English

 

الخميس. فبراير. 28, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الإسرائيلي

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

السيناريو الإسرائيلي لضرب حماس في غزة *

عدنان أبو عامر

الدبابات الإسرائيلية أثناء انتفاضة الأقصى
الدبابات الإسرائيلية أثناء انتفاضة الأقصى
"تقطع نشرة أخبار التلفزيون الإسرائيلي السابعة صباحا، يتحدث مقدم النشرة عن تساقط صواريخ القسام على مدينتي عسقلان وسيدروت، والمستوطنات المجاورة للقطاع، وينتقل للمراسل في المنطقة الجنوبية، الذي يتحدث عن حركة غير عادية للطائرات المروحية، وتحرك لقوات الجيش في المنطقة المحاذية لقطاع غزة، والمستشفيات في حالة تأهب قصوى لاحتمال استقبال عشرات المصابين، على الفور يدعو رئيس الوزراء لاجتماع طارئ للمجلس الأمني المصغر في التاسعة صباحا، لمناقشة تدهور الموقف، تقطع وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندليزا رايس" برنامجها الدبلوماسي وتتوجه لإسرائيل، والرئيس المصري يرسل مبعوثا خاصا له إلى تل أبيب". هذا ملخص لسيناريو "مرعب" طرحه عدد من الخبراء الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين، وإلى جانبه زخرت مؤخرًا وسائل الإعلام الإسرائيلية، المرئية والمكتوبة، بسيناريوهات تقترب مما ورد آنفا، كان آخرها أن قرارا قد اتخذ باجتياح قطاع غزة مطلع آذار/ مارس 2008م، بعد أن تتحسن الظروف الجوية في المنطقة.

نموذج ميداني على طاولة البحث

الوجهة السائدة في إسرائيل اليوم، لا سيما وزراء المجلس الوزاري المصغر، والجهات الأمنية، كرئيس جهاز الشاباك، ورئيس هيئة الأركان، ورئيس مجلس الأمن القومي، كلهم يقولون بصوت واحد تقريبا مع بعض التباين: لا مفر من عملية عسكرية كبيرة في غزة، علما بأن احتمالا بإصابة صاروخ لحافلة مدرسة أو دار حضانة سيتسبب بسقوط قتلى إسرائيليين، سيؤدي لضغط سياسي عسكري على الحكومة للردّ بالوسائل العسكرية على نحو يتجاوز الردود المألوفة، وبناء عليه، سيكون القرار مدفوعاً بالرغبة في التجاوب مع الرأي العام، أكثر من ذلك، ففي حال طرأ تحسّن على التكنولوجيا الصاروخية لدى الفلسطينيين ليتخطى مدينة عسقلان مع تزويدها برؤوس حربية أكثر فاعلية، ليصبح 250 ألف إسرائيلي معرّضين لنيران "حماس" المباشرة، وسيكون ذلك حافزاً لردّ عسكري إسرائيلي أكثر عنفًا. على الأرجح، سيشارك في مثل هذه العملية القوات المدرّعة، مع توجيه ضربات جوية، فيما تتولّى القوات البرّية مهمة القتال في الشوارع في أجزاء معينة من غزّة، وترتكز على اختراقها من عدة نقاط، على غرار ما حصل في مخيم جنين أثناء عملية السور الواقي قبل عدة سنوات، لكن كميات الأسلحة الموجودة في غزّة اليوم باتت أكبر بكثير منها في الماضي، وربما كان بحوزة حماس والقوى الأخرى صواريخ مضادّة للطائرات وللدبابات، وهي أسلحة تتميز بفاعلية كبيرة في مواجهة القوى الغازية. وتبقى الأهداف الأساسية، المعلنة منها والسرية، لهذه العملية الكبرى تتمثل بـ:
1- إيجاد أحزمة أمنية إسرائيلية تحيط قطاع غزّة بالكامل.
2- جمع الأسلحة والعثور على مخازن المتفجرات، والورش التي يتم فيها صنع صواريخ القسام. 3- استهداف القادة السياسيين والعسكريين لحماس والجهاد والفصائل الأخرى.
4- إسقاط حكم حماس في غزة، وتهيئة الأجواء لعودة محمود عباس. وبرغم الترجيح المعلن على الأقل، بأن تتجنب القوات دخول مخيمات اللاجئين ذات الكثافة السكانية العالية، لكنها ربما تنساق لدخولها بسبب ضيق الرقعة الجغرافية لغزّة، وبسبب الاعتقاد بأن معظم ما تبحث عنه إسرائيل لتدميره موجود داخل هذه المخيمات، وإذا كانت العملية ستتضمن استهداف القادة، فعلى الأرجح أن يعمد هؤلاء إلى "الاختفاء"، وهذا أمر بديهي، كما قد يسعى الجيش لتحديد مكان جلعاد شاليط وإنقاذه. لكن الخلاف هنا -برغم الإجماع على العملية- حول خيارين خطيرين: 1- إما عملية عسكرية كبيرة من أجل احتلال القطاع كله، مما سيحتاج لتقييمات دائمة للوضع الميداني. 2- وإما احتلال جزئي، 5 كم من الشمال، وأخرى على طول ممر صلاح الدين في رفح، لفصلها عن مصر. حاليا يجري جدال حاد وساخن جدا في مستويات صنع القرار الإسرائيلي، ففي حين يرغب الجيش بعملية عسكرية كبيرة، لكنه يطلب مزيدا من الوقت لاستدعاء الاحتياط، فإن هناك جدالا أكثر أهمية حول نهاية المعركة: فيما إذا كان الجيش سيخرج بعد فترة قصيرة، ويتمركز في مناطق محاذية لفترات طويلة، أو الانتظار حتى تصل قوات دولية بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، والنية هنا أن يرسل مجلس الأمن قوات دولية لقطاع غزة، لتحل محل القوات الإسرائيلية حتى تتمكن قوة تابعة لرام الله من السيطرة على القطاع.

إجبار حماس على دفع الثمن

الإشكال الكبير الذي يواجه "إيهود أولمرت" كما ذكر أحد وزرائه أن حماس كحركة شعبية لا يمكن القضاء عليها، وحتى لو كان رئيس الوزراء يرى أن الهدف الرئيس لهذه العملية هو تحقيق وقف النار لفترة طويلة، وتقوية أبو مازن، وإضعاف حماس، فقد بدا بعد حرب لبنان الأخيرة حذرا لدرجة كبيرة، ولا يريد وضع أهداف كبيرة قد يعجز الجيش عن تحقيقها، لكن مثله كباقي وزرائه يؤمن أن ضربة عسكرية قوية ضد حماس وجلب قوات دولية سيجلب أجواء جديدة على المنطقة، وهذا أقصى شيء يتطلع إليه، فيما أدنى هدف واقعي يتمثل بأن "تدفع حماس ثمن قاسيا سيجبرها على الحفاظ على وقف إطلاق النار"! في نهاية المطاف، ترى معظم الأوساط العسكرية والإعلامية أن المجلس الأمني المصغر سيوافق حتما على القيام بالعملية العسكرية بحيث يأتي القرار على النحو التالي: عملية عسكرية تؤدي لتدمير القدرة الإنتاجية على إطلاق صواريخ القسام، وإيجاد قوة ردع عن طريق ضربة فاعلة ضد حماس وباقي الفصائل الأخرى، وتعطى الأوامر للجيش للقيام بـ"قطع رؤوس" قادة حماس، دون التمييز بين القيادتين السياسية العسكرية وتدمير المقرات والبنى التحتية، ومن الممكن الطلب من السكان مغادرة مناطق سكناهم حتى لا يتعرضوا للقصف.

سيناريو المقاومة الافتراضي

بالرغم مما قيل عن وقوع عشرات القتلى الإسرائيليين من الجنود في اليوم الأول من الاجتياح العسكري، يقرر خبراء عسكريون بأنه من الصعب جدًّا إجراء تقدير دقيق لعدد الإصابات، علما بأن حماس وشريكاتها في مسيرة المقاومة، عاكفة على التخطيط منذ عدة شهور تحسباً لمثل هذا السيناريو، ويمكن للمرء أن يتوقع بأن تكون أكثر استعداداً من أي وقت مضى لمواجهة هجوم إسرائيلي. التقارير الاستخبارية الإسرائيلية وشهود العيان الفلسطينيون يتحدثون عن وجود "حُفرات" على امتداد كافة خطوط سير الهجوم المحتملة، ويمكن الافتراض بأن هذه الأنفاق ملئت بالمتفجرات التي يمكن أن تلحق دماراً كبيراً، وتدمّر الدبابات والمركبات المدرّعة، على غرار ما حصل في غزّة في الماضي عندما زرع الفلسطينيون متفجرات على جوانب الطرق، وفي حال طال القتال مخيمات اللاجئين، فإن كثافة السكان فيها وشوارعها الضيقة والعدد الكبير من مناصري حماس فيها سيعني أن القتال سيكون ضاريا، وهنا ستكون إصابة الجيش "الذي لا يقهر" في مقتل!

نتائج السيناريو.. فلسطينيا

مقابل تجهيز المناطق لاستقبال الإسرائيليين الفارين من القصف إلى داخل الحدود في معسكرات تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، فإنه من أجل منع وقوع كارثة إنسانية من الممكن إيجاد تنسيق لإدخال المواد الغذائية للفلسطينيين، وحين تبدأ العملية، سيعطى سكان بيت حانون ورفح تعليمات الجيش لترك مساكنهم، آلاف الفلسطينيين سيفرون إما لساحل البحر أو للحدود المصرية، خاصة أن سلاح الجو قد يشن في اليوم الأول 100 غارة على عشرات الأهداف، عشرات الطائرات تعمل في الجو من كافة الأنواع هجومية ومروحيات وطائرات بدون طيار، وقوات برية تشتبك مع مقاتلين متحصنين في مخابئ. إلى جانب الميدان المشتعل، سينطلق قادة حماس يدعون العالم للتدخل ومواجهة الهجمة على الغزيين، ويعلن خالد مشعل أن غزة ستتحول مثل بغداد، وسيدفع العدو ثمنا قاسيا على فعلته، فيما تجري معارك غزة من بيت لبيت، والجيش يبحث عن "أعدائه" في الملاجئ والأنفاق، وبعد أن تنقضي عدة أيام على الاجتياح، تنطلق قذائف القسام وعمليات المقاومة ضد الجيش من المناطق التي لا يسيطر عليها، تقنع الحكومة بضرورة توسيع السيطرة، حيث يستعد الجيش لاحتلال كامل القطاع، ويتحدث رئيسي الشاباك والاستخبارات العسكرية أمام الحكومة أن حماس فهمت الضربة العسكرية وبذلك تحقق الهدف، والتهديد الحقيقي -بنظرهم- هو فقدان السيطرة على كامل قطاع غزة. وزير الدفاع "باراك" من جهته يعبر عن موقف الأجهزة الأمنية من أنه لا مفر من القيام بالجزء الثاني من العملية باحتلال كامل القطاع، وجلب تعزيزات إضافية من قوات الاحتياط التي تم استدعاؤها، لتحول مهمة الجيش من عملية جزئية إلى احتلال كامل، ويسفر ذلك عن مقتل وإصابة مئات الجنود!

أسئلة ملغومة بدون إجابة

البروفيسور "آفي سمحون"، المحاضر في الجامعة العبرية، أكد أن اجتياح غزة عسكريا ليس حلا سحريا، لكن تأجيل ذلك الاجتياح سيُسبب ازدياد الوضع خطرًا على إسرائيل، فيما "يسرائيل هرئيل"، الكاتب اليميني الذي يعتبر مُنظرا للمستوطنين، يعلن أنه يوجد ثمن ما لاقتلاع حماس الآن، من القتلى والجرحى خاصة، لكن الثمن سيكون أكبر بأضعاف مضاعفة إذا تُركت حماس تُمكّن لنفسها! وبالتالي فإنه أيا كان الثمن السياسي والعسكري و"الردعي" الذي قد تضطر تل أبيب لدفعه في أزقة غزة أمام مقاتلي حماس، الذين سيدفعون حتما فاتورة باهظة ومكلفة، فإن هناك أسئلة يبدو سائلها خاصة أولئك الجنود الذين يتأهبون لهذا السيناريو، كمن يسيرون في حقل ألغام يبدأ ولا ينتهي، ومن هذه الأسئلة التي يعجز قادتهم وساستهم عن الإجابة عنها حتى كتابة هذه السطور: - ما هو الهدف الإستراتيجي من هذه العملية؟ وهل من الممكن واليسير إسقاط حكم حماس بعملية عسكرية؟ وإذا كان الهدف لا يصل إلى حدّ إسقاطها، فما الذي يمكن تحقيقه إذن؟ وهل تتضمن العملية إعادة احتلال قطاع غزّة؟ وإلى متى سيستمرّ هذا الاحتلال؟ وما هي الغاية منه؟

- هل الهدف من هذه العملية جمع الأسلحة والاستيلاء على مخازن المتفجرات والصواريخ؟ والعثور على المنشآت التي تصنّعها؟ وهل هو قتل القادة السياسيين والعسكريين لحماس والجهاد والفصائل الأخرى؟

- أم أن الهدف إيجاد منطقة أمنية تسيطر عليها إسرائيل على امتداد الحدود مع غزّة؟ وكم تبلغ المساحة اللازمة لهذه المنطقة؟ وكم سيبلغ حجم التدمير الذي سيطول الأملاك الخاصة للسماح بإنشاء حزام أمني يحيط بغزّة؟ - السؤال الأكثر إحراجا: هل من الممكن وضع حدّ نهائي لإطلاق صواريخ القسام؟ وما الذي سيفعله الجيش في حال استُؤنفت عمليات إطلاق الصواريخ فور انسحابه؟ - كم سيبلغ عدد الإصابات الذي سيعتبر مقبولاً أو مبرراً؟ وما هو حجم الأضرار المادّية التي لن تجد إسرائيل ضيراً في التسبب بها؟ أخيرا.. سينجم عن اعتماد هذا الخيار الأكثر دموية، من بين سائر الخيارات الإستراتيجية الإسرائيلية للتعامل مع "كابوس" حماس في غزة، أوخم العواقب وأسرعها، على الأقل برأي عدد لا بأس به من الخبراء الإسرائيليين، كما أنه الخيار الذي يتميز بأكبر الفرص لإفراز نتائج سريعة، ومع ذلك فمن الممكن أن تفشل فشلاً ذريعاً، وتزيد من التأييد الذي تتمتع به حماس بين أوساط الفلسطينيين، وبالتالي يمكن أن تقوي هذه العملية العناصر التي تقف على يمين من حماس، فهل تقدم إسرائيل على هذا السيناريو؟ أكثر من ذلك.. فإن ما تقدم من سيناريو يبدو "هوليوديا" في بعض مشاهده، يشير بما لا يدع مجالا للشك أن خيارات إسرائيل في مواجهة حماس محدودة، ومحدودة جدا، بمعنى أكثر وضوحا لا يوجد حل إسرائيلي "جيد ونظيف" للوضع الناشئ في غزة، يوجد حل صعب، وسيناريو أصعب، ومن يتوقع أن عملية عسكرية دموية ستريح "صداع" صواريخ القسام المزمن في رأس إسرائيل، يعيش في وهْم، ليس أكثر، لأنه سيكتشف حتما أن تل أبيب وقعت فيما هو أخطر من هذا الصداع، إنها الأزمة القلبية!

كاتب وصحفي فلسطيني.

*السيناريو المطروح في هذا التحليل وضعه باحثون عسكريون وجنرالات متقاعدون لصالح مركز جافي للدراسات الإستراتيجية في تل أبيب الشهر الماضي، أبرزهم: شلومو بورم رئيس قسم التخطيط الإستراتيجي، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، يورام شفتسر مسئول سابق في الأجهزة الاستخبارية، رئيس قسم مكافحة الإرهاب الدولي في الجيش، د. إسحاق فيلر مسئول كبير سابق في الموساد، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، غيور روم، نائب قائد سلاح الجو، وممثل الجيش في السفارة الإسرائيلية بواشنطن، ورئيس قسم علم النفس في جامعة بار إيلان بالنقب، غيور ايلاند رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، أور نئمان، رئيس قسم بالموساد سابقا، د. تسيبي ستوبر، رئيس معهد دراسات الأمن القومي، سفير إسرائيل السابق في بريطانيا.

 

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات