المحاور، وأقرب إلى تضييع بعضها بعضًا من خلال دعم الضغوط الخارجية، منها إلى التلاقي في مواجهة تلك الضغوط.

المعادلة السياسية واضحة، تبدأ بإصلاح قطري بين الحكام والشعوب، وتمرّ بإصلاح عربي عربي، وتصل إلى إصلاح عربي إسلامي شامل، والبديل هو اختناق الأقطار العربية والإسلامية، قطرا بعد قطر، وفي "ملفّ بعد ملفّ"، مع بقائها جميعًا في مؤخرة الركب البشري، على كل صعيد، اقتصادي وسياسي وأمني.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات