|
أدت موجة الغلاء المزمنة ومحدودية الأجور في الجزائر إلى التفكير في أساليب ناجحة بإمكانها أن تقي المواطنين ويلات الارتفاع "المخيف" الذي تشهده أسعار المواد الأكثر استهلاكا، فاهتدى فريق من الجزائريين إلى فكرتين أو بالأحرى "صيغتين استهلاكيتين مستحدثتين"، هما "تعاونيات الاستهلاك" و"الأسواق المصغرة"، ليكونا "بردا وسلاما" على قطاع واسع من الموظفين محدودي الدخل وعموم العمال البسطاء الذين اكتووا بنار الأسعار التي لا ترحم.
وكانت فكرة التعاونيات قد ظهرت بمنطقتي "مليانة" (160 كم غرب الجزائر العاصمة)، و"المسلية" (310 كم شرقا).. في حين حققت الأسواق المصغرة أو ما يطلق عليها "السوبيرات" انتشارا في أنحاء عديدة تخطت حدود العاصمة.
العودة للأصل
وتعتبر فكرة "التعاونيات" تطويرا عصريا لـ"أسواق الفلاح" التي كان معمولا بها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بالجزائر، وتقوم فكرتها على نمط "ادفع بأقل التكاليف"، حيث يمنح المشتري تخفيضات كبيرة كلما اشترى كميات أكبر من السلع.
ويوضح منصور الحاج (55 سنة) - الذي أسّس برفقة ثلاثة من زملائه تعاونية "الأصيل" التي تختص ببيع الخضر والفواكه - أن فكرته بدأت عندما لاحظ أنّ المقر القديم لـ(سوق الفلاح) ظلّ مهملا منذ إغلاقه قبل عشرين عاما، فاقترح على مديرية التجارة بالمنطقة الاستفادة من تسييره عن طريق إقامة تعاونية استثمارية موجهة لأغراض استهلاكية، ويقول الحاج: "بعد إجراءات إدارية مضنية تمكنت من افتتاح هذه التعاونية، وتلقى بضائعها رواجا بين سكان البلدة، وقد أدت أسعارنا التنافسية واعتمادنا صيغة (الدفع المؤجل) إلى قدوم مواطنين من ولايات بعيدة إلينا".
ويشرح زوبير زميري (52 سنة) تجربته مع تعاونية الرحمة، إذ لجأ إلى إبرام تعاقدات مباشرة مع عدد من المُزارعين، مما مكنه من بيع الخضراوات والفواكه بأدنى قيمة تبعا لاستبعاد الوسطاء والسماسرة الذين ينظر إليهم على أنّهم سر المضاربة الموجودة في البلاد منذ فترة ليست بالقصيرة.
وتقترح تعاونيتا "الأصيل" و"الرحمة" 25 دينارا كسعر للكيلوجرام الواحد من البطاطا بدلا من 50 دينارا المعمول به في الأسواق المحلية، كما تبيعان البصل والطماطم بـ20 و24 دينارا على التوالي، وتوفران الجزر والبنجر والبازلاء بأسعار تحت 60 دينارا، والفلفل الأخضر بـ65 دينارًا، ونفس القاعدة تنسحب على أسعار الفواكه، إذ يمكن للمستهلك هناك اقتناء كيلوجرام من العنب المجفف بـ180 دينارا، وكيلوجرام من التفاح بـ60 دينارا، تماما مثل التين، علما بأنّ المواد السابق ذكرها تباع في مختلف الأسواق العادية بمرتين إلى ثلاث مرات ضعف السعر المعتمد من طرف التعاونية.
وعما إذا كان هامش الربح ضيقا في ظل سياسة التعاونية التجارية، يقول الحاج لـ"إسلام أون لاين.نت": "بالعكس، هامشنا وفير؛ لأنّ الأسعار المغرية جلبت لنا طلبات مضاعفة، ثمّ أهم شيء هو تكريسنا لجو من الثقة سيسمح بتوسيع نشاطنا إلى مواد استهلاكية أخرى".
اشتر أكثر.. تدفع أقل
وتسير الأسواق المصغّرة أو ما يطلق عليها محليا بـ(السوبيرات) مع التعاونيات في خط مكافحة الغلاء، وتقوم فكرتها على استقطاب المستهلكين من خلال نمط: "اشتر أكثر.. تدفع أقل"، وهي طريقة يشرحها "عماد خيار" (45 سنة) صاحب أحد "السوبيرات" بقوله: "في الحقيقة نحن نبيع سائر المواد الاستهلاكية بأسعار وفق نظام قريب من ذاك المتبّع لدى أسواق الجملة، وزدنا على ذلك بتشجيع زبائننا على شراء كميات كبيرة من السلع بأقل تكلفة ممكنة، فكلما زاد حجم المشتريات تناقصت قيمتها أتوماتيكيا".
من جانبه يكشف الهاشمي محمود (47 سنة) أنّ سوقه المسماة "الأزرق الكبير" وفرت خدمة "الزبائن الأوفياء"، هذه الأخيرة تقضي بمنح كل زبون (كودا) أو شفرة خاصة تسمح له باقتناء ما يريد والاستفادة من أثمان أقل بكثير عن تلك المقترحة على الزبائن العاديين، ويبرّر الهاشمي هذا الأسلوب برغبة مؤسسته في استيعاب أكبر عدد من المستهلكين الدائمين والمحافظة على هؤلاء تقتضي إغراءهم بما هو متاح.
وفي سياق متصل تبرز تجربة سوق "أوبرا" التي يديرها لبنانيان ببلدة درارية (ضواحي العاصمة) وتختص هذه السوق ببيع اللحوم والأسماك والملابس وحتى الأجهزة الكهربائية المنزلية، بأسعار متميزة مقارنة بأسعار باقي الأسواق، فيمكن اقتناء تلفاز كبير الحجم بثلاثمائة دولار في وقت يباع فيه خارجا بألف دولار، كما تطرح "أوبرا" ثلاجات وطبّاخات وفق نظام "البيع بالتقسيط" الذي يتطلب من المستهلك دفع 25 بالمائة من قيمة البضاعة، والتعهد باستكمال باقي المبلغ على مراحل قد تصل إلى 24 شهرا بضمانات، ويعلّق ناجي صاحب السوق بقوله: "المبادرة مبنية على الثقة في المستهلكين".
المستهلكون تنفسوا الصعداء
ويبدي عموم المستهلكين ارتياحهم لإحياء نظام التعاونيات وطالبوا بتعميمها على مستوى كامل محافظات البلاد، ويوضح بشير/ ن (موظف في سكك الحديد ورب عائلة) أن راتبه المحدود الذي لا يتجاوز المائتي دولار لم يكن يفي بمتطلبات عائلته من الغذاء، لكن منذ ظهور التعاونيات صار يقتصد كثيرا وتنفس الصعداء، بفعل الأسعار التي لم يصدقها لأول وهلة قياسا بحالة الجنون التي تطبع الأسواق الأخرى.
ويؤيد كريم / ص (الموظف في القطاع الصحي) ما قاله بشير مضيفا: "الواحد منا بات بإمكانه الادخار وشراء أشياء كمالية، بعدما صارت فاتورة المواد الغذائية أقل بكثير".
وتثني ليلى / د على صيغة "الدفع المؤجل" التي تعتمدها السوبيرات قائلة: "أنا أعاني جراء تأخر صرف راتبي، لكن إشاعة السوبيرات جوا من الثقة في الزبائن وتمكينهم من اقتناء ما يشاءون وفق دفتر (الدفع المؤجل) أراحنا كثيرا وخفّف الضغط على كواهلنا".
وأشارت نجوى (32 سنة) الموظفة الحكومية إلى نفس الميزة مشيرة إلى أن خدمة "البيع بالتقسيط" ساعدتها على اقتناء أكثر من جهاز كهربائي منزلي.
ويشير داود (36 سنة) المهندس في شركة خاصة إلى أنّ السوبيرات أتت لتوقف جنونية الأسعار التي صارت نارا بفعل جشع التجار، بينما ركزت أميمة (50 عاما) على الحميمية والثقة اللتين تطبعان علاقة الباعة والمستهلكين في الأسواق الصغيرة، وهو ما فسح المجال - بحسب عبد الناصر (30 عاما) المدرس بإحدى المدارس الابتدائية - لمرونة أكبر في التعاملات، من خلال الاستفادة من شفرة خاصة تتيح له الشراء بأقل التكاليف.
هل من مزيد؟
ويشيد الخبير الاقتصادي هيثم رباني بتجربة التعاونيات والأسواق الصغيرة، مشيرا إلى أنها أحدثت توازنا بالأسواق، في وقت تتجه فيه الأسعار للزيادة، وأوضح أن سر نجاحها هو تضييقها لهامش الربح سعيا نحو البيع بكمية أكبر.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الحق العميري أنّ التجربة بيّنت تنامي وتمايز الأشياء عندما يتّم فسح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار والإبداع، مضيفا: "علينا التوقف عن تحميل نظرية العرض والطلب أكثر مما تتحمل"، وطالب بضرورة تشجيع قيام مثل هذه الهياكل الاستهلاكية، والقضاء نهائيا على الوسطاء غير الشرعيين ممن ليس لديهم سجلات تجارية ولا يدفعون الضرائب، ويتسببون في زيادة الأسعار.
ويتفق المحلل الاقتصادي "سليم لعجايلية" مع الرأي السابق، مؤكدا ضرورة تعميم السلطات الجزائرية نموذجي التعاونيات والأسواق المصغّرة بواسطة منح قروض من يرغب في إقامتها على المديين المتوسط والبعيد، حتى تكون هناك ثمة حركية استهلاكية للطبقات الدنيا.
|