|
| مولدالشيخ أبرز مبادئ الخطاب الصوفي |
هيمن خطاب إسلام التكايا أو الطرق الصوفية -ولا يزال- في كثير من مناطق إفريقيا على الرغم من تعدد مصادره الفكرية وجهود إصلاحه وتجديده.
ويُعَدّ التلقين الروحي للأتباع والاحتفال بالمولد النبوي ومولد الشيخ المؤسس للطريقة (مثل القادرية والتيجانية والمريدية)، والانصياع لأوامر الشيخ من أبرز مبادئ هذا الخطاب الصوفي. وقد واجه هذا الخطاب تحديات ضخمة، سواء من داخله أم من ظهور حركات وجماعات إسلامية كفاحية مناهضة له، وهو ما فرض عليه إعادة النظر في الأطر والمقومات الفكرية التي يستند عليها.
وفي هذا الإطار سنناقش أهم أشكال وأنماط الخطاب التجديدي في إفريقيا الإسلامية ابتداء من روحانية ممادو بمبا في السنغال، ومرورًا بسلفية أبو بكر جومي في نيجيريا، وانتهاء بالنموذج الفلسفي الإشراقي لمحمود محمد طه في السودان.
ويمكن أن نتحدث عن أنماط ستة للخطاب الإسلامي في إفريقيا على النحو التالي:
-الخطاب الصوفي التقليدي في السنغال
-الخطاب الصوفي الجهادي: نموذج عثمان ابن فودي
-الخطاب الإسلامي السلفي: أبو بكر جومي نموذجًا
-الخطاب الصوفي الإصلاحي "خطاب التكفير
-الخطاب الفلسفي الإشراقي: الفكرة الجمهورية
-الخطاب الإسلامي الثوري: إخوان نيجيريا نموذجًا
1 - الخطاب الصوفي التقليدي في السنغال:
|
|
قدم الشيخ مادو بمبا نفسه باعتباره خادما للرسول
|
لم يواجه الخطاب الصوفي التقليدي في السنغال أي تحد حقيقي منذ العهد الاستعماري.. وربما يرجع ذلك لأكثر من سبب واحد، أولاً أن أغلبية المسلمين في السنغال يدينون بالولاء للطرق الصوفية (المريدية، التيجانية، القادرية) ويظهرون الاحترام والتقدير الشديدين لمشايخ الطرق. وثانيًا أنه عند مجيء الاستعمار الفرنسي وتبنيه نمط الحكم المباشر بما يعني تدمير البنية السياسية التقليدية في السنغال تحركت الطرق الصوفية لتسد هذا الفراغ من خلال إعلان سياسة التحالف أو المهادنة على الأقل مع السلطات الاستعمارية.
أدى ذلك إلى استفادة هذه الطرق من خلال دعم مشروعها الديني والاقتصادي طوال الحقبة الاستعمارية. وثالثًا أن الدولة ما بعد الاستعمارية في السنغال استخدمت نفس التحالفات السياسية الاستعمارية من أجل تحقيق الشرعية السياسية لها.
وربما يدعم ذلك التوجه هو الاستقرار النسبي الذي تمتعت به السنغال طول فترة ما بعد الاستقلال وعدم تورط العسكريين في اللعبة السياسية. وهو ما يعني أن السنغال عاشت في ظل فضاء شبه ديمقراطي وذلك على عكس الوضع في كثير من الدول الإفريقية الأخرى، حيث كان الدين يأتي ليسد الفراغ السياسي في ظل النظم العسكرية. وهو الأمر -كما سوف تظهره الخبرة النيجيرية- الذي جعل الحركات والتنظيمات الإسلامية تأخذ طابعًا سياسيًّا في حالة غياب الأحزاب السياسية أو حظرها.
ويُعَدّ الشيخ أمادو بمبا Amadu Bamba ( 1850-1927) مؤسس الطريقة المريدية في السنغال. وتتميز الفترة التي ظهرت فيها دعوة الشيخ أمادو في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بانتهاء تجارة العبيد وبداية الحقبة الاستعمارية في إفريقيا.
وقد تبنى الشيخ أساليب سلمية في التعامل مع الإدارة الاستعمارية، حيث كان يركز على ما أسماه بجهاد النفس، ومن الملفت للنظر أن الطريقة المريدية تنتشر في السنغال كالنار في الهشيم، ويسعى أفراد الطبقة السياسية إلى اكتساب ودّ شيوخ مدينة طوبى Touba عاصمة الطريقة وذلك بشتى الطرق، ولنتذكر في هذا السياق أن الرئيس عبد الله واد Wad فور انتخابه رئيسًا للبلاد سارع بالسفر إلى طوبى؛ ليحصل على بركة شيخ المرابطين الأكبر هناك Grand Marabout.
ويلاحظ أن الشيخ بمبا قد ألّف كثيرًا من القصائد والمدائح النبوية الشريفة والتي لا يزال أنصار الطريقة يرددونها حتى اليوم، وقد قدم الشيخ نفسه باعتباره خادمًا لرسول الله " The servant of the envoy of God"
كما أنه حافظ على المفهوم التقليدي للتعليم الذي يرتكز على القرآن، واستخدم التربية لربط العلم بالحركة والعمل بالإخلاص، وأخيرًا طوّر الشيخ مفهوم الترقية، وهي نوع من التدريب للطلاب والمعلمين للمساهمة في إعداد الجيل القادم.
ولعل أهم ما يميز المشروع الفكري الذي طرحه أمادو بمبا هو القبول بالتنوع والاختلاف في جمهور المخاطبين والمتلقين، بما يسمح في النهاية لتشكيل نظام اجتماعي جديد ومستقر.
وركّز الخطاب الصوفي الذي طرحته المريدية على علاقة المريد بالخالق، فالمريد هو ذلك الشخص الذي ينتمي إلى الله، كما أكد ضرورة اتباع القلب في جميع الأقوال والأفعال، وكذلك تحرير النفس الإنسانية من قيود الخوف وهو ما يعني تحمل كل فرد مسئولية أفعاله، وقد لعب تلاميذ الشيخ بمبا ومريدوه دورًا مهمًّا في نشر تعاليمه وتحقيق غايات مشروعه الفكري، ويمكن أن نذكر في هذا السياق "إبرا فال" Ibra Fall.
وخلال سنوات المنفى السبع التي قضاها الشيخ بمبا في الجابون تمكنت المريدية تحت قيادة الشيخ فال من النمو الحركي والمادي، حيث أقام المريدون مزارع الفول السوداني وأنشئوا مراكز تجارية في كل من داكار وسانت لويس. وبوفاة الشيخ المؤسس عام 1927 كانت الطريقة قد أرست دعائمها في المجتمع السنغالي بحيث إنها أضحت جزءًا لا يتجزأ من الفضاء السياسي والاجتماعي للسنغال.
وبصفة عامة يمكن القول من خلال تحليل أدبيات المريدية إن الخطاب الصوفي الذي تطرحه هذه الطريقة يعتمد على ركيزتين أساسيتين [iv]، أولهما الركيزة الدينية والتي تدور حول مكونات ثلاثة مترابطة أشبه ما تكون بالدائرة؛ وهي طبقًا لتعاليم الشيخ المؤسس: التعليم والعمل والصدقة. Learning, work, and charity.
فالمسئولية الأولى التي تقع على كاهل المريد تتمثل في تعليم نفسه العلوم القرآنية حتى يكون صالحًا في عمله..
هذا التعليم يمثل قاعدة الإنجاز بعد ذلك؛ إذ إنه بدون المعرفة والوعي يصبح العمل بلا هدف وبلا قيمة، وفي مرحلة النضج والبلوغ يركز المريد كل طاقته في العمل الشاق والمنتج، بعدها يصل المريد إلى المرحلة الأخيرة وهي إكمال الولاء لله سبحانه وتعالى، وعليه فإن الواجب الديني يحتم على الفرد أن يعمل بجد، سواء في خدمة المربوط من خلال العمل في مزارع الفول السوداني أم في الأعمال التجارية بالمدن.
وتكتمل حلقات الدائرة حينما يعلن المريد عن التزامه الديني نحو الفقراء والمجتمع، يعني ذلك أن ثروة الشخص تكون في خدمة المجتمع بما يساعد الآخرين على التعليم وبداية السير في طريق المريد.
أما الركيزة الثانية للخطاب المريدي فإنها تدور حول مفهوم الحصانة الاقتصادية..
فالاستغلال الاقتصادي يمثل أحد المبادئ الأساسية للطريقة المريدية، ويُعَدّ العمل الشاق أحد وصايا الشيخ المؤسس نفسه، وثمة إدراك عام داخل الطريقة بأن تحقيق الاستقلال المالي هو شرط مسبق للعبادة الصحيحة ولحب الله ورسوله والقرآن الكريم، وكما يتضح من أدبيات المريدية فإن المؤمن الذي يعمل ويعبد الله هو أقرب إلى الله من المؤمن الذي يعبد الله طول الوقت ويعتمد على الآخرين في سدّ احتياجاته المادية، فالأول يحقق احتياجاته بنفسه، وبالتالي تصبح عبادته خالية من أي تأثيرات خارجية عليه، أما الثاني فإنه يعتمد على الآخرين في سد حاجاته المادية وهو ما قد يفسد عليه عبادته.
2 - الخطاب الصوفي الجهادي: نموذج عثمان ابن فودي
(Uthman Ibn Fudi ):
|
|
يرى البعض أن وثيقة أهل السودان التى وضعها عثمان ابن فودي ثمثل مانيفستو الجهاد الإسلامي في بلاد الهوسا
|
ولد عثمان ابن فودي في Gobir أحد بلاد الهوسا شمال نيجيريا في 15 من ديسمبر 1754، وكان والده فقيهًا بأمور دينه وهو ما أسهم في تكوين ابنه العلمي والفكري، وقد بدأ حياته بالدعوة في وسط بنية تحكمها العادات والتقاليد غير الإسلامية، وبعد عام 1795 اتخذت دعوة ابن فودي منحى جديدًا، حيث تجاوز مرحلة التوجيه الفردي المباشر؛ ليتناول قضايا سياسية واجتماعية أوسع نطاقًا، ثم ما لبث أن أعلن الجهاد الإسلامي عام 1804، وذلك بهدف تأسيس دولة إسلامية تقوم على تعاليم الإسلام الصحيحة وهو ما تحقق له بعد عامين حينما أسس خلافة سوكوتو Sokoto، وعلى الرغم من وفاته عام 1817 فإن دولته ازدهرت على أيدي خلفائه، كما أنه ألهم الكثير من الحركات الإسلامية الإصلاحية في غرب إفريقيا.
ومن الملاحظ أن الشيخ عثمان ابن فودي قد درس النصوص والكتابات الإسلامية الكلاسيكية في عصور النهضة التي شهدتها الحضارة الإسلامية، وهو ما أسهم في بناء نموذج مثالي لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم، وفي مقاربته للواقع الذي يعيشه المسلمون في بلاده وجد أن الهوّة واسعة بين هذا الواقع وبين المجتمع المثالي المنشود وربما يرجع ذلك إلى أمرين رئيسيين:
أولهما شيوع البدع والممارسات غير الصحيحة للإسلام. وثانيًا: عدم العدالة الاجتماعية.. لقد أضحى الإسلام في المعتقد الشعبي العام مجرد طقوس وممارسات تبعد كل البعد عن صميم الدين، فانتشرت الخرافات والبدع وانغمس كثير من المسلمين في ممارسات فاسدة وجاهلية، ولم تقتصر هذه الممارسات على المجال الخاص، أي حياة الفرد والعائلة، ولكنها امتدت لتشمل المجال العام، أي في إطار المعاملات والحياة العامة.
عندئذ كانت دعوة ابن فودي للمسلمين بضرورة الانصياع لتعاليم الإسلام الصحيحة ونبذ هذه البدع والخرافات البعيدة عن الإسلام، وكان الحل الذي اقترحه لتحقيق هذه الدعوة يتمثل في إقامة مجتمع إسلامي جديد يتفق مع النموذج الإسلامي المثالي، ومن الملفت للنظر حقًّا في فكر ابن فودي هو أنه كان يركز على البعد الاجتماعي، بمعنى أنه نظر إلى الممارسات الفاسدة وغير الصحيحة باعتبارها مفضية إلى الكفر Kufr، ورغم ذلك لم يهتم بقضية تكفير الناس، فالعقيدة Creed عنده ليست غاية في حد ذاتها وإنما الغاية هي وجود مسلم تشكله هذه العقيدة.
"For him, creed is not an end in itself; the end is to create the kind of Muslim defined by this creed."
لا شك أن هذا الموقف من قضية التسامح في التعامل مع المجتمع قد أعطى بعدًا إيجابيًّا بنَّاء لمفهوم الإيمان Belief والكفر، فهو يرى أن عدم الإيمان تظهره الأعمال وليس النوايا أو ما وقر في القلوب، وقد حذر مرارًا وتكرارًا من اتهام المسلمين بالكفر أو تكفير المجتمع كله، وتلك أحد الخصائص المهمة التي تميز الفكر الإصلاحي لعثمان ابن فودي والتي تميزه عن بعض الحركات الإصلاحية التي ظهرت بعد ذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين والتي نادت بجاهلية المجتمع وكفره وضرورة إقامة الدولة الإسلامية بالقوة.
وقد اهتم ابن فودي بالتعليم وأعطاه أهمية كبرى في مشروعه الإصلاحي، يعني ذلك أن العلماء الحقيقيين المعترف بهم سوف تناط بهم مهمة إعادة إصلاح النظام الاجتماعي وفرض السلوك الإسلامي القومي، وانتقد الشيخ عثمان العلماء الذين يسعون إلى مجرد الشهرة والنفوذ دون الاهتمام بقضية تعليم المسلمين صميم الدين، كما أنه انتقد العلماء الذين لا يهتمون بدراسة اللغة العربية، وكان ابن فودي ينظر إلى المعرفة العلمية من حيث وظيفتها الاجتماعية؛ وهو ما يعني رفضه وجود نخبة متميزة من علماء الدين لا يكون لديهم التزام بقضايا وهموم مجتمعاتهم.
وإذا كانت مرحلة الجهاد القولي التي بدأها الشيخ عثمان قد قامت على النصح والإرشاد ورفع المستوى التعليمي ومستوى الوعي الاجتماعي العام لدى المسلمين، فإنها ركزت على قضية المرأة وضرورة تحريرها من مظاهر الظلم والتهميش الاجتماعي الذي تعاني منه، وقد ساهمت المرأة المسلمة في حركة الإصلاح التي قادها ابن فودي، ولا شك أن هذا النموذج الإسلامي للمرأة قد مثل تحديًا كبيرًا للأفكار السائدة في المجتمع الإفريقي آنذاك.
ومن الملاحظ أن موقف ابن فودي من الصوفية قد يثير اللبس؛ نظرًا لكونه هو نفسه من الصوفية، لكنه لم يطرح الصوفية إطلاقًا باعتبارها جزءًا من مشروعه الفكري، وعندما كان يشير إلى الصوفية كان ذلك في سياق الحديث عن السلوك الإسلامي القويم للفرد ولا علاقة له إطلاقًا بالمكوّن الفكري، ولابن فودي كتابات كثيرة عن الصوفية، لكنه لم يوجه نقدًا إليها مثلما هو الحال مثلاً مع محمد بن عبد الوهاب.
وتمثلت المرحلة الأخيرة من مشروع ابن فودي الإصلاحي في إقامة الدولة الإسلامية وذلك لتحقيق المثالية الإسلامية. وتضمنت إستراتيجية التغيير المطروحة وجود برنامج سياسي واجتماعي راديكالي ليحل محل النظام القديم، وينبثق نموذج الدولة الإسلامية الجديدة من الصياغات النظرية الأولى في عصر النهضة الإسلامية، ويمكن القول إن خلافة سوكوتو تطرح هذا النموذج المثالي الذي آمن به ابن فودي. لقد بيّن الشيخ عثمان في "وثيقة أهل السودان" -التي يَعُدّها البعض مانيفستو الجهاد الإسلامي في بلاد الهوسا- أهمية النضال من أجل قيام الدولة الإسلامية؛ إذ تشير الوثيقة إلى ثلاثة مبادئ ملزمة للجماعة المسلمة:
الأمر بالمعروف.
النهي عن المنكر.
الهجرة (القتال) من أرض الكفر.
وعليه كان على الجماعة المسلمة أن تقاتل من أجل التخلص من الفساد والظلم، ولإرساء قواعد الحق والعدالة في المجتمع.
3 - الخطاب الإسلامي السلفي: أبو بكر جومي نموذجًا:
|
|
احتفالات الصوفية بعاشوراء في نيجيرايا
|
ثمة مجموعة من العوامل أسهمت في مجملها في تحدي الخطاب الإسلامي الصوفي وإنتاج خطاب إصلاحي جديد يستند إلى مرجعيات أصولية سلفية، ولعل من أبرز تلك العوامل هو ظهور حركات وتنظيمات إسلامية ودعاة جدد أخذوا على عاتقهم مهمة تفسير القرآن وقراءته بشكل مختلف وبمنظور جديد؛ وهو ما يشكل تحديًا للخطاب الإسلامي "الصوفي" السائد [xv].
ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى ظهور ثلاثة تنظيمات في الواقع النيجيري:
1 - جمعية الطلاب المسلمين The Muslim Students Society
2-جمعية الدعوة في نيجيريا The Dawa group of Nigeria
3- جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة The Yan izala
ومن المعروف أن الطرق الصوفية سيطرت على شمال نيجيريا بشكل عام حتى أعوام الخمسينيات من القرن الماضي، وكان من أبرز تلك الطرق؛التيجانية والقادرية Tijaniyya والـ Qadiriyya.
وربما تعزى شعبية القادرية إلى تبني الحركة الجهادية لها بزعامة عثمان ابن فودي، فقد رأى الشيخ في المنام صورة النبي محمد ومعه عبد القادر الجيلاني، حيث قاما بإعطائه سيفًا وأمراه بالجهاد في بلاد الهوسا من أجل إقامة شرع الله، وعليه فقد تبنت جميع إمارات سوكوتو الإسلامية الطريقة القادرية.
أما الطريقة التيجانية فإنها دخلت إلى الشمال النيجيري في القرن التاسع عشر حينما قام الشيخ عمر Umer Tall بالإقامة في سوكوتو أثناء عودته من مكة، حيث مكث فيها سبع سنوات وتزوج من ابنة سلطان سوكوتو محمد بللو، وقد عمل الشيخ عمر على نشر الطريقة التيجانية في مختلف أنحاء سوكوتو، على أن التطور المهم في هذا السياق هو مقابلة الشيخ إبراهيم نياس Niasse لأمير كانو أثناء موسم الحج في مكة، وأقنعه بأنه الخليفة الروحي للشيخ أحمد التيجاني مؤسس الطريقة التيجانية، وعندما زار الشيخ نياس كانو عمل على نشر طريقته التي أضحت تعرف باسم الطريقة التيجانية الإبراهيمية.
الشيخ أبو بكر جومي [xvii] Abu Baker Gumi Shaykh هو زعيم الحركة الإصلاحية المناهضة للصوفية في غرب إفريقيا في القرن العشرين، وقد أسهمت اجتهاداته الدينية والفكرية في إلهام الكثير من حركات الإصلاح الإسلامي ليس فقط في نيجيريا، ولكن في غرب إفريقيا عمومًا، ولد الشيخ عام 1922 في بلدة جومي بولاية سوكوتو، وكان أبوه قاضيًا شرعيًّا، حيث تعلم على يديه القرآن الكريم، والتحق بعد ذلك بمدرسة سوكوتو الابتدائية المركزية Sokoto Central Primary School ( 1935-1937)، ثم ( 1937-1942) Sokoto Middle School.
ومدرسة الحقوق التي عرفت لاحقًا باسم مدرسة الدراسات العربية (1943-1947)، وبعد عدة سنوات من تخرجه سافر إلى السودان، حيث حصل على دبلوم عال في اللغة العربية عام 1955، وعند عودته من السودان أرسلته الحكومة الفيدرالية النيجيرية كمسئول عن بعثة الحج إلى السعودية، عندئذ قام الشيخ بإقامة روابط وثيقة مع بعض المسئولين السياسيين والدينيين في المملكة العربية السعودية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار المساعدات المادية والاقتصادية التي تلقاها الشيخ أبو بكر من السعودية لاستطعنا أن نفسر استناده على الدعوة السلفية الوهابية في حركته الإصلاحية.
وفي عام 1962 عُيِّن الشيخ أبو بكر في منصب القاضي الأكبر لشمال نيجيريا ومقره في مدينة كادونا، وخلال جلساته الدينية التي عقدت في مسجد السلطان بللو وكذلك أحاديثه الإذاعية من راديو نيجيريا في كادونا بدأ الشيخ أبو بكر حملته الإصلاحية بتوجيه انتقادات حادة للطرق الصوفية.
شغل الشيخ جومي كذلك منصب مستشار أحمدو بللو الذي جعل الإسلام نقطة الانطلاق الرئيسية في جهوده لتوحيد شمال نيجيريا، وقد أنشا أحمدو بللو لهذا الغرض "جماعة نصر الإسلام" والتي حظيت بدعم سخي من السعودية، كما حاول الاستفادة من شعبية الطرق الصوفية فأنشأ جماعة العثمانية نسبة إلى عثمان دان فوديو، وكان على الشيخ جومي المستشار الديني لأحمدو بللو أن يكيف آراءه المناهضة للصوفية مع هذا التوجه الرسمي الجديد، لكن سرعان ما رفع هذا القيد عن آراء الشيخ جومي بعد اغتيال أحمدو بللو في انقلاب 1966، فقد سمح العسكريون الجدد للشيخ بممارسة تأثيره الديني من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وقد حاول الشيخ أبو بكر التصالح مع علماء كانو من خلال إقناع أمير كانو بالتورط معهم، بيد أن هذه الجهود باءت بالفشل، عندئذ أصدر الشيخ كتاب العقيدة الصحيحة بموافقة الشريعة، وفيه هجوم حاد على الطرق الصوفية، وقد كاد الشيخ أن يفقد حياته عام 1978 على أيدي مجموعة من غلاة الصوفية.
واستنادًا إلى تلك المقدمات تم تأسيس "جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة" عام 1978 حتى يتم إضفاء الطابع المؤسسي على حركة الإصلاح الديني في شمال نيجيريا، واتخذت الجماعة منذ تأسيسها مدينة جوس مقرًّا رئيسيًّا لها، وأنيطت إدارة هذه الجماعة للجنة من العلماء برئاسة الشيخ إسماعيل إدريس أحد المقربين من الشيخ أبو بكر جومي، ويساعد هذه اللجنة مجموعات من كبار المساعدين.
خصائص الخطاب الإسلامي لجماعة إزالة البدعة:
اتسم هذا الخطاب الإسلامي الذي تبنته جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة بثلاثة ملامح رئيسية هي:
أولاً: تبني الفهم السلفي للإسلام.
ثانيًا: انتقاد ورفض الطرق الصوفية.
ثالثًا: عدم الموافقة على "الإسلام الشعبي" والدعوة إلى الاجتهاد، ورفض التقليد والبدع.
ويرى محمد عمر Muhammad Umar أن المشروع الحداثي الذي طرحه الشيخ أبو بكر وجماعته يقوم على عدة مقومات، منها: التأكيد على سلطة النص وتفوقها على سلطة الشخص (سلطة علماء الدين) ورفض التقليد في مقابل الدعوة للاجتهاد، ولعل ذلك التفضيل يتفق مع الفهم الغربي لإعلاء القواعد البيروقراطية على السلطة الكارزمية والإبداع على التقليد، يظهر ذلك واضحًا في أدبيات الجماعة التي شنَّت هجومًا شديدًا على مشايخ الصوفية، وعلى مظاهر البدع والخرافات التي يؤمنون بها.
الأمر الثاني الذي يميز هذا المشروع الفكري الجديد يتمثل في الإطار التنظيمي والمؤسسي للجماعة فقد اتخذت شكلاً تنظيميًّا معاصرًا يقوم على التراتب الهرمي وانتخاب الممثلين ووجود دستور مكتوب للجماعة وتسجيل الأعضاء، كما أن الجماعة استطاعت أن تدير بعض العيادات الطبية والأعمال الخاصة، بالإضافة إلى ذلك فإنها تبنَّت في مدارسها مناهج دراسية متكاملة تجمع بين العلوم الإسلامية والعلوم الحديثة، وقامت الجماعة بتوظيف التكنولوجيا الحديثة مثل وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة والمرئية في تنفيذ برامجها وأهدافها.
الأمر الثالث يتمثل في الخلفية التعليمية لأعضاء وقادة جماعة إزالة البدعة، فقد تلقى كل من الشيخ أبو بكر جومي وإسماعيل إدريس تعليمهما في مدرسة الدراسات العربية في كانو وهي أول مدرسة إسلامية حديثة، وعليه فقد اهتمت الجماعة بتعليم أعضائها علومًا إسلامية وعصرية؛ وهو الأمر الذي مثّل محور أنشطة الجماعة في المجال التعليمي.
4- الخطاب الصوفي الإصلاحي "خطاب التكفير":
|
|
يمكن اعتبار الشيخ إبراهيم صالح من دعاة إصلاح الصوفية وتنقيتها من البدع والخرافات
|
لقد ظهر خطاب إسلامي مناهض للإصلاح السلفي ومعبر عن الفكر الصوفي في نيجيريا، ففي عام 1963 تأسست منظمة فتيان الإسلام وذلك بعد تزايد روابط وعلاقات الطبقة الدينية والاقتصادية في مدينة كانو بالعالم الخارجي، وقد قام الشيخ مودي صالغا بدور بارز في تأسيس هذه المنظمة التي وقفت بالأساس في وجه خطاب يان أزالة، وفي عام 1980 تم تأسيس حركة جند الله في مدينة كانو بزعامة كمال الدين ناما جي، وقد ركز خطاب هذه الحركة على ما يلي:
الدفاع عن الرسول والسنة.
الدفاع عن المجتمع المسلم.
العمل على نشر التعليم والنظام في المجتمع المسلم.
بناء المدارس الإسلامية.
الدفاع عن التيجانية والقادرية.
وإزاء الهجوم المتصاعد على المبادئ والمعتقدات الصوفية والذي أسهمت به جماعة إزالة البدعة وشيوخها في نيجيريا قام الشيخ إبراهيم صالح بإصدار كتابه: التكفير أخطر بدعة تهدد السلام والوحدة بين المسلمين في نيجيريا والذي صدر في القاهرة عام 1982، ويُعَدّ الشيخ إبراهيم صالح واحدًا من أبرز الكتاب المعاصرين في شمال نيجيريا، حيث كتب ما يقرب من مائة كتاب، ولد عام 1939 في Adidibe وهو ينتمي إلى قبائل الشوا العربية، وتمكن من حفظ القرآن ودراسة معظم العلوم الإسلامية على أيدي كبار علماء التيجانية في شمال نيجيريا، بالإضافة إلى دراسته في كل من السعودية ومصر.
لقد اصطلح على الجدل الدائر بين مشايخ التيجانية في ذلك الوقت اسم جدل التكفير؛ نظرًا لأن علماء جمعية إزالة البدعة اتهموا المتصوفة بالكفر، وعليه فإن كتاب التكفير يمثل خطابًا دفاعيًّا للصوفية للرد على آراء الشيخ أبو بكر جومي؛ إذ يسعى الشيخ إبراهيم صالح إلى تفنيد آراء جماعة إزالة البدعة التي تصف الصوفية بالكفر، ومع ذلك فإن تفنيد تلك المزاعم لا يستغرق وقتًا طويلاً من المؤلف الذي يخصص معظم صفحات الكتاب لشرح مبادئ الصوفية ومعتقداتها، يقول إبراهيم صالح:
"إزاء التوتر المتزايد الذي شهدته المجتمعات المسلمة في نيجيريا والذي تسبب به ظهور جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة ومؤسسها الشيخ أبو بكر جومي، فقد قررت الحديث من أجل الدفاع عن الصوفية وهو ما تم بوضع كتاب التكفير".
ويقول الشيخ صالح إنه اختار لذلك منهجًا حذرًا وموضوعيًّا يعتمد على الصبر وبناء الحجة المنطقية، وقد رد الشيخ صالح على الاتهام بأن صلاة الفاتح التي يرددها التيجانية في أورادهم تُعَدّ أكثر أهمية من ترتيل القرآن، وقد استشهد بكلام الشيخ أحمد التيجاني نفسه في القول إن قراءة القرآن تفوق أي ذكر آخر لله، ولكن هذا القول أدى إلى جدل واسع في دوائر الطريقة التيجانية ذاتها حتى إن بعض المريدين والأتباع طلبوا من صالح الاعتذار بشأن ما ورد عن صلاة الفاتح.
ويبدو أن هذا الطرح الذي قدمه الشيخ صالح إنما كان يهدف إلى محاولة شرح معتقدات التيجانية وجعلها مقبولة من عامة الناس، بيد أن أبرز هجوم تعرض له صالح جاء من إبراهيم سيدي السوداني الذي وضع كتابًا أسماه "السمّ الزعاف المضمن في كتاب التكفير لإفساد الطريقة والإتلاف"، حيث شكّك في انتماء الشيخ صالح للتيجانية الصحيحة واتهمه بأنه أقرب إلى التفكير الوهابي الذي يحاول بشتى الطرق تدمير الطريقة التيجانية.
وبالإضافة إلى هذا الانقسام الداخلي الصوفي - الصوفي فإن الهجوم السلفي تركز على جوهر المعاني The Gems of Meaning وهو العمل الأساسي الذي تقوم عليه الطريقة؛ إذ يضم أقوال وأفعال مؤسس الطريقة الشيخ أحمد التيجاني، وقد قال الشيخ صالح في سياق رده على هذا الاتهام إن هذا العمل قد صدر في أكثر من طبعة غير أصلية وغير موثقة بما يعني أنها غير معترف بها في الطريقة، ربما أدى ذلك التحليل إلى غضب الجيل القديم من مشايخ التيجانية في حين أيدته الأجيال الشابة ذات التعليم الغربي.
وفي عام 1986 نشر إبراهيم صالح كتابًا ثانيًا في بيروت أسماه: المغير The Aggressor] على شبهات أهل الأهواء وأكاذيب المنكر على كتاب التكفير؛ إذ يمثل هذا الكتاب مرحلة مهمة في إطار تطور أدب الرسائل بين الإخوان الصوفية، فقد تبنى المؤلف إستراتيجية هجومية لاذعة كما يظهر من العنوان، وذلك للرد على صاحب السم الزعاف الذي وصفه في المغير بأنه جاهل وملحد، وتتضح معالم المشروع الفكري للشيخ إبراهيم صالح في كتاب المغير، حيث إنه أكد على ضرورة تخليص الصوفية من الدخلاء الذين شوّهوا مبادئها ومعتقداتها وهو الأمر الذي ألحق بها عظيم الضرر، وعليه يمكن اعتبار إبراهيم صالح -الذي حظي بسمعة طيبة في بلاده باعتباره من شيوخ التيجانية المعاصرين- أنه من دعاة إصلاح الصوفية وتنقيتها من البدع والخرافات التي علقت بها.
وعلى سبيل المقارنة فإن الطريقة القادرية احتفظت بتماسكها الداخلي ولم تشهد أي انشقاقات كما حدث في التيجانية، ربما يعزى ذلك إلى عدة عوامل، من أهمها: أن القادرية أقل عددًا من حيث الأتباع في الشمال النيجيري، كما أن قيادة القادرية ظلت واحدة ومتجانسة، كما أن الارتباط التاريخي بحركة الجهاد الإسلامي في سوكوتو جعل الهجوم عليهم أمرًا غير مفيد سياسيًّا، وأخيرًا فإن القادرية -على عكس التيجانية- لا توجد بها نصوص جامدة مثيرة للجدل.
5- الخطاب الفلسفي الإشراقي: الفكرة الجمهورية:
|
|
محمد محمود كان يدعو إلى الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة
|
يطرح المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه "1909 - 1985" نموذجًا لخطاب فلسفي جديد ذي مرجعية صوفية خالصة، وعلى الرغم من أن الفكرة الجمهورية الجديدة قد ظهرت في بداية الخمسينيات بعد الاجتماع العام للحزب الجمهوري في 30 من أكتوبر 1951، عندما طرح محمود طه المذهبية الإسلامية الجديدة، فإن كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" الذي صدر عام 1967 يُعَدّ الوثيقة الأهم في توضيح الفكرة الجمهورية.
ويدعو طه إلى الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة، ويرتكز المشروع الفكري التجديدي الذي نادى به محمود طه في الأمور التالية:
أولاً: الفهم الجديد للقرآن.. فقد قسم صاحب الرسالة الثانية القرآن إلى فروع وأصول، حيث جعل من الفروع أساسًا لما سبق، ومن الأصول أساسًا لرسالته الثانية. وكما كتب طه نفسه:
"الإسلام رسالتان: الفهم الجديد الذي تقدمه الدعوة الإسلامية الجديدة هو أن الرسالة الأولى للإسلام تقوم على فروع القرآن وهي مرحلية في كثير من صورها وهي غير مناسبة لحاجة الناس اليوم. أما الرسالة الثانية فإنها تقوم على أصول القرآن، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي عاشها وحده ولم تعشها الأمة المؤمنة معه في ذلك الوقت؛ لأنها أكبر من حاجتها. ونحن الجمهوريون نقول إنها مدخرة للناس اليوم".
وهكذا فإن محمود طه قد نفى الوحدة العضوية والمنهجية للقرآن، بل إنه تجاوز ذلك كله لينفي مصدرية القرآن، وذلك في سياق الحديث عن الشريعة الفردية. يقول الشيخ في كتابه كيف تصلون:
"اسمعوا قولي هذا فإن شريعة الإسلام في أصلها إنما هي شريعة فردية. والقرآن يركز على الفردية تركيزًا مستفيضًا. وحين كانت شريعة الإسلام في الأصل فردية، كانت شريعته في الفرع جماعية. وما الشريعة الجماعية إلا وسيلة الشريعة الفردية".
ثانيًا: تطوير التشريع الإسلامي بالانتقال من الآيات المدنية التي قامت عليها بعض صور الشريعة إلى الآيات المكية التي نسخت في ذلك الوقت؛ نظرًا لعدم تهيؤ المجتمع لها. وعليه يتم الدعوة إلى الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية.
يقول الشيخ طه في الرسالة الثانية: "وتطور الشريعة هو انتقال من نص إلى نص، من نص كان هو صاحب الوقت في القرن السابع فأحكم إلى نص عُدّ يومئذ أكبر من الوقت فنسخ. قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] يعني ما نلغي ونرفع من حكم آية... وقوله أو ننسها يعني أن نؤجل من فعل حكمها، نأتِ بخير منها يعني أقرب لفهم الناس وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة. أو مثلها يعني نعيدها هي نفسها إلى الحكم حين يحين وقتها. فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت فهي مرجأة إلى أن يحين حينها، فإن حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت ويكون لها الحكم وتصبح بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة في القرن السابع منسوخة الآن، هذا هو معنى حكم الوقت، للقرن السابع آيات الفروع، وللقرن العشرين آيات الأصول".
ثالثًا: التأكيد على حقوق المرأة، حيث دعا الجمهوريون إلى تطوير التشريع فيما يختص بقانون الأحوال الشخصية وإلى ضرورة وضع المرأة في التشريع بموضعها الصحيح. وقد تجاوز المشروع الفكري الجمهوري الخاص بالمرأة القصور الفكري الذي ظل ملازمًا للفكر الإسلامي السلفي في قضية المرأة ومتجاوزًا دعوات تحرير المرأة التي هدفت لمحاكاة الغرب، ويقدم محمود طه فهمًا جديدًا يقوم على المساواة التامة بين الرجال والنساء أمام القانون وفي النظام الاجتماعي.
وقد طرح محمود طه رؤيته في العديد من الموضوعات مثل الجهاد والرق والحجاب والمرأة والرأسمالية، وزعم بأن كلاًّ من الرسالة الأولى والثانية للإسلام تناقض كل منهما الأخرى بشأن هذه الموضوعات. وعليه فقد فضل هو المساواة التامة بين الرجال والنساء كما سبق وأن بينّا، كما رفض الحجاب، ونظرًا لخلفيته الاشتراكية فقد رفض الملكية الخاصة لصالح الملكية العامة.
يبدو أن محمود طه مثل غيره ممن تبنوا الخطاب الإصلاحي الحداثي لا يرى أن مشروعه الفكري يقوم على إدخال عناصر ومقومات غربية في الإسلام، ولكن عوضًا عن ذلك إحياء العناصر والمقومات الكامنة في الإسلام.
6- الخطاب الإسلامي الثوري: إخوان نيجيريا نموذجًا:
|
|
تحت تأثيرات الثورة الإيرانية بدأ الشيخ الزكزاكي النضال من أجل إقامة دولة إسلامية في نيجيريا
|
يقصد بالخطاب الثوري هنا ذلك النمط الذي يحاول إحداث تغيرات جذرية في بنية كل من الدولة والمجتمع، بما يعني إقامة المجتمع الإسلامي أولاً بهدف الوصول إلى النظام الإسلامي ثانيًا. ولعل الشيخ إبراهيم الزاكزكي Ibrahim El ZAkzaky يطرح نموذجًا واضحًا على هذا الخطاب. وقد ولد الشيخ إبراهيم في 5 من مايو 1953 في مدينة Zaria وتلقى تعليمه في المدارس القرآنية التقليدية حتى سن السادسة عشرة. وفي عام 1969 التحق بمدرسة زاريا العربية والتي تحولت بعد ذلك لمعهد إعداد معلمي المرحلة الابتدائية. وخلال الفترة من 1971 - 1975 التحق بمدرسة الدراسات العربية في مدينة كانو.
وفي عام 1979 حصل على درجة جامعية في الاقتصاد من جامعة أحمدو بللو. ويلاحظ أنه خلال دراسته الجامعية انخرط في النشاط الطلابي وتولى مناصب قيادية في جمعية الطلاب المسلمين. وتحت تأثيرات الثورة الإيرانية عام 1979 بدأ الشيخ النضال من أجل إقامة دولة إسلامية في نيجيريا، حيث تأثر كذلك بأفكار سيد قطب، ولا سيما كتابه معالم في الطريق والذي كان بمثابة المرجع الرئيسي لأعضاء الحركة الإسلامية من الإخوان أتباع الزاكزكي.
ومن الجلي أن فكرة سيد قطب عن الانقسام بين الإسلام والجاهلية والصراع بينهما، أي بين الدين والكفر قد أسهمت بشكل أساسي في صياغة الفكر السياسي لجماعة الإخوان. ولعل كتابات المفكر السوري الإخواني سعيد حوّى قد مثلت هي الأخرى رافدًا مهما لفكر حركة الزاكزكي، بيد أن ارتباط الجماعة بإيران واتهامها بأنها تمثل إخوان الشيعة رغم إنكار الشيخ إبراهيم ذلك قد أدى إلى حدوث انقسام داخل صفوفها، ومع ذلك حافظت الجماعة ككل على توجهاتها الثورية المطالبة بإقامة الدولة الإسلامية.
ويميل الخطاب الديني الذي يمثله تيار الإخوان إلى التأكيد على وحدة الأمة الإسلامية، وأن الصراع الأساسي الذي تخوضه الجماعة هو ضد السلطة الحاكمة، ومن ثَم يعتبر مطلب الإطاحة بها شرعيًّا وأساسيًّا. أما الصراع مع بعض قيادات المجتمع المدني فإنه يدخل في إطار الصراع مع قوى الجاهلية المعادية للثورة الإسلامية.
ويلاحظ على خطاب الإخوان النيجيريين أمران مهمان؛ أولهما: التركيز على مفهوم الشهادة Martyrdom باعتبارها محورية في فكر الجماعة، فهي تؤدي إلى دخول الجنة مباشرة، والشهادة ضرورية لإقامة الدولة الإسلامية والمجتمع المسلم، ويشرح الشيخ الزكزاكي هذه الفكرة بقوله:
ثمة جوانب ثلاثة تشكل سنّة الله مع سائر رسله وأنبيائه، عادة ما يؤمن برسالة الله التي يحملها رسله الشباب والمستضعفون فقط، ويقود الأغنياء أغلبية المجتمع للوقوف في وجه الدعوة، حيث يقع الصراع بين الفريقين لا محالة، ولكن الله ناصر رسله".
وعليه فإنه طبقًا للزاكزكي لا بد من التضحية بالنفس من أجل أسلمة الدولة والمجتمع، وقد أصدرت الحركة الإسلامية موسوعة لتخليد أسماء شهدائها، كما أسست منظمة خيرية لدعم أسر الشهداء.
أما الأمر الثاني فإنه يرتبط بالأعضاء والقيادة، فالأعضاء الجدد ملتزمون بأشياء ثلاثة هي: البراءة والبيعة والولاية.
يمكن الخلوص إذن إلى القول إن الخطاب الإسلامي التجديدي في إفريقيا ليس حديثًا، وإنما هو يرجع إلى تقاليد الحركات الإصلاحية القديمة التي ظهرت حتى تحت عباءة البنية الصوفية التقليدية. وقد استمرت هذه العملية الإصلاحية بخطابها التجديدي على الرغم من تنوع وتعدد مصادرها الفكرية حتى اليوم، فثمة خطاب إصلاحي يعتمد على مرجعية صوفية ذات بُعْد شعبي إفريقي ويقابله خطاب آخر راديكالي مناهض له، ويعتمد في الغالب على مؤثرات خارجية (عربية أو آسيوية أو إيرانية)، لكن السمة الواضحة للخطاب الإسلامي التجديدي في إفريقيا خلال القرن العشرين هي معاداته للصوفية.
وقد اتسم الخطاب التجديدي بطرح قضايا معينة، مثل رفض بعض جوانب علمانية الدولة الإفريقية ما بعد الكولونيالية، ولا سيما ما يتعلق منها بالجانب الديني، كما انشغل هذا الخطاب بقضايا التعليم الإسلامي وضرورة تطويره، بالإضافة إلى دعم حركة إنصاف المرأة المسلمة وتمكينها في المجتمع.
وعلى الرغم من أهمية دراسة المؤثرات الخارجية لفهم طبيعة الخطاب التجديدي في إفريقيا فإن العوامل المحلية -أي السياق الداخلي الذي يحكم هذه الحركات الإصلاحية- تظل هي المحدد الأساسي في الحكم على مدى نجاح أو فشل هذا الخطاب.
وعلى سبيل المثال كيف نفسر نجاح بعض الحركات الإصلاحية التي تبنت خطابًا تجديديًّا في دول مثل نيجيريا والسودان وزنجبار، حيث اكتسبت تلك الحركات نفوذًا سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا واضحًا، وفي المقابل لم تستطع حركات إصلاحية أخرى تبنت نفس أو على الأقل بعض القضايا في خطابها التجديدي أن تحقق تأثيرًا واضحًا في المجتمعات الإسلامية في دول مثل كينيا وتنجانيقا والسنغال.
والملاحظة الأخيرة في هذا السياق تشير إلى تنوع وتعدد أنماط الخطاب الإسلامي التجديدي في إفريقيا كما أوضحنا في الجزء السابق من هذه الدراسة، فقد تراوح ما بين الصوفية الروحية والفلسفية، والسلفية الوهابية والراديكالية الجهادية. ولعل ذلك يعكس خصائص الخطاب التجديدي عمومًا في العالم الإسلامي.
أستاذ العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
*جزء من دراسة للدكتور حمدي عبد الرحمن بعنوان (تجديد الخطاب الإسلامي في إفريقيا:الأنماط والقضايا العامة).
|