English

 

الأربعاء. فبراير. 27, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أمريكية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

شهادة صحفي أمريكي

الوجه الأسود للعولمة.. نظرة إلى العمالة الأجنبية في أمريكا *

شيرين حامد فهمي

العمالة الأجنبية بأمريكا
العمالة الأجنبية بأمريكا
في كتابه "المعدومون: العِمالة المُستعبدة الأمريكية الحديثة والوجه الأسود للاقتصاد العولمي الجديد"، والذي عرضه بمركز "كارنيجي" في أكتوبر 2007، تناول الصحفي الأمريكي "جون بو" John Bowe ظاهرة "استعباد" العمالة الأجنبية في الولايات المتحدة؛ وهي الظاهرة التي تفشت باكتساح في ولاياتٍ عدة -وما زالت متفشية- على الرغم من تحريم الدستور الأمريكي لها رسميًّا في عام 1865، عبر المادة 13.

وينطلق "بو" -صاحب المقالات الناقدة لتلك الظاهرة في "ذا نيويوركر" و"ذا نيويورك تايمز ماجازين"- من نظريته القائلة: إن ظاهرة الاستعباد تلك ليست إلا نتيجةً للعولمة الاقتصادية التي خلفت ظلمًا إنسانيًا فادحا، على عكس ما قد يصوره الكثير من المثقفين والمفكرين؛ وعلى رأسهم الصحفي الأمريكي المرموق "توماس فريدمان"، مؤلف كتاب "العالم أضحى متساويا"، وصاحب النظرية المضادة القائلة بأن العولمة جاءت لتسوي بين البشر، بدليل أن العامل الصيني والهندي أضحى متكافئًا مع نظيره الأمريكي والأوروبي.

وجهان لعملة واحدة

لا يجد "بو" وصفًا -يصف به نظرية "فريدمان"- إلا الكذب؛ والكذب المحض. فإذا كان العامل الهندي قد أثبت نفسه في وجه العامل الأمريكي، كما يفترض "فريدمان"، فإن ذلك لا يمثل القاعدة، بل إن ذلك يتغافل عن حقائق مريرة وكثيرة، كما يؤكد "بو". بمعنى آخر، إن العاملين الهنود المنخرطين في القطاع التقني ذي المستوى الرفيع والمُعقد، لا يتعدون 0.2% من إجمالي عدد العاملين الهنود، بينما يظل مستوى العامل الهندي العادي متهاويًا إلى أسفل سافلين، ويضرب "بو" مثلاً دالاً على ذلك؛ فيقول: "إن الطفل الهندي الذي كان يأكل ما يساوي 900 سعر حراري يوميًا في الثمانينيات، أضحى الآن طعامه اليومي لا يتعدى 600 سعر حراري".

إن "فريدمان" وأمثاله يتجاهلون الأكثرية الفقيرة التي فرمتها عجلات العولمة الاقتصادية؛ إنهم يتجاهلون بليون فقير، كما يشير "بو" في كتابه الذي يعرض بعض الإحصائيات الدالة على حقيقة ذلك التجاهل، فمنها انخفاض مُعدل الراتب في 59 دولة عما كان عليه منذ 20 عاما، ومنها أيضًا تحول 80% من الدخل العالمي إلى جيوب خُمس سكان العالم، بينما لا يُترك إلا 1% فقط للخُمس الأفقر في العالم، أما على المستوى الأمريكي، وكما هو صادر عن وزارة العمل الأمريكية، فقد بات اليوم 1% من الأسر والعائلات الأمريكية مسيطرًا على أكثر مما يسيطر عليه 95% من الأمريكيين؛ حيث خسر 40% من القاعدة الأمريكية أكثر من 80% من أموالهم، على امتداد 40 عاما.

وأكثر ما يؤلم "بو" نظرة "الاسترخاص" إلى العامل غير الأمريكي أو غير الأوروبي، الذي لا يتقاضى أكثر من 70 دولارا شهريا، إضافةً إلى ذلك استغلال بؤس هؤلاء "العبيد"، ثم التفضل عليهم بعد ذلك. فكثيرًا –إن لم يكن دائما– ما يُبَرَر التعاملُ معهم بطريقةٍ متسلطةٍ ومتكبرة، على اعتبارهم "لُقطاء".. قد وجدوا أخيرًا من يُطعمهم؛ وكأن رب العمل هو ربهم الذي يُطعمهم.. نعم إلى هذه الدرجة وصل الاستعباد والإذلال للعامل غير الغربي في مزارع الولايات المتحدة، "لقد عدنا إلى حياة ما قبل التنوير، وما قبل الديمقراطية، بل ما قبل المساواة بين البشر"، كما يقول "بو" آسفا.

والعجيب كل العجب -كما يرى الصحفي والناقد الأمريكي- أن يتعامل مجتمعه مع تلك الظاهرة وكأنها غير موجودة، والغريب كل الغرابة أن يفترض الساسة الأمريكيون أن كل شيء يسير بانضباطٍ وتوازن، على الرغم من خروج الأمور عن مثل ذلك الانضباط والتوازن، ويُحدد "بو" العلة في العقلية الأمريكية التي تعاني من عيبٍ هيكلي جذري، يمنعها من رؤية الظاهرة كما ينبغي أن تكون، وهو عيبٌ متواجد في معظم العقليات الأمريكية، بغض النظر عن انتماءاتها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية.

العمالة الأجنبية في فلوريدا

متناولاً حالة الفلاحين المكسيكيين والأسبان في مزارع فلوريدا، يؤكد "بو" الوضع المُزري الذي وصل إليه الفلاح أو "المُستعبد" المكسيكي والأسباني، ابتداء من عمله في وسط بيئة غير صحية وغير آمنة؛ مرورا بتقاضيه أجرًا متدنيًا لا يكفي الفقير فقط، بل لا يكفي من هو تحت خط الفقر؛ ومرورا أيضا بعمله 14 ساعةً يوميًا دون تقاضيه حقوق الوقت الإضافي الُمتعارف عليها؛ وتجريده من كافة الحريات المتعلقة بالانتخاب والتنظيم؛ وإجباره على العمل وحرمانه من حق تركه؛ وإرغامه على الخضوع للأسعار التي يحددها كبار المُشترين للسلع الزراعية؛ وعدم تمكينه من حقه في المقاضاة القانونية والدعاية الشرعية؛ وانتهاء بعدم إمداده بوسيلة مواصلات آدمية توصله حيث يريد (خدمات التوصيل للفلاحين تكون على حسب توصيل المحاصيل الزراعية؛ إذ يتم إنزالهم في وسط الطريق).

ويُكمل الصحفي الأمريكي حديثه حول أولئك الفلاحين قائلا: "إن العمالة القادمة من جبال المكسيك إلى فلوريدا، لا تعرف الفارق بين ولايتي فلوريدا وأريزونا، إنها لا تتحدث أبدًا بشأن أجورها، بل إنها لا تعرف كم يساوي الدولار". ويقول أيضا: "300 ألف أسباني لا يُسمَعون؛ لا يتلقون أي حمايةٍ من الشرطة الأمريكية في حال حدوث أعمال عنفٍ أو شغب.. حينما يطلبون وزارة العمل الأمريكية على الهاتف، لا يجدون إلا الرد البيروقراطي الإنجليزي المُسجَل (مكتبنا مفتوح من الثامنة صباحًا حتى الثانية عشر ليلا، أيام الأربعاء)".

ويتوالى الظلم عبر مُشرفي العمل الذين يفعلون ما يشاءون بحق الفلاحين، دون رادعٍ أو عقوبةٍ تردهم، كما يؤكد "بو". فهؤلاء المُشرفون ليس لديهم أدنى فكرة عن أبسط حقوق العُمال، أو عن قوانين دفع الأجور، أو عن شئون الهجرة، أو حتى عن معايير العمل القانوني، هذا فضلاً عن إسكانهم لأولئك الفلاحين بملحقاتٍ سكنية، "حرصًا منهم على عدم إضاعة وقت الفلاحين ومالهم في تأجير مساكن آدمية".

ويساعد على هذا الظلم أيضًا، المشترون الأمريكيون الكبار للسلع الزراعية، حسب وجهة نظر "بو". فشركات مثل Taco Bell, Burger King, Wal-Mart هي التي تقوم بتحديد أسعار الشراء، وليس قوانين السوق الحرة، والفلاح المكسيكي -بالطبع- لا يستطيع أن يفتح فمه أو أن يعترض على تلك الأسعار التي تكون بخسة في معظم الأوقات، فهو يبيع مضطرًا بأبخس الأسعار، وإلا فسيتعفن محصوله.

وقد تدعم الحكومة الفيدرالية الأمريكية من هذا الظلم وتسانده، حتى ولو بطريقةٍ غير مباشرة؛ فمن خلال دعمها القطاع الزراعي بحوالي 47 بليون دولار سنويا، ينشط "البيزنس الزراعي" وينشط معه المُشترون الأمريكيون الكبار؛ فيزدادوا ثراءً على ثرائهم، ويزداد الفلاحون فقرًا إلى فقرهم، هذا الأمر الذي جعل "البيزنس الزراعي" أكثر القطاعات ربحا، بعد "بيزنس الأدوية"، ويستنكر الصحفي الأمريكي وضع المستهلك الأمريكي -الذي يدفع فقط 6.5% من راتبه على الطعام بسبب الدعم الحكومي- بالمقارنة مع وضع الفلاح الذي يزرع ما يأكله ذلك المستهلك، فهذا الفلاح حقه مهضوم، على عكس العُمال في المجالات الأخرى، وقد استشهد الصحفي بمقولة أحد مُشرفي العمل: "لأسباب عدة، نحن قررنا أن الأمر ليس فيه مشكلة إذا لم يتقاضَ الفلاحون أجورهم".

لجميع تلك الأسباب السالف ذكرها، أسمى "بو" أولئك الفلاحين بغير المتواجدين أو nobodies؛ وهو ما أكده أحد الفلاحين حينما قال: "لا أحد يهتم بك إذا كنت خاسرا؛ فأنت ليس لديك حق الدعاية الشرعية، ولا حق المقاضاة الشرعية، أما أصحاب الملايين مثل Taco Bell فهم لديهم القدرة على الدفع للسياسيين".

أين الحل؟

بدايةً، يرى "بو" أن عظم خطر العولمة -وما تُفضي إليه من استعباد- لا يبرر أبدًا الركون إلى السلبية، فقد توجد حلول كثيرة، يمكن الأخذ بها: من حملات الطعام العادل Fair Food Campaign، إلى مظاهرات الفلاحين، إلى جلب مديري عمل من نفس جنسية الفلاحين، حتى يستطيعوا فهمهم وتفقّد الظروف التي سيعيشون فيها، إلى النظر في رفع ميزانية وزارة العمل الأمريكية التي تضاءلت على مدى العقود الثلاثة الماضية (منذ انتخاب "ريجان" إلى الرئاسة الأمريكية) لا سيما أن الظروف مواتيةٌ حاليا، بعد سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس.

ولا يؤمن الصحفي الأمريكي بحل رفع الأجور؛ وإنما يؤمن بحل العملية الديمقراطية، وإثارة الوعي السياسي لدى المُستهلك الأمريكي، ويحذر من بقاء المستهلك الأمريكي على تلك الغفلة السياسية، بما يحدث حوله أو بما يحدث في العالم.

ويستدعي "بو" دور الدين في المجتمع الأمريكي، ناقدًا النخبة المتعلمة التي تتناوله بطريقةٍ ضحلةٍ وتافهة، وهو يتساءل مستنكرا: لماذا لا يتناول رجال الدين تلك القضية الاجتماعية؟ ألم يتحدث الإنجيل عن العدالة الاجتماعية عشرات المرات؟ أم أن تناول الدين المسيحي صار مقتصرًا فقط على قضايا الشذوذ والإجهاض؟

وأخيرا، يدعو الصحفي الناقد العقلية الغربية إلى التخلص من نظرية "المُساعدة" التي استخدمها الأسبان حينما جاءوا إلى العالم الجديد (أمريكا) بحجة "مساعدة" الهنود ومنحهم المسيحية، والتي استخدمها البيض الذين جاءوا إلى إفريقيا بحجة "مساعدة" الإفريقيين ومنحهم التحضر.

والحق يُقال.. إن ما يطرحه الصحفي الأمريكي يبدو واقعيًا وحقيقيا، فالعولمة الاقتصادية أفضت فعلاً إلى الاستعباد، إلا أن العيب لم يكن في العولمة ذاتها، وإنما العيب كان -وما زال- فيمن يقود العولمة، ففي نهاية الأمر تعتبر العولمة عملية، قد يُحسن أو يُساء توظيفها، كما تؤكد الدكتورة "نادية مصطفى"، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة.

والوضع قد يبدو مماثلاً إذا ما تحدثنا عن الخصوصية المُضادة للعولمة، فهي أيضًا تخضع للتوظيف السيئ أو الحسن؛ فكثيرًا ما يتم توظيف الخصوصية للاستبداد، كما يتم توظيفها للإصلاح، والظاهر أمامنا الآن هو خضوع عملية العولمة للقيادة الأقوى وليس القيادة الأصلح.


باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

*قراءة في عرض كتاب Nobodies: Modern American Slave Labor and the Dark Side of the New Global Economy، الذي قدمه المؤلف  في مركز "كارنيجي" - برنامج "الشئون العامة"، في أكتوبر 2007.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات