|
| محمدين كولاشي |
"أنا كوسوفاوي، ولدت في مدينة بيجا في غرب العاصمة الكوسوفاوية بريشتينا ودرست اللغة والآداب الفرنسية بزغرب في كرواتيا، ودرّست الفلسفة لمدة سبعة عشر عامًا في جامعة كريستينا باللغة الألبانية، ولكني أنجزت رسالة الدكتوراه في الفلسفة بفرنسا، حيث أدرّس الآن في جامعة باريس الثامنة، وترجمت العشرات من المؤلفات الفرنسية إلى اللغة الألبانية كمؤلّفات الفيلسوف الفرنسي ديدرو وجان بول سارتر وهنري ديفافر وجون فرنسوا ليوتار".
هكذا يعرّف المثقف والباحث الكوسوفاوي "محمدين كولاشي" بنفسه في لقاء مع شبكة "إسلام أون لاين.نت"، وقد تعرّض إلى الإبعاد والطرد من الجامعة في كوسوفا بسبب آرائه المنادية بالاستقلال، مما سبب له النفي فيما بعد إلى العاصمة الفرنسية باريس.
وحول ظروف الإبعاد من كوسوفا يقول الفيلسوف الكوسوفاوي: "عملت كثيرًا في الجامعة في مدينة بريشتينا قبل اندلاع الأزمة سنة 1991 وصعود القومية الصربية والتي ترافقت مع سياسة الرعب ضد الألبان، وكنتيجة لسياسة التطهير العرقي التي مارسها الصرب وسياسة مسح الهوية قاموا بحملة على المؤسسات الكوسوفاوية، مجبرين كل الطاقات والكوادر العلمية من أساتذة جامعات وأطباء وصحفيين وغيرهم، على التخلي عن مناصبهم واستبدال الصرب بهم؛ وهو ما أدّى إلى مغادرتي كوسوفا واستقراري بفرنسا".
في كتابه "إلغاء الآخر" والذي صدر بفرنسا في سنة 2006 يقوم محمدين كولاشي بقراءة في المشكلة البلقانية وجذورها التاريخية، كما يقوم بتحليل سياسي للمرحلة الحالية، حيث يقول: "فصّلت في الكتاب كلّ ما قام به الصرب من تمييز عنصري في الجمهوريات التابعة ليوغوسلافيا سابقًا، مثل البوسنة وسلوفينيا ومقدونيا وكرواتيا وكوسوفا بلادي بطبيعة الحال، وفي الكتاب ذاته تحدّثت عن تجربة المقاومة الكوسوفاوية السلمية مع إبراهيم روجوفا، ووصولاً إلى المطالبة بالاستقلال الذي تحقّق هذه الأيام".
وحول هذه التجربة كمثقف من كوسوفا يرى الحلم وقد غدا حقيقة كان هذا اللقاء مع محمدين كولاشي.
سؤال: بداية.. يوم 17 فيفري/ فبراير، أي يوم إعلان الاستقلال في بريشتينا عاصمة كوسوفا، كان يومًا مشهودًا بالنسبة للكوسوفاويين، كيف عشته كأحد أبرز مثقفي هذه الجمهورية الناشئة؟
محمدين كولاشي: كنا منذ مدة طويلة ننتظر هذا التاريخ، إعلان استقلال كوسوفا، ولكن لتفسير الحدث يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ما حدث في العشرين سنة الأخيرة، وما يمكن أن أسمِّيه "دوَّامة الرعب"، وكالعشرات من الكوسوفاويين الذين اقتيدوا إلى السجون، وكان لي حينما كنت في كوسوفا العشرات من الطلبة الذين أودعوا السجون، ووصل عدد المعتقلين السياسيين إلى حوالي 22 ألف معتقل، بحسب التقارير الدولية في سنوات الثمانينيات، وحُكم عليهم بالسجن ما بين عامين وعشرين عامًا، وحوكموا بسبب آرائهم، ورغبتهم في الاستقلال القومي. ولتفسير يوم 17 فيفري/ فبراير الماضي أيضًا علينا أن نذكر ما حدث من معاناة وتعذيب في السجون، وقتل للمتظاهرين في الشوارع، كل هذا عاشه الشعب الكوسوفاوي.
سؤال: ولكن كيف ولدت فكرة الاستقلال ذاتها؟
محمدين كولاشي: بعد العديد من السنوات التي اعتمد فيها الكوسوفاويون المقاومة السلمية برزت المقاومة المسلّحة، حيث ظهر جيش تحرير كوسوفا سنة 1996 وخاض الحرب لمدة عامين، وكان من أبرز قادته رئيس الوزراء الكوسوفاوي الحالي. بعد هذا التاريخ بعامين، أي في سنة 1998 حدث العدوان العسكري لبلجراد (العاصمة الصربية) وبعد عام واحد، في سنة 1999 كان تدخل قوات الحلف الأطلسي، واقتنع المجتمع الدولي بعد اجتماع "دايتون" بأهمية منح الاستقلال للشعب الكوسوفاوي، ووقف سياسة التطهير العرقي ضد الألبان في الإقليم وهم الأغلبية فيه. كل هذا كان بالنسبة للشعب الكوسوفاوي من أجل الحصول على دولة مستقلة والتحرر من الهيمنة الصربية، والحصول على السيادة؛ للتمكّن فيما بعد من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة وإقامة علاقات مع الدول الأخرى، وهي المطالب السياسية التي نادى بها العديد من دول يوغسلافيا السابقة، ككرواتيا والبوسنة والجبل الأسود. على الرغم من أن يوغسلافيا السابقة تكوّنت أساسًا من تجمّع من الشعوب السلافية، غير أننا نحن الألبان، لسنا شعبًا سلافيًّا؛ إذ ننتمي إلى عائلة أخرى، ولنا لغتنا الخاصة وعاداتنا الخاصة وربما الاستقلال بالنسبة لنا هو أكثر أهمية من بقية الشعوب السلافية التي كانت تنتمي إلى يوغسلافيا السابقة.
الوضع الحالي هو أن كل يوم جديد يعني جولة أخرى بصدد الاعتراف بكوسوفا، رغم أن "فيتو" روسيا سيمنع الدولة الفتيّة من الانضمام إلى الأمم المتحدة في وقت قريب، غير أن اعتراف الدول الكبرى، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بكوسوفا والإعلان الأخير لدول منظمة المؤتمر الإسلامي الذي أعطى أكثر من خمسين دولة تنتمي إليها الضوء الأخضر للاعتراف بالدولة الجديدة، كلّها مؤشرات إيجابية لأن التاريخ أخذ مجراه.
سؤال: ولكن ما هي المكونات الأساسية لهذه الدولة؟ وهل لها مقومات لتكوينها؟
محمدين كولاشي: من ناحية المكونات الطبيعية فكوسوفا بلد غني جدًّا، حيث تحتوي على الفحم والفولاذ، وهناك احتياطي كبير من هذه المواد يصل إلى ما قيمته 30 مليار دولار، وبالرغم من أن كوسوفا لا تحتوي على النفط فإنها غنية بالمواد المكوّنة للحرارة الكهربائية، هذا فضلاً عن أراض زراعية خصبة تمنح إمكانيات كبيرة لاستغلالها.
من الناحية السياسية هناك غالبية ألبانية، ويمكننا أن نتوقع تعاونًا كبيرًا مع البلد المجاور ألبانيا، ونحن وألبانيا بلدان شقيقان مثل العديد من البلدان العربية المتجاورة، حيث لنا مع ألبانيا نفس التاريخ ونفس الثقافة ونفس اللغة والديانة، حيث يشكّل المسلمون الغالبية بين سكان الدولتين، وهناك أيضًا مسيحيون، كاثوليك وأرثوذوكس، وعاشت هذه الأقليات حياة التسامح والتعايش على امتداد التاريخ، ولم يكن هناك احتكاكات بينها، والآن يجري بناء كاتدرائية مسيحية في بريشتينا (العاصمة الكوسوفاوية) مثلما أن هناك مساجد وهذا التعايش كان على امتداد أجيال متعددة.
سؤال: ولكن ما المكون الأساسي الذي يجمع الأقليات الستة الممثلة في النجوم الستة للعلم الكوسوفاوي الجديد؟
محمدين كولاشي: أولاً هناك اللغة الألبانية، وثانيًا هناك الذاكرة التاريخية؛ إذ تربطنا مكونات تاريخية واحدة بين كل الكوسوفاويين مهما اختلفت دياناتهم، ونحن كشعب كوسوفاوي تربطنا طبعًا علاقات وثيقة بالألبان في الجبل الأسود وفي ألبانيا، رغم أن الغالبية من الألبان بقوا بعد الحرب العالمية الثانية في ألبانيا، فإن العديد منهم كانوا قد استقروا في المناطق المحاذية، وبالتالي فإن إعلان الدولة الكوسوفاوية جاء ليعبّر عن جزء كبير من الشعب الألباني في أن تكون له هويته الخاصة والتي لا ترتبط بالضرورة مع البلد الأكبر للشعب، وهو ألبانيا وللشعب الألباني في العالم والذي كان أحد مكوّنات الإمبراطورية العثمانية، حيث كان لهم العديد من القادة والحكام داخل الإمبراطورية العثمانية. كما نعلم أن العديد من الرموز في العالم الإسلامي كان أصلهم ألبانيا، كالقائد محمد علي الذي حكم مصر على سبيل المثال، كما هو الحال عليه بالنسبة لآخر ملوك مصر، الملك فاروق الذي كان أيضًا من أصول ألبانية.
فالألبان كانت لهم علاقات وثيقة بالعالم الإسلامي عبر الإمبراطورية العثمانية التي حكمت البلقان لعدة قرون.
وإضافة إلى الديانة هناك العادات والتقاليد الكوسوفاوية، فضلاً عن الموسيقى الغربية التي تختلط مع أنماط الموسيقى التركية والشرقية بشكل عام، وهو مما يميز تداخل الثقافات بالنسبة للشعب الكوسوفاوي، ويمنحه مكونًا مهمًّا يجمع بين جميع السكان، فعندما تتجول اليوم في بريشتينا، ستعترضك مدارس حديثة على النمط الغربي، ولكن في عمقها تجد الثقافة العثمانية الإسلامية، تنتهي إلى حياتنا اليومية بشكل عام، ابتداءً من المطبخ وصولاً إلى الأعياد أو "بيرَم" كما نقول، وهذا ما يشكّل تنوعًا واختلاطًا متجانسًا ومهمًّا.
سؤال: من الواضح أن الإسلام يشكل عاملاً مهمًّا في تكوين الهوية الكوسوفاوية والألبانية بشكل عام، وفي ضوء تعدّد المفاهيم والقراءات للإسلام، عن أيّ إسلام نتحدّث في كوسوفا؟ أو بعبارة أدقّ ما هي علاقة الكوسوفاويين في الحياة اليومية بالإسلام؟
محمدين كولاشي: هذا إسلام الإمبراطورية العثمانية، أي الإسلام غير المسيس والذي ينتمي في نفس الوقت إلى الحياة اليومية، ويرتبط بالتطبيقات الدينية اليومية بكل ما يتعلق بالمسجد كمكان تجمع ديني واجتماعي. هذا الإسلام لم يكن أبدًا عائقًا دون التحاور بين الأقليات المكوّنة للبلد، كالكاثوليك والأرثوذوكس الذين يعيشون بيننا، أي أنه إسلام لم يغلق الباب مع هذه الأقليات. ويمكننا في هذا المجال أن نضرب مثالاً، مجيء القسّ الأرثوذوكسي "فان نول" سنة 1924 كحاكم للإقليم، وكان كاتبًا وشاعرًا معروفًا، حيث ترجم حياة شكسبير إلى اللغة الألبانية، وكان مثقفًا يتقن التركية والعربية والفارسية، ولم يُنظر إليه على أنه أورثوذوكسي، بل نُظر إليه من قبل السكان المسلمين على أنه وطني جيد وحريص على مصالح السكان بشكل عام. وهذا ليس استثناء في تاريخ كوسوفا، والمؤرخون الغربيون ذكروا باستمرار هذا الأمر في مؤلفاتهم، فأكدوا أنه لم تقع أبدًا حروب دينية وعرقية بين الألبان وجيرانهم في المنطقة، وأعتقد أن هذا التوازن هو وجه من وجوه الإسلام المنتشر في كوسوفا، وهو منفتح لم يعزل المسلمين عن غيرهم، بل بالعكس شجّع على التحاور والتعايش.
سؤال: في مسألة الإسلام بالذات كمكون رئيسي لكوسوفا، من المعلوم أن هذه الجمهورية الفتية تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فبرأيك ألا يمكن أن يشكل واقع الغالبية المسلمة للسكان عنصرًا معرقلاً للانتماء للاتحاد الأوروبي؟
محمدين كولاشي: أعتقد أن انضمام كوسوفا إلى الاتحاد الأوروبي يختلف عن المشكلة التركية؛ لأن الألبان هم مسلمون أوروبيون، وينتمون إلى الفضاء الجغرافي الأوروبي، وفي هذا الإطار فإن اندماج الألبان والبوسنيين يختلف عن الأتراك. فالذين يخافون من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يخافون؛ لأن تركيا هي بلاد كبيرة، وإذا وقع ضم تركيا فإن البعض يرى أن حدود الاتحاد الأوروبي ستمتدّ إلى العراق وإيران وآسيا، وهو أمر غير مقبول في نظرهم.
سؤال: في مسألة تركيا بالذات هناك من يقول إن هناك نفوذًا تركيًّا كبيرًا في كوسوفا؟
محمدين كولاشي: هناك علاقات تاريخية بين كوسوفا وتركيا تعود كما أسلفت إلى الحقبة العثمانية، وكانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بكوسوفا، كما كانت في السابق من أوائل الدول التي أدانت الاعتداء الصربي، فضلاً عن هذا فإن الكوسوفاويين لهم العديد من الأقارب في تركيا، حيث قال الرئيس التركي سليمان دميريل وقتها إن هناك حوالي ثلاثة ملايين ألباني في تركيا، وتركيا الآن إضافة إلى كونها مشاركة في قوات الناتو لحماية الكوسوفاويين فإنها تساهم بمشاريع عديدة في بناء الاقتصاد في كوسوفا.
سؤال: وإذا تحدثنا عن علاقة كوسوفا بألبانيا، هناك من يرى أن الجمهورية ستذهب في اتجاه الاضمحلال في ألبانيا فما رأيك؟
محمدين كولاشي: هذا الأمر غير مطروح في الوقت الحالي. هنا أعود إلى علاقات الدول العربية بعضها ببعض لأقول بأن كوسوفا لها علاقات أخوية بألبانيا، حيث تربطنا بألبانيا اللغة والديانة والثقافة، ولكن لأسباب تاريخية يوجد التقسيم الجغرافي الذي نشاهده اليوم. والأمر المهم في الوقت الحالي أن العلاقات بين كوسوفا وألبانيا أصبحت غير مرتبطة بإرادة الصرب وهيمنتهم، ففي السابق كان الأمر ممنوعًا، كنا ممنوعين أن نزور حتى أقاربنا الذين يتواجدون على الأراضي الألبانية، وكان هناك ما يشبه حائط الفصل الذي يفصل بيننا وبين عمقنا التاريخي، ولكن بداية من سنة 1999 بدأت الزيارات والعلاقات. الأمر المطروح اليوم هو كيف نطوّر كوسوفا وكيف نمتِّن العلاقات مع العديد من الدول.
سؤال: هناك مسألة ملفتة للنظر فيما حدث مع استقلال كوسوفا، حيث شاهدنا على شاشات التلفزة كيف حمل الكوسوفاويون أعلام بلادهم بجانب علم الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف تنظرون إلى هذه العلاقة كمثقف كوسوفاوي؟
محمدين كولاشي: إذا أردنا فهم ما يجري يجب علينا متابعة الأحداث التي سبقت الاستقلال، فالولايات المتحدة كانت السبّاقة إلى الاهتمام بمنطقة كوسوفا، حتى قبل الاتحاد الأوروبي، ورغم كون كوسوفا لا تتوافر على ثروات طبيعية فإن الأمريكيين كانوا يرغبون في الحضور؛ لأن روسيا توجد على الطرف الآخر. وأعتقد أن ما تفعله الولايات المتحدة اليوم في كوسوفا يتماشى مع مسار آخر هو أن الولايات المتحدة كانت حاضرة تاريخيًّا في تحرير أوروبا من النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وأعتقد أن الحرب في يوغسلافيا السابقة لم تكن لتتوقف بدون دور الولايات المتحدة؛ لأن الأوروبيين كانوا مترددين كثيرًا، وظلوا يراقبون الوضع وكانوا غير قادرين على التحرّك رغم وجود الأسلحة الكافية والقوة العسكرية للتحرك، حيث كان هناك انقسام فيما بينهم، وكانت توجد علاقات وثيقة مع نظام بلجراد بالنسبة للبعض، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة ومنذ البداية كانت ترغب في وقف هذه الحرب، وعن طريق التغييرات السياسية في أوروبا مع وصول كل من جاك شيراك بفرنسا وتوني بلير ببريطانيا للسلطة، وقع التوافق بين القوى الثلاثة -أي بدفع من الولايات المتحدة بقيادة "بيل كلنتون"- على وقف ما يجري في يوغسلافيا السابقة.
وعندما أعلن سلوبودان ميلوسوفيتش الحرب كان الأمريكان هم الأكثر تصميمًا على وقف ما يجري من أجل وقفه؛ لأنه قام أصلاً بأربعة حروب، ووجب وقفه عندما بدأ حربًا خامسة، وبالتالي ساند الموقف الأمريكي الموقفين الفرنسي والبريطاني، وبفضل هذا التنسيق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أُجبر الصرب على الانسحاب ونزلت القوات الدولية على الأرض. في هذا الإطار فإنه في عقول الناس في كوسوفا يعود الفضل الأكبر في أمنهم وسلامتهم إلى الأمريكيين، وبصرف النظر عن سياسة الولايات المتحدة اليوم في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، فإن سياسة الولايات المتحدة تجاه المشكلة البلقانية تدفعنا لأن نقول إنها لعبت دورًا إيجابيًّا. ونحن الكوسوفاويين، نقول ليس هناك مستقبل للاعتراف بهذه الدولة الحديثة دون الولايات المتحدة الأمريكية، وليس صدفة أن تكون الولايات المتحدة أول من اعترف بكوسوفا، ودون الاعتراف الأمريكي كنا سنبقى عشرات السنوات حتى تعترف بنا أوروبا أو غيرها. وشخصيًّا أعتقد أنه يمكن أن ننقد السياسة الأمريكية في العديد من المناطق في العالم، ولكن بخصوص البلقان وكوسوفا تحديدًا كانوا أوفياء لما وعدوا به وواضحين، حيث يقولون من وجهة نظر جيوسياسية إنه يجب ألا تقع حرب أخرى في هذه المنطقة، وبالتالي فإن حمل الأعلام الأمريكية لم يكن ضعفًا وصدفة، ولكنه اعتراف من الكوسوفاويين بالجميل للولايات المتحدة الأمريكية، ولا ننسى أنه كانت هناك أعلام أخرى كأعلام الاتحاد الأوروبي وحتى فرنسا.
سؤال: في الختام ما هي السيناريوهات المحتملة أمام هذه الجمهورية الفتية، وخاصة في مسألة الاعتراف الدولي؟
محمدين كولاشي: في الجانب الصربي، وبخلاف الصورة العامة فإن هناك اختلافًا حتى داخل النخبة السياسية حول ضرورة إعطاء الكوسوفاويين الحق في دولتهم، وهذا خلافًا للراديكاليين الذين يذهبون إلى حد التهديد باستعمال الجيش للتصدّي لاستقلال كوسوفا، غير أن وجود قوات الحلف الأطلسي يعطينا الضمانة للتصدي لأي اعتداء صربي، وأعتقد أن الصرب تعبوا أصلاً من خمسة حروب خاسرة خاضوها في السابق، وليس لهم المصلحة ولا القدرة على الدخول في حرب سادسة.
الأمر الآخر أنه مع وصول التيار المنادي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في بلجراد فإنه أصبح من الصعب بالنسبة للسلطة السياسية أن تضحي بمسألة دخولها إلى الاتحاد بحرب جديدة أو اعتداء تعلم جيدًا أنها ستكون الخاسر الأكبر فيه، هذا فضلاً عن المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها صربيا. وفضلاً عن هذا كله نعلم أن هناك جزءًا من النخبة يساند استقلال كوسوفا بالرغم من أن صوتهم غير مسموع، ويمثلون أقلية، وفي اعتقادي أن نظام بلجراد أمام حضور قوات الناتو لا يستطيع المغامرة، وأن ما يحدث اليوم من مظاهرات شعبوية تجييشية سوف تصل إلى حالة من البرود؛ لأن التاريخ أخذ مجراه، وهي عديمة الجدوى؛ لأن الحلّ العسكري الذي يطالب به البعض غير مُجْدٍ وليس هناك أي حلّ آخر إلا الاعتراف بالأمر الواقع، وبالدولة الجديدة التي اعترف بها إلى الآن عدد كبير ومهم من دول العالم.
مراسل شبكة إسلام أون لاين. نت في فرنسا.
*محمد كولاشي أستاذ جامعي في بلده كوسوفا، ومن العاملين لاستقلاله بالكلمة والفكر، إلى أن أخرجه التطهير العرقي الصربي إلى المنفى في باريس مطلع التسعينيات الميلادية، وهناك عايش يوم الاستقلال في 17/2/2008م
|