English

 

الخميس. فبراير. 21, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أوروبية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الدوافع الكامنة وراء السياسات الكردية *

هاشم أحمد زاده - روبرت لوي - جارث ستانسفيلد

ترجمة - مروى صبري

Image
تثير العناصر غير التابعة لدول مشكلات شائكة أمام المجتمع الدولي، خاصة أنها لا تتوافق مع المفاهيم المرتبطة بالدول ذات السيادة والتي تشكل إطار العمل الرئيسي للنظام السياسي، ومع ذلك يتعذر تجاهل بعض المواقف التي تتورط فيها مثل تلك العناصر؛ لأنها تخلق أمام المجتمع الدولي خيارات صعبة.

وعند النظر إلى منطقة الشرق الأوسط تحديدًا نجد أن المشكلات المرتبطة بادعاءات مجموعات مختلفة من الأفراد -حول مساحات من الأراضي يسود الاعتقاد بأنها تشكل جزءا من وطن تاريخي- قد خلفت تأثيرًا عميقًا على التطور السياسي للمنطقة خلال القرن العشرين، ويأتي الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على رأس تلك المشكلات.

مقارنة بالفلسطينيين حظي الأكراد بقدر أدنى من الاهتمام، رغم أن عددهم يقدر بحوالي 30 مليون نسمة، ما يتجاوز عدد سكان فلسطين وإسرائيل معًا، وتتميز المنطقة التي يشير إليها الأكراد باعتبارها كردستان بخصوبة أراضيها ومواردها الطبيعية المهمة، علاوة على أهميتها الجيوسياسية الهائلة، إلى جانب ذلك يتمتع الأكراد بنفوذ كبير داخل أهم أربع دول يتركزون بها: تركيا وسوريا والعراق وإيران.

وحاليًا، تبدو التطلعات ومشاعر القومية الكردية في تنامٍ مستمر، ومن المحتمل أن تؤثر بشكل ملحوظ في تطور هذه الدول في المستقبل.

وعليه، يتعين على صانعي السياسات الدولية توجيه المزيد من الاهتمام إلى دور الأكراد المهم ودراسة السبيل الأمثل للتعامل مع هذه العناصر غير التابعة لدول بعينها وكذلك مع الدول الأربع التي تتركز بها.

تحول الموقف الكردي

في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية تلاشى الدعم الدولي للأكراد الذين تكبدوا ثمنًا فادحًا لكونهم غير معروفين نسبيًا داخل الأوساط الدبلوماسية الغربية، وعلى خلاف الحال مع الصهاينة في البداية، ثم الفلسطينيين من بعدهم، لم يجد الأكراد بين صانعي السياسات الغربية من يناصر قضيتهم.

وتفاقمت المشكلة بسبب انقسام الصف الكردي، فخلال عشرينيات القرن الماضي، عندما كان يجري خلق الحدود الحديثة للدول الأربع، أخفق الأكراد في تحقيق الوحدة الوطنية داخل صفوفهم مثلما فعل "مصطفى كمال أتاتورك" في تركيا أو "رضا بهلوي" في إيران، وافتقر الأكراد إلى الرؤية الوطنية أو القوة العسكرية أو الزعماء القادرين على التصدي لتعزيز أجندات وطنية على حسابهم (خاصة الأتراك) أو مخططات لقوى استعمارية (خاصة بريطانيا).

لقد جاءت مشاركة الأكراد في لعبة القوميات الحديثة متأخرة، ووجدت القوى العظمى من السهل الحنث بوعودها السابقة بالسماح بقيام دولة كردية مستقلة.

في عام 1920 حاول المفاوضون الأكراد طرح رؤيتهم لكردستان والتي تألفت من هلال ضخم يمتد من ساحل البحر المتوسط حتى الخليج الفارسي، ورغم تحطم هذا الحلم على صخرة الواقع، فإنه ما زال يحيا في قلوب وعقول القوميين الأكراد، وفي الواقع، تم تقسيم كردستان.

وفي حقبة ما بعد عام 1918 جرى خلق حدود جديدة داخل الشرق الأوسط تم في إطارها ترسيم الحدود الحديثة لسوريا والعراق وتركيا، وبذلك تم وضع الأكراد جغرافيًا وسياسيًا على هوامش دول هيمنت عليها الخطابات العربية والتركية والفارسية.

ويمكن القول إنه خلال عشرينيات القرن الماضي لم تتوافق المصالح الكردية مع تلك الخاصة بالقوى العظمى، وعجز الأكراد عن مضاهاة المشروعات القومية المنظمة التي عمد جيرانهم على الترويج لها، بيد أن التطورات التي شهدتها المنطقة في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين أثارت الشكوك حول مدى إمكانية استمرار حدود ما بعد عام 1918، خاصة أن الأحداث الأخيرة كشفت عن مشاعر قومية كردية تنامت رغم هذه الحدود وتجلت في التطلعات الكردية نحو تحقيق الحكم الذاتي بالعراق، وتصاعد المعارضة الكردية من جديد لسياسات الدولة التركية، وحملة الإجراءات الصارمة التي تشنها الحكومة السورية ضد الأكراد لديها، وقمع المشاعر القومية الكردية داخل إيران.

ويكمن الاختلاف الأكبر بين وضع الأكراد حاليًا ووضعهم فيما مضى أنه للمرة الأولى في تاريخهم تتماشى مصالحهم مع مخططات أبرز أعضاء المجتمع الدولي؛ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

بالنسبة لتركيا، غالبًا ما يحتل الأكراد مكانة محورية في إطار مطالب الاتحاد الأوروبي الموجهة لأنقرة للسماح لها بنيل عضويته، وتتركز المطالب حول الحقوق الأساسية والعدالة والتمثيل السياسي والأمن والتعليم والثقافة، ومن أجل أن تتمكن أنقرة من الانضمام إلى الاتحاد، يتعين أن تتحسن معاملتها للأكراد بصورة راديكالية، وبالفعل نفذت تركيا بعض الإصلاحات في هذا الاتجاه.

وقد خلف التقاء المصالح الكردية والأمريكية داخل العراق تداعيات أكبر، حيث تسيطر الحكومة الإقليمية لكردستان حاليًا على أكثر مناطق العراق استقرارًا ورخاءً وباتت تضفي مستوى غير مسبوق من الشرعية على القادة الأكراد الذين أصبحوا الآن قادرين على التأثير في مستقبل العراق، إن لم يكن تحديد ملامحه.

ويتولى رئاسة العراق الآن "جلال طلباني" رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ومما زاد أهمية الأكراد تكوينهم تحالفات قوية مع الأحزاب الشيعية الرئيسية، بما في ذلك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، إضافة إلى قدرتهم على التعاون مع شخصيات ترتبط بالنظام القديم وزعماء القبائل السنية. وإلى جانب ذلك تعتمد بعض أكثر قطاعات المؤسستين العسكرية والأمنية العراقيتين كفاءة على قوات البشمرجة الكردية، ما يؤكد أن أقوى قوة عسكرية تعمل داخل العراق الآن -بخلاف القوات الأمريكية- لا تحمل طابعًا وطنيًا عراقيًا ولا شيعيًا ولا قبليًا، وإنما تنتمي للأكراد.

والآن يتمتع الأكراد في العراق بفرصة غير مسبوقة لتقرير مستقبلهم؛ ولذلك يتعين على صانعي السياسات الغربية دراسة الدور الكردي في تركيا والعراق، وكيف يتفاعل الأكراد في سوريا وإيران مع حكوماتهم وكيف ينظرون إلى إخوانهم عبر الحدود.

جدير بالذكر أنه في الوقت الراهن، ليس بين السياسيين الأكراد (باستثناء بعض قادة مجموعات الشتات ممن لا حول لهم ولا قوة) من يدعو لإقامة دولة كردية مستقلة على حساب العراق أو تركيا أو إيران أو سوريا، وإنما يركز السياسيون الأكراد حاليًا من مختلف أنحاء كردستان على القيام بما كانوا يفعلونه على مدار القرن الماضي، ألا وهو السعي نحو تحقيق أهداف سياسية داخل أطر الدول التي يقيمون بها.

وفي واقع الأمر، التغيير الأكبر لم يكن في المطالب السياسية الكردية، وإنما في أسلوب نظر الأكراد إلى أنفسهم على الصعيد العام، ما يخلف تداعيات ملموسة بوضوح على الصعيد السياسي.

ولم يكن هذا التحول نتاجًا لإستراتيجيات سرية وضعها قادة انفصاليون، وإنما من خلال إقامة واستمرار كيان سياسي كردي مستقل ذاتيًا في العراق، والعولمة وتأثيراتها المحلية على التوجهات القومية الكردية، وعجز الدول القائمة عن استيعاب هذا التصاعد في المشاعر القومية.

وأسفرت مشاعر الريبة الكامنة لدى بعض النخب السياسية التركية اليمينية تجاه أي صورة لكيان "كردي" -يقوم داخل تركيا أو بالقرب منها- عن تأجيج مشاعر القومية الكردية في تركيا والعراق وسوريا وإيران.

وبالنسبة للدولة التركية، جاء قيام حكومة كردية تتمتع بالاستقلال الذاتي في أربيل بمثابة إنذار وأيضًا عامل محفّز لصعود مشاعر القومية الكردية.

تأزم الموقف بالمناطق الجبلية

في خريف 2007 أسفرت موجة من الهجمات في تركيا عن سقوط قرابة 40 قتيلا، وألقت الحكومة التركية اللوم على عاتق حزب العمال الكردستاني الذي يشن حملة مسلحة ضد الدولة التركية منذ عام 1984.

أعقب ذلك نشر قوة تركية ضخمة على امتداد الحدود مع العراق بحجة أن الهجمات تم تنفيذها على يد وحدات تابعة لحزب العمال الكردستاني تعمل من داخل العراق، وفي أكتوبر أعلن البرلمان التركي أنه يحتفظ لنفسه بحق اتخاذ عمل ضد حزب العمال الكردستاني داخل العراق إذا اختارت الحكومة العراقية أو الحكومة الإقليمية بكردستان عدم التحرك ضد الحزب أو عجزتا عن ذلك.

بصورة عامة، يبدو أن الهجمات التي تعرضت لها تركيا تركت تأثيرًا ضئيلا على مشاعر الأكراد داخل التجمعات السكانية بجنوب شرق الأناضول، ويمكن القول إنه في الوقت الذي يتعاطف فيه بعض الأكراد مع حزب العمال الكردستاني، أخذت مشاعر الكثيرين منهم في التحول عن المنظمة والنظر إلى إمكانية أن يصبحوا مواطنين أتراكا داخل الاتحاد الأوروبي باعتباره خيارا أكثر جاذبية عن أن يصبحوا مواطنين أكرادا مستقلين.

وربما يفسر ذلك إلى حد ما الشعبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية بين الأكراد أثناء انتخابات يوليو 2007، وواقعيا فمن غير المؤكد أن هجمات الخريف تم تنفيذها من قبل وحدات تابعة لحزب العمال الكردستاني تنطلق من العراق.

يذكر أن الحركة داخل المنطقة الجبلية الحدودية بين تركيا والعراق صعبة، وإذا كان ادعاء حزب العمال الكردستاني بأن لديه عددا من الجماعات التي تمارس حرب عصابات داخل تركيا أكثر منها بالعراق صحيحًا، فإن المشاكل التي تواجهها الدولة التركية ربما تكون لديها في الداخل، كما ادعى الحزب أن أيّا من وحداته لم يتورط بالهجمات، متهمًا المؤسسة العسكرية التركية بتدبيرها كذريعة للتحرك ضد الأكراد العراقيين.

في أواخر عام 2007 حاولت أنقرة تحريض الأكراد ضد بعضهم البعض، على أمل أن تتحرك قوات البشمرجة الكردية العراقية لمواجهة حزب العمال الكردستاني، إلا أن كلا من "جلال طالباني" و"مسعود برزاني" زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني يدرك المخاطر العسكرية الكامنة وراء محاولة التعامل مع حزب العمال الكردستاني، خاصة في ضوء الخسائر التي تكبداها جراء الدخول في مواجهات مع الحزب في التسعينيات، كما امتنع الزعيمان الكرديان عن التحرك ضد الحزب لما يتمتعان به حاليًا من زعامة رمزية على الأقل على الحركة القومية الكردستانية بمختلف أنحاء المنطقة، وعليه يبدو من الصعب الآن (وإن كان من غير المستحيل) أن يقدما على القيام بعمل عسكري ضد إخوانهم الأكراد.

إضافة إلى ذلك، فإنه رغم خلافاتهما وتاريخ علاقاتهما المضطرب فلا يخشى القادة الأكراد العراقيون حزب العمال الكردستاني، وإنما ينصب خوفهم الأكبر من الإسلاميين الراديكاليين.

يذكر أن بعض المجموعات التابعة لـ"أنصار الإسلام" و"أنصار السنة" -وهما من بين الجماعات المتورطة بالتمرد السني في العراق- تكونت داخل المناطق الجبلية بكردستان، إلا أن هذه المنظمات لم تعد متواجدة بأي صورة ملموسة في كردستان ومن المستحيل تشاركها بالمناطق الجبلية مع حزب العمال الكردستاني العلماني اليساري.

ويخشى "طالباني" و"برزاني" من أن يسفر طرد عناصر حزب العمال الكردستاني من الجبال إلى تمكين الإسلاميين الراديكاليين من بناء معقل قوي لهم بجبال كردستان وخلق "تورا بورا" كردية.

بيد أن التساؤل الذي يفرض نفسه الآن هو:

إذا كانت أنقرة تدرك أنه من المتعذر واقعيًا إنزال الهزيمة بحزب العمال الكردستاني، وأنه ليست هناك حاجة لأن تسعى وراء هذا الهدف، ذلك أن الحزب لم يعد يشكل أي تهديد أمني حقيقي لها، وإذا كان "الحلفاء" من الأكراد العراقيين عاجزين عن هزيمة الحزب أو غير مستعدين له، وإذا كان شنها غزوًا للمناطق الكردية العراقية يعد مجرد استمرار لسياسة أثبتت عدم جدواها، فلماذا تتبع إذن هذا النهج؟

تحتوي الإجابة على ثلاثة عناصر:

أولا: استمرار تردي العلاقات التركية-الأمريكية، حيث توترت العلاقات بين الجانبين جراء رفض تركيا دعم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003،

وازداد التوتر بتمرير لجنة الشئون الخارجية التابعة لمجلس النواب قرارًا في 10 أكتوبر 2007 يندد بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية بحق الأرمن.

ثانيًا: صعود حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية وانتخاب "عبد الله جول" رئيسًا للبلاد.

ثالثًا: نجاح الحكومة الإقليمية بكردستان، ما يشكل أحد الأسباب وراء رغبة المؤسسة العسكرية التركية في غزو العراق.

تعزيز وضع إقليم كردستان العراقي

قطعت الحكومة الإقليمية بكردستان شوطًا طويلا منذ إقامتها أثناء مطلع التسعينيات، وهي فترة اتسمت بالفوضى، تم تشكيل الحكومة لتحل محل الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات العراقية والبيروقراطيين العراقيين من المحافظات الشمالية العراقية الثلاث عام 1991، وتمكنت من الصمود أمام الانتخابات والحروب الأهلية وأعمال القتال بالوكالة وعمليات التدخل والغزو والهجمات الإرهابية.. الأهم من ذلك أن هذه الحكومة حققت ما ظنه الكثيرون مستحيلا، ألا وهو البقاء في بيئة لم يكن من مصلحة أي من القوى الإقليمية بها السماح بوجودها.

شكلت الإطاحة بالنظام العراقي البعثي عام 2003 بداية حقبة جديدة من الرخاء للأكراد، رغم ما صاحبها من تنامي المخاوف السياسية، ففي الوقت الذي سقطت باقي أجزاء العراق في هوة الصراع، تمتع إقليم كردستان باستقرار نسبي، بدءا من عام 2005 بدأت الاستثمارات الأجنبية في الظهور بالإقليم، ونجحت الشركات التركية والإيرانية والعربية في تحويل الوجه الاقتصادي للمدن الكردية الكبرى، وجاءت آخر خطوات تعزيز أوضاع الإقليم في 7 مايو 2006 عندما اتفق كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أخيرًا بعد شهور من التفاوض على إعادة توحيد الحكومة الإقليمية بكردستان تحت قيادة رئيس الوزراء "نتشرفان برزاني" (ابن أخ مسعود برزاني).

منذ ذلك الحين، تم تغيير قانون الاستثمار في كردستان ليسمح بملكية أجنبية مائة بالمائة للشركات العاملة داخل إقليم كردستان، ما شجع على تدفق الاستثمارات على الإقليم، وشرعت الحكومة الإقليمية بكردستان في مبادرة علاقات عامة لتظهر للعراق والشرق الأوسط والولايات المتحدة أنها لا توجد فحسب، وإنما تشكل كيانًا قويًا نشط اقتصاديًا لا يمكن تجاهله، وصاحب هذا التقدم السياسي والاقتصادي تطور اجتماعي واقتصادي، حيث أصبح يهيمن على الخطاب العام في كردستان مفاهيم مثل القومية الكردية وحق جميع الأكراد الأخلاقي في إقامة دولة خاصة بهم.

ومع ذلك، ما تزال هناك مشكلات قائمة، ذلك أنه من غير المؤكد إلى متى سيستمر الاتحاد بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين، بينما تواجه الحكومة الإقليمية بكردستان سيلا من الاتهامات بالفساد، علاوة على اتهامها باتباع مواقف تفاوضية إزاء بغداد بخصوص قضايا -مثل مستقبل مدينة كركوك ووضع إقليم كردستان داخل الهيكل العراقي- تهدد الاستقرار السياسي للبلاد بأكملها، ولا شك أن هذه مشكلات خطيرة من الممكن أن تسفر عن اندلاع صراع بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين من ناحية، والعناصر العراقية الأخرى، وربما الجيران الإقليميين.

بالنسبة للمراقبين الخارجيين، تمثل قضية كركوك مؤشرًا على ما إذا كان الأكراد سيسعون نحو الانفصال، ومتى، ويسود الاعتقاد بأن احتياطيات النفط في كركوك ستمنح الأكراد الموارد المالية اللازمة للانفصال، بيد أن هذا الاعتقاد يعكس توجهًا مفرطًا في التبسيط إزاء تفهم وجهات النظر الكردية حيال كركوك والعوامل الجيوسياسية المرتبطة بنقل النفط.

في الواقع، تعد وجهة النظر الكردية إزاء كركوك باعتبارها جزءا من كردستان منفصلة عن مصير نفط المدينة، حيث لم تعترض الحكومة الإقليمية بكردستان على المادة الواردة بالدستور العراقي التي تنص على وضع حقول نفط كركوك تحت سلطة الحكومة العراقية.

وعند حساب الأمر من منظور منطقي نجد أن نفط كركوك لا يشكل قيمة كبيرة للأكراد مقارنة بما قد يحصلون عليه من عوائد النفط العراقية تتوافق مع نسبتهم بين السكان، علاوة على ذلك، فإن نفط المدينة يتمتع بأهمية فقط إذا كان من الممكن تصديره، ومن غير المحتمل أن تقبل تركيا أو عراق عربي التعاون تجاريًا مع حكومة كردية انفصالية.

وعليه، تبدو مسألة التوصل إلى اتفاق بين جميع الأطراف المعنية النتيجة الأكثر احتمالا، وبمقتضاه تنضم كركوك إلى إقليم كردستان، لكن عوائد نفط كركوك ستكون تحت سلطة الحكومة العراقية، ومن شأن مثل هذا الاتفاق تعزيز وضع إقليم كردستان بصورة أكبر.

أما حال الفشل في التوصل إلى اتفاق بشان كركوك، فسيتعزز وضع كردستان ككيان سياسي أيضًا لكن بصورة مختلفة، حيث ربما يتم ضم المدينة بالقوة مع تنامي التوجهات القومية الكردية.

وعليه، ترى الدول المجاورة أنه في حالة عدم شن هجوم عسكري كاسح من قبل اثنتين أو أكثر من الدول الإقليمية (وهو أمر غير محتمل) ستتنامى قوة إقليم كردستان داخل العراق خلال الشهور القادمة.

والمؤكد أن نجاح الحكومة الإقليمية الكردستانية في البقاء يؤثر بصورة بالغة على أسلوب نظر الأكراد داخل إيران وسوريا وتركيا إلى أنفسهم وعلاقاتهم مع الدول التي يقيمون بها.

الاضطرابات الكردية بسوريا

خلّفت التطورات التي شهدتها كل من العراق وتركيا تأثيرًا هائلا على الأكراد داخل سوريا الذين يعتبرون تاريخيًا أقل مجموعات الأكراد ميلا للثورة والتمرد، بيد أن ذلك لم يحد من حجم شعورهم بالسخط تجاه أوضاعهم، ومع استمرار تجاهل القضايا المثيرة لسخطهم مع تحقيق الأكراد لمكاسب بمناطق أخرى سيتفاقم سخط الأكراد السوريين.

ولم تتمكن سوريا حتى الآن من التكيف مع حقيقة وجود عدد كبير من الأكراد غير العرب داخل حدودها، ونظرًا لأيديولوجية القومية العربية التي تنتهجها الدولة البعثية السورية والشعور بعدم الأمن فيما يخص الهوية "العربية السورية" للبلاد، مارست الدولة التمييز ضد الأكراد على أساس العرق، في الوقت الذي تبدي تسامحًا أكبر إزاء الأقليات العرقية الأصغر، مثل الأرمنيين والآشوريين.

ويعتبر الأكراد السوريون مجهولين تقريبًا على الساحة الدولية مقارنة بجيرانهم، نظرًا لتضاؤل مستوى العنف في علاقتهم بالدولة السورية، ويرجع السبب الأكبر وراء ذلك إلى انخفاض أعدادهم وتشتتهم على مساحة جغرافية واسعة، علاوة على فاعلية القمع الذي مارسته الدولة.

وتتراوح التقديرات الخاصة بأعداد الأكراد داخل سوريا ما بين 1.75 ومليوني نسمة، أي ما يعادل قرابة 10% من السكان، ويتركزون بصورة رئيسية على امتداد الحدود مع العراق وتركيا، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة بدمشق.

وقد جرى ممارسة تمييز رسمي ضد الأكراد منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ووصل التمييز إلى ذروته خلال فترة ذروة القومية العربية في الخمسينيات والستينيات، واستمرت أسرة "الأسد" في قمع الأنشطة السياسية والثقافية الكردية؛ لذلك ينتمي الأكراد إلى أكثر فئات السوريين فقرًا. وقد تعرض التطور السياسي الكردي لمعوقات بسبب القمع الحكومي والانقسامات الداخلية، وما تزال الأحزاب الكردية غير قانونية.

وفشلت موجات الغضب التي اندلعت من حين لآخر ضد قمع الدولة ضد الأكراد في اجتذاب الاهتمام العالمي حتى اندلاع أعمال عنف وشغب في مارس 2004 خلفت وراءها حوالي 40 قتيلا و2000 محتجز بين الأكراد، وألهبت هذه الأحداث مشاعر الأكراد في سوريا وكراهيتهم تجاه الحكومة.

بصورة عامة، ما تزال الروابط التاريخية والعائلية والقبلية بين الأكراد السوريين وإخوانهم في تركيا والعراق متينة، وتأثر الأكراد السوريون بشدة بالحركات الكردية الأكثر شهرة.

يذكر أن اضطرابات مارس 2004 وقعت بعد فترة قصيرة من تأكيد السيطرة الكردية على إقليم كردستان في العراق في إطار القانون الإداري الانتقالي، ما شجع وألهم الأكراد داخل سوريا، ومن المعروف أن الأكراد السوريين شاركوا بالقتال في النضال الكردي العراقي وانضموا بأعداد كبيرة لصفوف حزب العمال الكردستاني بتركيا، وفي نوفمبر 2007 تظاهر الأكراد السوريون ضد التهديد التركي بغزو كردستان العراقية.

ومن بين العوامل الأخرى التي أثرت بالسلب على أوضاع الأكراد السوريين توجهات الأكراد بالدول المجاورة، حيث انتهجت دمشق سياسات تقوم على خدمة مصالحها الذاتية وتتسم أحيانًا بالتضارب إزاء الأكراد في المنطقة عامة، ما جعلها تدعم الحركات الكردية في تركيا والعراق أثناء فترات عدائها الممتدة مع كل من أنقرة وبغداد.

وقد استغل حزب العمال الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني بكردستان هذه الفرصة وأولوها اهتمامًا أكبر من اهتمامهم بمعاناة إخوانهم الأكراد السوريين.

في الواقع شكلت المصالح الذاتية -وليست القومية الكردية- دومًا المحرك الرئيسي وراء الأحزاب الكردية الكبرى، لدرجة أن حزب العمال الكردستاني عمد إلى تثبيط الحراك الكردي السوري وشكك في شرعية الحقوق الكردية داخل سوريا.

إلا أن التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية السورية مؤخرًا ربما تؤثر على العلاقات بين الكرديين، حيث من شأن التقارب السوري-التركي تخلي دمشق عن دعم حزب العمال الكردستاني، بينما أصاب الفتور العلاقات بين سوريا والأكراد العراقيين بسبب معارضة الأولى مكاسب الحكومة الإقليمية بكردستان، ورغم أنه من غير المؤكد بعد ما إذا كان الأكراد الأتراك والعراقيون سيدعمون الأكراد في سوريا، فإن هذا التحول الأخير يزيل إحدى العقبات في طريق هذا الدعم.

الأكراد في إيران

يمثل الأكراد ما بين 10% و15% من سكان إيران، وشكلوا تحديًا مستمرًا للدولة الإيرانية، وعملت إقامة جمهورية كردية مستقلة لفترة وجيزة في مهاباد عام 1946 كمصدر إلهام للقوميين الأكراد، ورغم إنزال طهران الهزيمة بهذه الجمهورية فإن المحرك الرئيسي وراءها الحزب الديمقراطي الكردستاني (وهو يختلف عن الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق) تمكن من إعادة بناء نفسه، وفي أواخر السبعينيات أسفر انهيار شعبية الشاه عن تحول الحزب إلى العامل السياسي الرئيسي داخل كردستان الإيرانية.

وبعد شهور قليلة من اندلاع الثورة الإسلامية، تحطمت الآمال في أن تؤدي الإطاحة بالشاه إلى مساعدة موقف الأكراد الإيرانيين جراء اندلاع صراع مسلح بين الحزب الديمقراطي الكردستاني ومنظمة "كومالا" الكردية في إيران، والدولة الإيرانية، وأجبر الغزو العسكري الإيراني للمناطق الكردية المسلحين الأكراد على الفرار إلى العراق.

بحلول أواخر السبعينيات كان أكبر حزبين كرديين إيرانيين يتخذان من العراق مقرًا لهما ويقاتلان بعضهما البعض، وبالتالي خسرا مكانتهما داخل كردستان الإيرانية.

عام 1988 انشقت مجموعة عن قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بإيران وشكلت قيادة ثورية جديدة، وبالمثل عانت منظمة "كومالا" من انشقاق كبير في صفوفها في أواخر الثمانينيات، وهاجر عدد كبير من النشطاء الأكراد الإيرانيين إلى أوروبا.

إلا أن قيام الحكومة الإقليمية بكردستان العراقية عام 1991 نجم عنه حدوث تغير في وضع الأكراد الإيرانيين المقيمين بكردستان العراقية، حيث باتت العلاقة بين الحكومة الإقليمية وإيران لا تسمح بشن الأكراد الإيرانيين نضالا مسلحًا ضد إيران، ومنعت السلطات الكردية العراقية الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني و"كومالا" من العمل العسكري ضد إيران.

خلال فترة الحكم الإصلاحي للرئيس "محمد خاتمي" بين عامي 1996 و2005 شهد المناخ السياسي والثقافي الإيراني بعض الانفتاح، استغله الأكراد الإيرانيون من خلال الشروع في كم غير مسبوق من الأنشطة الثقافية، واستقوا إلهامهم في ذلك من إنجازات الأكراد العراقيين وصعود نشاطات حزب العمال الكردستاني، لكن جاء انتخاب "محمود أحمدي نجاد" رئيسًا للبلاد ليمثل بداية حقبة عسيرة جديدة أمام القوميين من الأكراد الإيرانيين.

عندما وضعت الولايات المتحدة إيران في "محور الشر" وغزت العراق عام 2003 تصاعدت آمال الأحزاب الكردية الإيرانية في أن تتم الإطاحة بالحكومة الإيرانية أيضًا، إلا أن المشكلات الهائلة التي قابلتها واشنطن داخل العراق قضت على تلك الآمال، ورغم لقاء قادة من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ومنظمة "كومالا" بمسئولين أمريكيين في واشنطن في مايو 2006 فإنهم لم يتلقوا تشجيعًا رسميًا على أن يتوقعوا دعمًا أمريكيًا للأكراد الإيرانيين.

كان من شأن المدة الطويلة التي قضتها الأحزاب الكردية الإيرانية في المنفى والعلاقات الودية بين الحكومة الإقليمية بكردستان العراقية وطهران خلق توتر وضغوط على الأحزاب الكردية، كما عانت الأحزاب الكردية الإيرانية من الانقسام، وتعرض كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني و"كومالا" لانشقاقات كبرى بصفوفهما منذ مطلع عام 2007.

بيد أنه رغم كل المصاعب التي تواجه الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية، لم يعد بمقدور طهران تجاهلهم، علاوة على ذلك تنامى الوعي السياسي والقومي بين الأكراد الإيرانيين بصورة كبيرة نتيجة قيام حكومة إقليمية بكردستان العراقية والتي باتت تمثل نموذجا سياسيا ملهما، بل قاعدة عمليات محورية للنشاطات الكردية.

خاتمة

للمرة الأولى في تاريخهم بات لدى بعض الأكراد القدرة على صياغة مستقبلهم السياسي، وقد ساعدت قوى العولمة وتأثيراتها على الأصعدة السياسية المحلية في خلق شعور موحد بدرجة أكبر بالقومية الكردية وجذب انتباه الأكراد في دولة ما إلى نشاطات إخوانهم في دولة أخرى.

ومنذ عام 1991 تمثل مصدر الإلهام الأكبر للأكراد في استمرار وجود حكومة إقليمية بكردستان العراقية، وبغض النظر عن التطورات التي ستشهدها المنطقة على المديين القصير والمتوسط، أصبح بعض الأكراد الآن قادرين على التأثير في النتائج بصورة لم تتح لهم من قبل، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة تقييم الوضع الكردي في ظل الديناميكيات السياسية الجديدة في تركيا وسوريا وإيران والعراق.


هاشم أحمد زاده: محاضر في الدراسات الكردية بجامعة إكستر.
روبرت لوي: مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط بالمعهد الملكي للشئون الدولية (تشاثام هاوس).
جارث ستانسفيلد: أستاذ سياسات الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية.

*موجز لدراسة نشرت على موقع المعهد الملكي للشئون الدولية "تشاثام هاوس" البريطاني، تحت عنوان: "الدوافع الكامنة وراء السياسات الكردية"، ديسمبر 2007.

 

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات