|
| النائب الهولندي المتطرف فيلدرز |
السجال الدائر في وسائل الإعلام والأوساط السياسية والمسلمة -حول ما يزمع البرلمانيّ الهولندي خيرت فيلدرز عليه من عرض فيلمه الذي يقول عنه إنه سيتعرض لـ: "فاشية القرآن" حسب تعبيره- يبعث على البحث عن الإجابة على أسئلة جوهرية في التعامل مع مثل هذه القضايا، انطلاقا من فهم هوية الرجل وبرنامجه، مرورا بردود الأفعال وصولا إلى طرح الحلول المقبولة والمنطقية.
متعصب ينتهز الفرص
أولا وسائل الإعلام تحدثت عن هوية فيلدرز وأشارت إلى أنّه يهودي من أصول بولندية، وأنه عاش فترة في إسرائيل وتأثر كثيرا بالنموذج الإسرائيلي في التعامل مع المسلمين، كما تحدثت أن الرجل يتردد على السفارة الإسرائيلية في لاهاي، ولكن كل هذا قد لا يهمّ كثيرا إذا فهمنا أنه ليس برجل تلفزيون ولا إخراج وإنما ممثل في العملية السياسية الدائرة في هولندا.
شخصية فيلدرز حاول صحفيان هولنديان وصفها وتحليلها ولم يصلا إلا إلى استنتاج واحد تضمّنه عنوان كتابهما بـ"لا مكان للمزيد من الجنون" في إشارة منهما إلى الدرجة التي وصل إليها الرجل في الاستفزاز. وقال آرثر بلوخ كاتب السيرة في مدونته الشخصية إنه اختار هذا العنوان لأنّ آراء فيلدرز حول الإسلام أصبحت متطرفة بشكل لا يترك مجالا لمزيد، وأدهشت شخصية الرجل الكاتبين ولكن عندما بدآ في تطوير ما توصلا إليه اعترض الرجل وأنهى تعاونه معهما. وذهب بعيداً إلى درجة أن طلب منهما عدم استخدام أي شيء قاله لهما، وتجاهل الصحفيان طلب السيد فيلدرز واستمرا في كتابة ونشر سيرته.
الرجل انتمى إلى حزب الشعب الليبرالي المحسوب على يمين الوسط ولكن الحزب ضاق ذرعا بتصريحاته ولفظه، وإن كان هو يقول إنه ضاق ذرعا بمواقف الحزب فاستقال. ولعل آخر عهده بالحزب كان موقفه المعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فبعده استقال أو أقيل، ليس هذا مهما، المهم أنه خرج من الحزب.
ما عساه يكون مصير سياسي خرج من حزب سوى الموت البطيء كما حدث مع غيره أو البحث عن سبل الحياة من جديد؟.. وهو ما فعله فيلدرز نفسه بالبحث عن سبل الحياة، واختار أن يعلن عن حزب باسمه، وسماه حزب "من أجل الحرية" على خلفية حركة تحتوي مناصرين وليس أعضاء، كما هو معتاد عند الأحزاب الأخرى، ليبقي سيطرته الكاملة على الحزب، ويدير شئونه بنفسه في أدق التفاصيل.
طرح الرجل برنامجا يبتغي منه الربح السريع، في نقطتين تجلبان الأصوات بسهولة ودون عناء. النقطة الأولى بالتقليل من الضرائب وهو ما يحبه الهولنديون عموما بعد أن أرهقتهم الضرائب، وبه يؤكد يمينيته، ولكن وجد هنا صعوبة في مصارعة الأقوياء، وبقيت أمامه النقطة الثانية الازدراء بالإسلام، الذي جعله محور خطابه، واستطاع أن يستغل الأحداث الدولية المتعلقة بالحرب على الإرهاب. ثم تقلّص دور حزب الشعب الليبرالي الذي التحق بالمعارضة، وذابت أحزاب يمينية متشددة فقدت زعامتها وتأرجحت في خطابها، ثم كان الدعم اللامشروط من وسائل الإعلام ليجد الفرصة سانحة، فيصعّد في خطابه ليكسب مزيدا من المقاعد ومزيدا من أصوات اليائسين والمتضررين من سياسة التقشف التي تمارسها الحكومة بحق مواطنيها.
صبّ الزيت على النار
خيرت فيلدرز اعتمد قاعدة صب الزيت على النار في تصريحاته فبدأ بصف الإسلام بـ"تسونامي العصر"، وطالب باستحداث قوانين جنائية وتأديبية خاصة بالأجانب، في محاولة للتفرقة بين مكونات المجتمع الواحد، وفي 4 أغسطس 2007 تحدّث في صحيفة التلغراف عن فاشية القرآن، وطالب المسلمين بالتخلي عن نصفه إن أرادوا أن يبقوا في هولندا بحسب قوله، وفي نوفمبر 2007 أعلن أنه يعدّ لإنجاز فيلم يبين فيه فاشية هذا القرآن حسب زعمه، ووعد بعرضه في 25 من يناير 2008، واتضح قبل انقضاء الموعد بيومين أنه لم يتمكّن من إنهاء الفيلم وأنه تأجل عرضه إلى شهر مارس 2008. وذكر لاحقا أنه سيسميه "الفتنة". ما تسرب لوسائل الإعلام بطريقة غير رسمية تتحدث الدقيقة التي أتمّ إنجازها عن مناظر مفزعة من تاريخ المسلمين -حسب رأيه- ودفتّا القرآن خلفية لها.
ما يجب أن يعلمه المسلمون الذين وضعهم فيلدرز هدفا له، هو أن الرجل سياسي ويتزعم حزبا سياسيا، لذا فمن اللازم أن نوضح أن القضية تحتاج أن نضعها في الإطار الذي يجب أن تكون فيه، فالرجل سياسي قبل أن يكون مخرجا أو سينمائيا، وعلى المتابع أن يفهم كيف يفكر هذا السياسي، ويضع نصب عينه أنه يبحث عن شراء الأصوات، وإلا ماذا يمكن أن يأتي به فيلدرز وعجز غيره عنه عبر التاريخ، سوى تحقيق أهدافه الشخصية، والتي تتلخص في كسب الأصوات من خلال جلب الانتباه ومضاعفة مقاعده؟.. وهذه حقيقة يجب أن تكون نصب أعين المسلمين.
المسلمون إن أرادوا الردّ عليه يجب أن يكون ردّهم مدروسا وهادفا، ويجلب النتائج الإيجابية لهم، وما أظن أنّ العنف يحقق الهدف.
وكما يقال يجب أن تواجه خصمك بما لا يتوقعه، أمّا ما يتوقعه فيلدرز فهو أن يخرج المسلمون للتظاهر وبردّ الفعل الغاضب والاحتجاج وحرق السفارات والأعلام، كما وقع مع كاريكاتيرات الدانمرك وكتاب آيات شيطانية لسلمان رشدي، وهذا ما يريده بالضبط السياسي الهولندي، ويجد في ذلك الطعم الذي يوصله إلى كسب أصوات اليائسين والعنصريين الذين يعيشون بدون زعامة الآن.
لذا السؤال الذي يطرح نفسه: أيّ رد يمكن أن يكون من المسلمين للدفاع عن مقدساتهم، وهل سيكون الرد كما توقعه فيلدرز أم سيفاجئه؟
الرد مكثّف ومشترك.. وهادئ
ما هو باد للعيان إلى الآن من مبادراتٍ للردّ على خيرت فيلدرز تتجه إلى التهدئة وعدم الاستجابة للاستفزاز، واتّجه مسلمو هولندا عبر مؤسساتهم وشخصياتهم الاعتبارية والدينية إلى إقامة الجلسات والندوات الداخلية والمعلنة بهدف وضع خطة لكيفية الردّ على مثل هذه الاستفزازات. ما وصل إليه الجميع بدون استثناء هو الاتفاق على حرمانه من الردّ الذي كان يتمنّاه، وهو الخروج للشارع والردود المتشنجة.
الردّ يأتي من جنس العمل، فقد بادر البرلماني الشاب من حزب الخضر توفيق الديبي بالشروع في إعداد فيلم يردّ فيه على دعاوى فيلدرز وإثبات التعايش، تبعه ردّ الرابطة العربية الأوروبية من خلال إعلانها المبدئي تهيئة فيلم تفضح فيه حقيقة فيلدرز، ثمّ إن الممثل الهولندي المشهور "روتخير هاور" أعرب عن استعداده للمشاركة في فيلم حول فيلدرز. سياسيون وشخصيات وطنية هولندية ومسلمة أعلنوا عن مبادرة وطنية لخدمة التعايش أطلقوا عليها المصارحة والمعالجة، في إشارة إلى تحديد المشاكل والبحث عن الحلول الحقيقية، وليس الاستفزاز كما يقول زعيمها "تلبسترا"، وأُطلق موقع على الإنترنت لجمع التوقيعات، كما طرح محمد الرباع، البرلماني الهولندي المتقاعد من أصول مغربية، نقاطا سياسية في التصدي لدعاة العنصرية ومنع التصادم بين فئات المجتمع. مجلس ممثلي المسلمين تقدّم بدعوة إلى الحكومة يوضّح فيها أثر هذه التصرفات على التعايش وصورة هولندا في الخارج. رئيس الوزراء بالكونند ووزير خارجيته مكسيم فار هاخن حذّرا من خطورة ما يقوم به الغريم السياسي فيلدرز من تهديد للتعايش. وأكد وزير الخارجية أنه لن يقبل بعرض فيلم يهين أي ديانة أو فئة من المجتمع الهولندي، كما تنصّلت كل الأحزاب السياسية والشخصيات الاعتبارية في البلد من أي فيلم يهين المسلمين.
من جانبه لم يردّ الشباب المسلم في التصريحات المختلفة التي نقلها عدد من وسائل الإعلام سوى بالمطالبة بتجاهله، وشكره بعضهم على ما قام به لأنه بهذا ترك عددا من المسلمين وغير المسلمين يقصدونهم في المساجد والمراكز الإسلامية بهدف معرفة دينهم والاستفسار عن آيات بعينها من القرآن الكريم. كما قامت مبادرة شبابية أيضا بإنشاء موقع على الإنترنت، يمكن من خلاله إرسال بطاقات إلكترونية، لعلها تهدئ نفسه وتحدّ من الكره الذي يحمله في صدره بحسب القائمين على الموقع.
كسب الأصدقاء.. وتضييق الخناق
التجاهل إلى الآن خدم المسلمين في نقل المواجهة بين المسلمين الهولنديين والزعيم اليميني خيرت فيلدرز إلى مواجهة تمسّ كل الهولنديين، وأصبح عدد من المخرجين والهولنديين وحتى السياسيين يتكلمون عن خطورة الرجل على تركيبة المجتمع، وبالتالي كشف خطورته على المجتمع بأكمله، عوضا عن المسلمين فقط. وأصبح يشارك في الحملة قانونيون هولنديون لا علاقة لهم بالإسلام، وهم يبحثون في القوانين واللوائح الداخلية وكيفية إلجام مثل هذه الأصوات المهدّدة لتركيبة المجتمع.
فيلدرز نفسه وجد مشكلة في عرض الفيلم ولم تتجرأ أي مؤسسة إعلامية على عرض الفيلم، وهو ما فاجأه هو نفسه الذي تعوّد ألاّ يردّ له الإعلام تصريحا أو مقالا، وفاجأه برنامج نوفا المعروف بنقل مثل هذه المواقف من أن المسئولين لن يعرضوا الفيلم قبل أن يعرفوا مضمونه، مما اضطره إلى الحديث عن عرض الفيلم على موقع اليوتيوب.
مسلمو هولندا أرسلوا رسائل إلى الدعاة والعلماء المسلمين لعدم تصعيد الأمر لسلوك شخص شاذّ في آرائه، يبحث عن الشهرة والاهتمام، وطالبوا ألاّ يعاقب شعب هولندي عُرف بتسامحه تاريخيا مع الإسلام لذنب يرتكبه شخص، وإلا وقعنا فيما وقع فيه الغرب من محاربة الإسلام بذنب ارتكبته مجموعة صغيرة من المسلمين.
السؤال الذي يطرح نفسه من جديد هو: هل يحقّ لمسلمي هولندا الاستحواذ على حقّ الردّ، خاصّة أن الأمر لا يهمّ مسلمي هولندا وحدهم، وإنما يتعدّاهم إلى الاعتداء على المقدّس عند أكثر من مليار مسلم موزعين في أنحاء العالم، وهذا ما جعل ممثلي المسلمين أيضا يبادرون إلى كتابة رسائل إلى علماء الأمة في العالم العربي والإسلامي يطالبونهم فيها بعدم الاستجابة لاستفزاز البرلماني الهولندي، خاصة لمّا لوّح برلمانيون مصريون عن كتلة الإخوان يطالبون فيها بمقاطعة المنتجات الهولندية.
ما اتهم به مفتي الديار السورية أحمد بدر الدين حسون من دعوة إلى تحميل مسئولية ما يمكن أن يحدث جرّاء عرض الفيلم للحكومة والشعب الهولندي نفاها لاحقا في الصوت الآخر لراديو المسلمين في هولندا، وأنكر أن يكون قد صرح بمثل هذا القول وأنه يستنكر الاعتداء على المقدسات الإسلامية ويترك حقّ الردّ لمسلمي هولندا، وللشعب الهولندي أن يدافع عن تعايشه، كما طالب المرجع الشيعي الكبير فضل الله المسلمين بالتزام العقلانية في الردّ على الإساءة وأن يتوخوا الحكمة في مقابل مطالبته الحكومة والجهات الرسمية بأن تحمي المقدسات الإسلامية كما تحمي المقدسات الأخرى، وأن توضح الفرق بين حرية الرأي التي يدافع عنها الجميع والاعتداء على المقدسات والإهانة المقصودة.
|