English

 

السبت. مارس. 8, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » العدوان والمقاومة

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عملية القدس.. تعيد إلى الواجهة نمط العمليات الاستشهادية

عدنان أبو عامر

أقصى الاحتياطات الأمنية في القدس
أقصى الاحتياطات الأمنية في القدس
جاءت عملية القدس الأخيرة في قلب القدس المحتلة لترسخ من جديد قناعة بدت للوهلة الأولى غائبة مرحليا عن ساحة المواجهة، وهي أن قوى المقاومة الفلسطينية تعتقد جازمة أن العمليات الاستشهادية من الوسائل الأكثر إيلاما للاحتلال الإسرائيلي والدولة العبرية عمومًا، لا سيما أن حدودها لا تتوقف في الأراضي المحتلة عام 1967، بل تتقدم لتصل إلى عمق الكيان الإسرائيلي، وتعتبر هذه العمليات حلقة في سلسلة طويلة لأعمال فدائية قام بها المقاومون منذ الانتداب البريطاني على فلسطين، إلا أن حدة هذه العمليات وضراوتها على الإسرائيليين اشتدت بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في شهر رمضان لعام 1994 واستشهاد أكثر من أربعين مصليا في صلاة الفجر على أيدي مستوطن متدين، الأمر الذي جعل حركات المقاومة تبدأ هذا النوع من العمليات، انطلاقا من مبدأ "المدنيين بالمدنيين".

وقد تعهدت حركة حماس في حينها بتنفيذ "خطة حماسية" في قلب المدن الإسرائيلية للرد على هذه المذبحة، انطلاقا من مبدأ العين بالعين والسن بالسن، وكانت كتائب القسام الرائدة في تنفيذ هذا النوع من العمليات، بعد أن وقف على رأسها المهندس يحيى عياش، وما لبثت أن انضمت لها باقي الأجنحة العسكرية، فكانت عمليات العفولة، الخضيرة، شارع ديزنكوف، رامات غان، رامات أشكول، الحافلة 18، عسقلان، مقهى أفروفو، سوق محنى يهودا، مطعم سبارو، فندق بارك، وغيرها الكثير والكثير.. سقط خلالها مئات القتلى وآلاف الجرحى الإسرائيليين.

ووفقا لتعريف جهاز "الشاباك" الإسرائيلي فإن تعريف العملية الاستشهادية يعني "كل فدائي قام بتنفيذ عملية يحمل حقيبة أو حزاما ناسفا، أو سيارة مفخخة بالمتفجرات، لاسيما إن كتب وصية وسجل شريطا، على أنه الشهيد الحي قبل تنفيذ العملية، أو كل من قام بعمليات إطلاق نار وسط جمهور في مدينة أو تسلل إلى مستوطنة، وكانت فرص نجاته ضعيفة".

دور العمل الاستشهادي

لم تعد الإيجابية الكامنة في هذه العمليات تخفى على أحد، بل إن جدواها تمتد لتصب في عمق قضية المقاومة، وتحرز لها مكاسب لا تبلغها أي وسيلة أخرى، ويمكن حصر أهم آثار ومفاعيل العمليات الاستشهادية على ساحة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي فيما يلي:

أولا: تعتبر هذه العمليات سلاحا فاعلا ومؤثرا في مواجهة المجازر المتلاحقة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني الذي ترك وحيدا دون نصير أو معين، وثبت بالشواهد الحية الواقعية أن أيا من الخيارات التي تنفي العمل العسكري لم يكن قادرا على الدفاع عن الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، الذي دمر وشرد وقتل وجرف وزرع الموت والخراب في الأرض والديار والمدن والقرى والمخيمات، وأن هذه العمليات هي الوسيلة الوحيدة التي أرهبت المحتل وأرغمته على إعادة حساباته في كثير من الأحيان.

ثانيا: شكلت هذه العمليات نوعا من توازن الرعب والردع مع المحتل، فاستهداف المدنيين الفلسطينيين قابله استهداف المدنيين الإسرائيليين، ولئن كان ميزان الفعل مختلا لصالح الاحتلال بحكم ترسانته وقدراته الحربية الضخمة، فإن مدى الرعب والفزع الذي ينجم عن العمليات الاستشهادية حال حدوثها، يكشف بجلاء حقيقة الردع الذي تحدثه في أوساط الإسرائيليين على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم، وبالتالي باتت العمليات الاستشهادية الخيار الأكثر أهمية أمام الشعب الفلسطيني في مرحلة من المراحل، لمنع إسرائيل من جني ثمار ميل ميزان القوى العسكري لصالحها، ذلك أن الإسرائيليين فقدوا الأمن، مقابل افتقاد الفلسطينيين للشعور نفسه.

ثالثا: تتميز هذه العمليات بكونها السلاح الوحيد الذي لا تملك كل القوى المادية مواجهته والتصدي له، فالأمر لا يتعلق بتقنيات تكنولوجية يمكن مواجهتها بذات الأسلوب، بل بكتلة من الإرادة التي تريد التفجر في سبيل تحقيق هدف منشود، فقد فشلت كل المحاولات التي استهدفت تغييب هذا الأسلوب عن واقع الصراع مع المحتل، ويكفي اعتراف "إسحق رابين" رئيس الوزراء الأسبق بالعجز في مواجهة الاستشهاديين والعمليات الاستشهادية، قائلا لمنتقديه: ماذا يمكن أن تفعل لإنسان يريد أن يموت؟!.

رابعا: تشكل هذه العمليات في جانبها البشري أسلوب المقاومة الأكثر سهولة ويسرا بالمقارنة مع الأساليب الأخرى، إذ أن الأمر لا يتعدى توفير الشخص اللازم لتنفيذ العملية، وتزويده ببعض التوجيهات والإرشادات، دون أن يتطلب الأمر تدريبا حقيقيا على استخدام السلاح، أو التزود بمهارات نوعية، أو اشتراط خبرات معينة لإنجاح المهمة.

وفي المقابل أثبتت الإجراءات الإسرائيلية بطلان جدواها في مواجهة هذه العمليات في ضوء اليسر والسهولة التي تتمتع بها، وقد أدى هذا الإخفاق إلى أن يصف "يعقوب بيري" رئيس الشاباك الأسبق، تجربة شارون لمنع العمليات الاستشهادية بأنها "قصة فشل ذريع في مجال الأمن"، فضلا عن اعتراف الجنرال "جان لوفت" بأن الفلسطينيين يدركون أن إسرائيل لا تمتلك سلاحا مضادا لسلاح الاستشهاد، وإذا نجحت في استحداث ونشر النظام الصاروخي "آرو" لمواجهة أخطار صواريخ "سكود"، فإنها لا تملك لمواجهة القنبلة البشرية غير بناء الأسوار الشائكة!.

ويقول ضابط آخر: إن الفلسطينيين باتوا يدركون أن الهجمات "الانتحارية" سلاح إستراتيجي، يحقق التوازن مع التفوق التقني والعسكري الإسرائيلي، إن الفلسطينيين قرروا استخدام هذا السلاح بطريقة منظمة، وهو يحقق لهم ما لم يحققه أي سلاح آخر، فقد منحهم القدرة على إنزال خسائر بالغة وغير مسبوقة بإسرائيل، وقرب لهم تحقيق التعادل الإستراتيجي مع "الجيش الذي لا يقهر"!.

خامسا: تعتبر هذه العمليات التي تصيب العمق الإسرائيلي، أفضل الوسائل لإيقاع أكبر وأفدح الخسائر بالاحتلال؛ لأن إمكانية حدوثها في أماكن مختلفة تعج بالإسرائيليين تعطي مؤشرا واضحا على حجم القتلى والجرحى الذي تحدثه في صفوفهم، ولعل الأرقام التي تمخضت عنها هذه العمليات تحمل أبلغ الدلالات في هذا السياق، ودفعت برئيس جهاز الشاباك السابق ووزير الأمن الداخلي الحالي "آفي ديختر" للقول بأن العمليات الاستشهادية حصدت معظم القتلى، وبلغة الأرقام فقد تسببت بسقوط 55% من القتلى والجرحى، على الرغم من أنها تشكل 5% فقط من مجموع العمليات الفدائية، مما جعلها تشكل تهديدا إستراتيجيا للدولة.

ووفقا للإحصائيات المنشورة فقد بلغ عدد القتلى في العمليات الاستشهادية حتى سبتمبر 2002 حوالي 630 قتيلا مقابل 254 قتيلا في فترة ما قبل اتفاق أوسلو، فيما فاق هذا العدد القتلى الإسرائيليين منذ العام 1978، بحيث سقط خلال 23 عاما 554 قتيلا.

العجز الإسرائيلي

دفع الإخفاق الأمني والعسكري لقوى الأمن الإسرائيلي -في الحد من العمليات الاستشهادية والقضاء عليها- الكثير من المحللين والإعلاميين الإسرائيليين لأن يعنونوا صحفهم ونشرات أخبارهم على النحو التالي: ازدهار كتائب الموت! الانتحاريون جعلوا الإسرائيليين يعيشون بأجسامهم ولا يسكنون إسرائيل بأرواحهم، تحولوا إلى مهاجرين خارجها! انتحاريو حماس يفرضون حظر التجوال في إسرائيل! الإسرائيليون يذوقون طعم الفشل الأمني على أجسادهم! لا توجد ضربة قاضية للانتحاريين! الانتحاريون: أبطال الحرب المفزعة! إسرائيل: المكان الأخطر على اليهود في العالم! بفعل العمليات الانتحارية: الدولة تحترق، الأمن يتقوض، الاقتصاد يتدهور! الانتحاريون يحددون أيامنا وأعمارنا، يتعقبون خطواتنا، يمسكون برقابنا، ويمتصون دماءنا!

وجعلت الكاتب والسياسي "أوري أفنيري" يصف المواجهة القائمة بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة بأنها أشبه بملاكمين على الحلبة، الأول بطل من الوزن الثقيل، وخصمه صاحب وزن الريشة، الجميع يتوقع ضربة قاضية مع بداية الجولة الأولى، لكنها تنتهي بدونها، والجولة الثانية تنتهي بدونها أيضا، حتى أن الملاكم الضعيف لا يزال واقفا على قدميه في الجولة الثالثة والرابعة، فمن الواضح أنه المنتصر!

وقال آخر: بفضل العمليات "الانتحارية" نجح الفلسطينيون في قلب شوارع إسرائيل إلى معسكر حربي كبير ومرهق، ونجحوا في المس بقسوة بالاقتصاد الإسرائيلي، وفي الحفاظ على اهتمام الأسرة الدولية بمشكلتهم، وبالتالي لولا العمليات "الانتحارية" لكانت المعاناة والضائقة من نصيب الفلسطينيين وحدهم.

بيت العنكبوت!

أنتجت العمليات الاستشهادية شعورا ملؤه اليأس والإحباط لدى الإسرائيليين، بعد أن عكست شدتها مدى الخوف الذي يحيونه، وأصبح الاستشهادي "ضيفا ثقيلا" على الحياة اليومية لهم، وأضحت هذه العمليات سببا في شيوع حالة من القلق والتوتر داخل الأسرة الإسرائيلية، مما جعل أحد الآباء يقول في حوار مع أبنائه: "دعونا نأكل ونشرب، فسوف نموت غدا"!.

علما بأن رئيس هيئة أركان الجيش السابق "موشيه يعلون" حذر الإسرائيليين من نجاح المقاومة في تحقيق النظرية المعروفة "بيت العنكبوت"، المنسوبة إلى الشيخ حسن نصر الله أمين عام حزب الله، التي تعني أن إسرائيل دولة عسكرية، لكن مجتمعها ثري ومدلل غير مستعد للكفاح، فإسرائيل لديها جيش قوي ذو تفوق تكنولوجي وقدرات إستراتيجية، إلا أن مواطنيها غير مستعدين للتضحية بحياتهم للدفاع عن مصالحهم وأهدافهم الوطنية.

وبالإمكان التطرق لأبرز الآثار السلبية على مختلف المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية للعمليات الاستشهادية على النحو التالي:

1- منذ بداية الصراع لم تواجه إسرائيل مشكلة إستراتيجية معقدة ومركبة مثلما تواجهه أمام العمليات الاستشهادية، ولم تفهم هذه الظاهرة حتى بواسطة علماء النفس، ولم يتم التوصل لأجوبة بعد.

2- بينما وصلت نسبة هذا النوع من العمليات في منتصف الانتفاضة إلى 6% فقط من مجمل الأعمال الفدائية ضد إسرائيل، فقد وصلت نسبة الخسائر التي أوقعتها 50% من مجمل الخسائر الإسرائيلية.

3- فشل الاجتياحات الإسرائيلية للضفة الغربية وقطاع غزة في وقف هذا النوع من العمليات، وبات الفلسطينيون يشعرون أن إسرائيل دخلت مأزقا إستراتيجيا، ويصفون الأعمال الفدائية الجديدة بـ"قنبلة فلسطين النووية".

4- نمو ثقافة جديدة في المجتمع الفلسطيني تعرف بـ"ثقافة الاستشهاديين"، حيث يتغنون بها ويمجدون الفدائي الذي يفجر نفسه، وتمجد هذه الأعمال بين الصغار حتى في حضانات الأطفال، والمكانة الاجتماعية لعائلة منفذي هذه العمليات ترتفع أمام الناس.

في هذا السياق تأتي عملية القدس الاستشهادية، والناظر لآثارها الآنية -بغض النظر عن جملة الإدانات والاستنكارات- يتطلب منه وهو بصدد إجراء حسابات الربح والخسارة في المعركة الدائرة حاليا بين الشعب الفلسطيني المقاوم وبين آلة القمع الإسرائيلية، ضرورة أن يأخذها بعين الاعتبار لدى إجرائها، ومن زاوية مواجهة الحملة التي تشنها جهات وأقلام متعددة بهدف التشكيك في جدوى الانتفاضة وخيار المقاومة في ظل موازين القوى العسكرية.

ومهما قيل من انتقادات تبدو قاسية بحق العمليات الاستشهادية ومنفذيها فإنها لا تكاد تصمد أمام السؤال الطبيعي: كيف يمكن للفلسطيني المذبوح في غزة، والمطارد في الضفة، أن يقف مكتوف الأيدي أمام مجازر ترتكب بحقه، ومخاطر تهدد لقمة عيشه ومقدساته، وماذا لديه غير لغة المقاومة والتضحية بالنفس لردع من يستبيح دمه وأرضه وحقوقه، ماذا يفعل أمام واقع قاس، ومستقبل غامض يهدد حاضره ويستهدف وجوده، لذلك لا يمكن القول إلا أن العمليات الاستشهادية تبدو ضرورة تفرضها ظروف الصراع غير المتوازن، ولن تنتهي إلا بانتفاء أسبابها ومبرراتها.


كاتب وصحفي فلسطيني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات