English

 

الأربعاء. فبراير. 20, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » شؤون إسلامية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

التعامل مع الثوابت الأمريكية.. كوسوفا نموذجا

نبيل شبيب

تأييد الكونجرس لبوش قبل احتلال العراق
تأييد الكونجرس لبوش قبل احتلال العراق
هل يمكن رصد تبدّل ما أو احتمالات تبدّل في السياسات الأمريكية تجاه البلدان الإسلامية والتيار الإسلامي فيها؟.. هل شهدت تلك السياسات خلال سنوات الحروب الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تقلّبًا فعليًّا بين استعداد للتعامل مع الحركات الإسلامية تحت عنوان ديمقراطي وتراجع هذا الاستعداد؟.. كيف يمكن الجمع بين دعم واشنطن استقلال كوسوفا مثلاً، وهي التي تعامل معها المسلمون وتعاملت الحركات الإسلامية معها باعتبارها قضية إسلامية في أوروبا، وبين الحصار الإجرامي المفروض على الفلسطينيين منذ وصول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية، ثم على قطاع غزة بعد تقلّص سلطة أوسلو على بقايا من الضفة الغربية؟.. وما الذي يمكن توقعه من السياسات الأمريكية تجاه البلدان الإسلامية والتيار الإسلامي والقضايا الإسلامية بعد رحيل بوش الابن ووصول سواه، حتى في حالة وصول أوباما إلى السلطة مثلاً والذي يعتبر أكثر المرشحين رفضًا لسياسات بوش الابن الخارجية وأسلوبه في الحكم؟..

تابع في هذا الموضوع:

كوسوفا.. مثال نموذجي

ربما لا نبالغ في القول إن نسبة متابعة تقارير مؤسسة راند للبحوث الأمريكية، حول التعامل مع الإسلام والمسلمين والتيار الإسلامي، تتجاوز نسبة متابعتها على صعيد الناخبين الأمريكيين. بل قد يكون الاعتقاد المنتشر في الأوساط الإسلامية بصدد أن هذه التقارير وأمثالها من معاهد البحوث والدراسات تصنع القرار السياسي الأمريكي، اعتقادًا أكبر من اعتقاد الأمريكيين أنفسهم بذلك. وسيّان ما هي تفاصيل الصورة الصحيحة على هذا الصعيد، يمكن أن ننظر في الخطّ البياني لتوجهات السياسة الأمريكية على صعيد التعامل مع القضايا الإسلامية انطلاقًا من واقع الشواهد العملية على الأرض، ونأخذ منطقة البلقان مثالاً على ذلك؛ نظرًا إلى أنها فرضت نفسها على خريطة الأحداث مؤخرًا، لا سيما من خلال استقلال كوسوفا، كما أن شيئًا من التفصيل حول حقيقة السياسة الأمريكية فيها يغني عن التفصيل في أمثلة أخرى.

الإسلام في البلقان هو إسلام النسبة الأكبر من سكان البوسنة والهرسك، وألبانيا، ومناطق تسكنها غالبية مسلمة، لا سيما من الألبان، في بلدان أخرى، مثل مقدونيا، وهذا ما يسري على كوسوفا تخصيصًا، وقد وجدت اهتمامًا أكبر في المكتبة الإسلامية منذ احتلالها الصربي عام 1918م واقتطاعها من بلد ألبانيا الأم، ثم ما شهدته من قمع دموي لثوراتها في العقود التالية حتى نهاية القرن العشرين الميلادي.

ويمكن تحديد معالم الخط البياني للسياسة الأمريكية تجاه كوسوفا في أربع مراحل:

المرحلة الأولى: بين عامي 1989 و1993م، وكانت مرحلة موقف سلبي مطلق تجاه الحملة العسكرية الصربية التي لم تنقطع طوال تلك الأعوام الأربعة، وكانت قد انطلقت دون سابق إنذار ورُبطت بمرور 600 عام على انتصار حققه العثمانيون على أرض كوسوفا عام 1389م، وفتح لهم أبواب البلقان. وكان الصمت الأمريكي ملفتًا للنظر باعتبار الحملة على كوسوفا أصبحت السبب الأول لمخاوف الشعوب الأخرى في يوغوسلافيا سابقًا، وأصبحت بالتالي بداية حروب ميلوسوفيتش الدموية في البلقان خلال التسعينيات من القرن الميلادي العشرين. كما يلفت النظر صمت واشنطن في تلك الفترة، مقابل الموقف الأوروبي الذي أدرج قضية كوسوفا ومستقبلها في جميع المؤتمرات الأوروبية حول أوضاع البلقان، قبل أن يبدأ التدخل الأمريكي سياسيًّا وعسكريًّا عبر حلف شمال الأطلسي.

المرحلة الثانية: بين عامي 1994 و1998م، في تلك المرحلة برزت القوة الرئيسية للمقاومة الألبانية في كوسوفا ضدّ الغزو الصربي، وكانت قوّة جيش تحرير كوسوفا الذي رفع شعارات إسلامية، واستقطب التأييد الإسلامي، بعد أن بلغ هذا التأييد مداه في الحرب على البوسنة والهرسك المجاورة. في تلك الفترة كان "إقصاء قضية كوسوفا" أمريكيًّا عن جدول أعمال فرض الحل الأطلسي والغربي لإنهاء حرب البوسنة والهرسك، في لحظة تطوّرها ميدانيًّا في غير صالح الكروات والصرب. وانعقدت آنذاك اتفاقية دايتون فألغي بند قضية كوسوفا في جدول أعمال المفاوضات حولها، برغم أنها تناولت قضايا عديدة في البلقان -مثل مقدونيا- إلى جانب مستقبل البوسنة والهرسك، وهي المعاهدة التي جزّأت البوسنة والهرسك واقعيًّا وجعلت أسلوب الحكم فيها قيدًا على أي احتمال لترسيخ الاتجاه الإسلامي الذي مثّله عزت بيجوفيتش رحمه الله.

المرحلة الثالثة: بين عامي 1998 و1999م، وهي مرحلة الحرب الأطلسية التي بدأت بعد أن هجّرت القوات الصربية نصف سكان كوسوفا، فأجبرتها الحرب الأطلسية على الانسحاب دون أن "تقضي عليها"، ولكن قضت على العمود الفقري لقوّة جيش تحرير كوسوفا وعلى التوجّه الإسلامي عند بقايا قياداته. وانتهت هذه المرحلة بقرار دولي في مجموعة الثمانية أنهى الحرب، وتضمّن بمشاركة أمريكية تأكيد تبعية كوسوفا لصربيا، واعتبار الحكم الذاتي هو الهدف السياسي للمرحلة المقبلة، وإسقاط هدف التحرير الذي كان جيش تحرير كوسوفا يعمل من أجله.

المرحلة الرابعة: بين عامي 1999 و2008م، وهي مرحلة عشرة أعوام تحت الوصاية الأطلسية - الدولية، وهي مرحلة الجهود المتواصلة الهادئة لتثبيت تيار علماني في كوسوفا، وإقصاء المعالم الأساسية لأي توجه إسلامي، بما في ذلك برامج التربية والتعليم ووسائل الإعلام، وحتى حظر ظهور الحجاب في المؤسسات الرسمية وفي الجامعات، وهذه المرحلة هي التي انتهت باستقلال كوسوفا يوم 17/2/2008م المشروط ببرنامج يشرف عليه الاتحاد الأوروبي لتكوين أجهزة الدولة، القضائية والأمنية والإدارية السياسية، بالإضافة إلى المناهج العلمانية في مختلف مرافق الحياة.

يضاف إلى هذه المراحل الأربع ما يمكن استخلاصه بصورة مشابهة من التأمّل في التعامل مع قضية البوسنة والهرسك، وكذلك في التعامل مع قضية مقدونيا واستقلالها ووصول القوات الأمريكية إليها قبل سواها من الدول الناشئة عن تفكك الاتحاد اليوغوسلافي، وكذلك في التعامل مع قضية ألبانيا آخر الدول التي وجدت اهتمامًا غربيًّا مركّزًا -بما في ذلك التنصير و"القيم" العلمانية- من بين الدول التي حكمتها الشيوعية إلى نهاية الحرب الباردة. وجميع ذلك يوصل إلى نتيجة رئيسية حاسمة بصدد نوعية السياسة الأمريكية في البلقان:

لم يكن لقيام دولتي سلوفينيا وكرواتيا مشكلة بمنظور الوجود الإسلامي شعبيًّا وسياسيًّا في البلقان، ولم يكن استقلال مقدونيا مشكلة بهذا المنظور فقد كانت السيطرة فيها للتيار العلماني من قبل الأحداث الدامية في عهد ميلوسوفيتش، أما في البلدان التي كان للتيار الإسلامي فيها وجود يمكن أن يوصل إلى قيام دول إسلامية أوروبية على وجه الاحتمال، ويمكن أن يشكل تدريجيًّا تكتلاً إسلاميًّا قويًّا بمعطيات اقتصادية وتقنية عالية، كان لا بد بالمنظور الأمريكي من التعامل مع الأحداث تعاملاً يفضي إلى النتيجة الأخيرة المشهودة حاليًّا، بدءًا بإعطاء الآلة الحربية الصربية مداها لتصنع المقدّمات الدموية لعملية إنقاذ أطلسية - أمريكية، انتهاء بالجهود السياسية وغير السياسية للقضاء على بذور وجود إسلامي سياسي وشعبي (في ألبانيا أيضًا) وتأمين قيام دول مقيّدة، إما علمانية صرفة، أو مرتبطة بقيود أوروبية ودولية، تمنع التوجهات الإسلامية المحتملة.

الجدير بالذكر هنا أن التركيز على "العنصر الإسلامي" وتأثيره على السياسة الأمريكية، لا يعني غياب وجود عناصر أخرى ليست هي موضوع الحديث هنا، مثل سعي واشنطن لتثبيت أقدامها في خاصرة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المنطقة المجاورة للاتحاد الروسي شرق البلقان، وكذلك سعي روسيا أن تستفيد من ثغرة البلقان في تأثيرها على السياسات الأوروبية، فضلاً عن السعي الأوروبي للحيلولة دون أن تكون البلقان منطلقًا لصراعات جديدة، كتلك التي أدّت إلى حربين عالميتين. وتوجد عناصر عديدة أخرى تتكامل من حيث حصيلتها مع الحديث هنا عن موقع العنصر الإسلامي في رسم معالم السياسة الأمريكية. والحصيلة هي:

لم يكن التدخل الأمريكي ومن ورائه الأطلسي والأوروبي، دعمًا لحق تقرير المصير في كوسوفا وسواها في البلقان، بالمعنى المجرد لهذا المبدأ وفق القانون الدولي، بل كان لتقييد حق تقرير المصير بقيود تحول دون احتمال أن يوصل لظهور تيار إسلامي سياسي، يحكم أو يشارك في الحكم، في ظل نظام ديمقراطي، أو في ظلّ أي نظام آخر.

ثبات في الجوهر.. وتبدّل في المظهر

في مثال البلقان يظهر للعيان مدى خطأ التركيز على حقبة بوش الابن والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، كما لو كانت هي "مصدر" العداء تجاه الإسلام عمومًا والتيار الإسلامي السياسي تخصيصًا. فالواقع هو أن الأدوات تبدّلت وبلغت درجة غير مسبوقة في توظيف قوة البطش حربًا بلا هوادة، وخرقًا لمختلف القوانين الدولية والإنسانية، أما أصل العداء فكان قائمًا قبل تلك الحقبة، ويمكن أن يستمر بعدها.

وإذا عدنا إلى "التقلّب" الذي شهدته تقارير مؤسسة "راند" وأمثالها في تلك الفترة بشأن التعامل الأمريكي مع الإسلام والتيار الإسلامي، نجد أن القاسم المشترك بينها برغم تبدّل "الأدوات والأساليب" التي توصي بها، هو ما يمكن إعطاؤه عنوان "العلمنة والهيمنة"، بدءًا باستخدام وجود التيار الإسلامي وقوته ورقة لتهديد أنظمة الحكم في البلدان الإسلامية في أثناء العمل على تعبئتها فيما سُمّي الحرب ضد الإرهاب، مرورًا بالشروط المطروحة على الحركات الإسلامية التي كانت تعني أن تقبل بحكم ديمقراطي علماني وأن تتحوّل إلى أحزاب علمانية الجوهر إسلامية العنوان، انتهاء بالتخلّي عن هذه الفكرة "العقيمة" والعودة إلى دعم العلمانية، تحت عنوان ما سُمّي "أحزاب إسلامية علمانية" أو ما وصف بالمسلمين العلمانيين المهمَلين، أو الاعتماد على دعم مَن يوصفون بالليبراليين الجدد مع قابلية إعطاء مسحة إسلامية مخادعة لهم. والحصيلة واحدة، فليس المطلوب التعامل مع تيار شعبي وسياسي كما هو، ولكن المطلوب صناعته صناعة مغايرة ليمكن التعامل معه بعد ذلك، وفق الثوابت الأمريكية، أي إذا قبل بالتخلي عن الهوية التي تميّزه عن سواه، فتحوّل إلى شيء آخر، ليس له من وصف الإسلامي سوى التسمية.

هذا بالذات ما تمّت ممارسته في البلقان، وكانت إمكانية ممارسته في ظل سيطرة القوة الأطلسية أقرب إلى تحقيق النتائج المطلوبة من الوضع في أفغانستان مثلاً، وهنا يبرز مفعول الانسياح الأطلسي شرقًا، مع مفعول تعديل مهامه لمواجهة "خطر إسلامي"، على صناعة القرار في الدوائر الغربية وتمريره على صعيد الرأي العام.

والجدير بالانتباه هنا، أن المراحل الثلاث الأولى في المثال المذكور عن كوسوفا، كانت قبل وصول بوش الابن وفريقه إلى السلطة أصلاً، ولم تكن سياسته خلال المرحلة الرابعة إلا متابعة لما سبق القيام به أمريكيًّا وأوروبيًَّا، ولا ينبغي توقع تبدّل جذري على هذا الصعيد، بعد رحيل بوش الابن، ومجيء سواه، سواء كان اسمه أوباما أو ماكين أو سوى ذلك.

ثوابت أكبر من الرئاسة

السياسة الأمريكية هي التي تتبنّى النهج المذكور لتحجيم التيار الإسلامي وعلمنته، في إطار مسيرة "الهيمنة العالمية وصراعات النفوذ"، وليست هذه السياسة مرتبطة بتوجّه حزب دون حزب أو رئيس دون آخر في واشنطن، بل بمراكز صنع القرار من وراء البنية الهيكلية للسلطة التنفيذية.

عند التأمل في المعركة الانتخابية الأمريكية خلال عام 2008م كمثال، يلفت النظر عدد من الأمور الجوهرية:

1- برغم أن قضية التعامل مع الإسلام والمسلمين تفرض نفسها عالميًّا؛ نظرًا إلى التعامل مع الحروب التي أشعلتها واشنطن في عهد بوش، وإلى ظهور حجم شعبية التوجّه الإسلامي بصورة غير مسبوقة من قلب فلسطين حتى باكستان، ومن قلب سوريا حتى الصومال.. برغم ذلك لم يجد هذا الموضوع أي موضع للاهتمام من بين مواضع الخلاف الرئيسية بين المتنافسين على منصب الرئاسة من الحزبين الكبيرين.

2- برغم كلّ الجهود التي بذلها الناشطون من المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؛ لتعزيز مكانتهم في المجتمع الأمريكي، ولفت الأنظار إلى التمييز ضد المسلمين فيه، وتنشيط الاستعداد لديهم ليكون لهم تأثير ما على السياسيين عبر صناديق الانتخاب، وبرغم ارتفاع نسبة عدد الناخبين المسلمين، فإن جميع المرشّحين الأمريكيين يتجنّبون التعرّض لقضاياهم ووجودهم أصلاً، ولا يكادون يطرحون ما يستحقّ الذكر بشأن تبديل سياسة التمييز التقنيني الجارية، بل تصاعدت هذه السياسة مضمونًا وانتشارًا في عام معركة الانتخابات، وعن طريق الأقلية والغالبية المتبدّلة في "الكونجرس" الأمريكي.

3- عندما أراد خصوم أوباما النيل منه لدى الناخب الأمريكي الأكثر تأثرًا بمفعول الإعلام في بلده من أي ناخب في العالم، كان المدخل الأهم للطعن فيه هو الطعن في ولائه للمسيحية وارتباطه بالإسلام باعتبار أن أباه كان مسلمًا، برغم وفاته وهو في الثانية من عمره.

إننا في قضية التعامل الأمريكي مع الإسلام والتيار الإسلامي وبلاد المسلمين وقضاياهم أمام ثوابت سياسية ما زالت راسخة في الطبقة الأمريكية المهيمنة على صناعة القرار وعلى صناعة الرأي العام، وما يعكسه ذلك عبر صناديق التصويت، وهي ثوابت لا تنفصل عن الثوابت التي تصنعها مسيرة الهيمنة الأمريكية عالميًّا، وما تحققه من نجاح أو تصاب به من نكسات وهزائم.

صراع الثوابت

ليس الحديث عن السياسات الأمريكية وثباتها أو تقلّبها -والأصح هو القول: ثبات جوهرها وتقلّب وسائلها- حديثًا جديدًا في الساحة العربية والإسلامية، وكثيرًا ما ينشط ويكرّر نفسه في فترة المعركة الانتخابية الأمريكية، ولكن الفارق كبير بين:

1- طرح الموضوع من منطلق تبعي محض، بمعنى السؤال ماذا يريد الأمريكيون كي نصنع ما يتلاءم معه؟.. وهذا منطلق انهزامي مرفوض وهدف انهزامي مرفوض، سواء تجاه الأمريكيين أم سواهم، وسواء كان على مستوى الدول أم مستوى التيارات والأحزاب أم مستوى الفكر والإعلام في بلادنا العربية والإسلامية، بغض النظر عن تعدّد التيارات وعلاقاتها فيما بينها.

2- طرح الموضوع بحثًا عن مساحة صغيرة تبقيها تلك الثوابت السياسية والوسائل المتغيّرة والتطوّرات الدولية، للتحرّك المقيّد في إطار ما، ولكن ما بين جدرانها وقضبانها، وهذا منطلق مرفوض وهدف مرفوض، على مختلف المستويات الرسمية وغير الرسمية في بلادنا أيضًا، أو يجب أن يكون مرفوضًا بصورة قاطعة، سيان هل تجمّل بكلمة "الواقعية" أو تقمّص ثوب "العجز" أو جرت محاولة تمريره بأي تعليل مشابه آخر.

3- وطرح الموضوع انطلاقًا من ثوابت ذاتية؛ لتحديد نقاط الالتقاء وتحديد أسلوب التعامل القويم على صعيدها، ولتحديد نقاط الافتراق الذي يمكن أن يبلغ درجة العداء، وممارسة الصراع المفروض آنذاك فرضًا بسببها، وهذا مع تركيز الجهود بعيدًا عن التشكيك في أصل المنطلق والهدف المشروع، بحثًا عن الوسائل الأنسب، وسعيًا لإيجاد المفتقد منها، وهو ما يسري على التعامل مع القوة الأمريكية والقوى الأخرى.

لقد قطع التعامل مع السياسات الأمريكية، وهي سياسات صهيوأمريكية، ومع السياسات الغربية والدولية، وهي إلى حدّ بعيد منسجمة فيما بينها في كثير من الكليات الكبرى تجاه الإسلام والمسلمين وبلادهم وسائر من يعيش فيها، وإن اختلفت فيما سوى ذلك صراعًا على النفوذ والثروات.. قطع هذا التعامل بأسلوب التبعية أو القيود الذاتية أشواطًا كبيرة على مدى عقود متتالية، والحصيلة هي واقع العرب والمسلمين وقضاياهم وبلدانهم ووجودهم المقزّم، أو غيابهم المذهل، على الساحة العالمية.

تغيير السياسات والثوابت الذاتية

المفروض هو الخروج من أنفاق التبعية والقيود الذاتية، ليس بعد تجارب البلقان فحسب، وإنما بعد تجارب تماثلها دموية وضررًا أيضًا، بين أفغانستان وفلسطين والصومال وسواها.

الثوابت الأمريكية -كسواها دوليًّا- شهدت وتشهد متغيّرات عديدة، داخليًّا ودوليًّا، لعلّ أبرزها داخليًّا هو عودة العنصر الديني ليلعب دورًا بارزًا في زيادة رسوخ سلوكها العدائي عقديًّا، وزيادة المخاوف من العامل الحضاري المرتبط بالمنطلق الإسلامي عالميًّا، ومن أبرز المتغيرات التي تشهدها دوليًّا، أن الزعامة الانفرادية المزعومة بعد الحرب الباردة لم يَعُد لها وجود، أو لم تَعُد على ما كانت عليه في مطلع التسعينيات من القرن الميلادي العشرين.

الخلافات عبر المحيط الأطلسي بلغت مدى غير مسبوق وارتفعت داخل الحلف الأصوات التي تحذّر من انهياره، والخلافات مع قوى دولية أخرى بلغت مدى جديدًا أيضًا، ينذر بنشأة محور روسي - صيني - هندي جديد، علاوة على متغيّرات أخرى كتلك التي تنذر بتمرّد متصاعد في أمريكا الوسطى والجنوبية على الهيمنة الأمريكية الشمالية.

وحتى في الساحة العربية والإسلامية، لم تَعُد لغة الانصياع وحدها هي المسيطرة على كلّ ميدان من الميادين، ولكن من الملاحظ أن التغيّر انحصر في الدرجة الأولى في نطاق رفض الوصاية "المطلقة" على وجود الأنظمة نفسها وسياساتها الداخلية، ولم يرافقه حتى الآن رفض الوصاية على قضايا مصيرية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، والوصاية على محاور المصلحة المشتركة، بدلاً من إخضاعها لسياسات المحاور المتصارعة.

لقد تبدّلت المعطيات الدولية تبدّلاً ملحوظًا، ولم نشهد ما يقابلها بالقدر المطلوب من التغيير على مستوى السياسات الرسمية، العربية والإسلامية، وهو ما يمكن أن يتحقق إذا رصدنا تحرّك تلك السياسات بخطوة أولى في هذا الاتجاه، ولتكن مثلاً على صعيد التعامل عربيًّا مع قضية لبنان، أو قضية فلسطين، أو قضية الارتباط بالدولار، فالنتيجة -إذا توافرت الأسباب كما ينبغي- يمكن أن تكون منطلقًا لخطوات تالية.

إن تغيير السياسات لا يتحقق عبر ردود أفعال على أحداث يصنعها "الآخر" وهو الآن الهيمنة الصهيوأمريكية في الدرجة الأولى، بل يتحقق من خلال مبادرات ذاتية مستقلة تطرح عوامل جديدة في ساحة الصراع المفروض، سواء على مستوى قضايا إقليمية، أم في الساحة الدولية، ويستحيل صدور مبادرات ذاتية دون ثوابت ذاتية مشتركة، وهذا ما نفتقده على مستوى العالم العربي والإسلامي حتى الآن.

وما دام التيار الإسلامي أو التوجّه الشعبي والحركي الإسلامي مستهدفًا أكثر من سواه، لا بد من السؤال أيضًا عن تلك الثوابت على صعيده، مع ملاحظة الربط الوثيق بينه وبين موقف إسلامي حضاري مشترك بين القوى والتيارات والسكان على أرضية حضارية مشتركة وإن تعدّدت المعتقدات والتصوّرات. فليس المقصود هنا الثوابت العقدية المشتركة والتي تتجاوز التيار الإسلامي بطبيعة الحال، ولكن المقصود هو الثوابت السياسية الواضحة للعيان في قضايا كبرى مطروحة، بدءًا بقضية الحكم وتوجيهه مع أخذ التعددية القائمة في البلدان العربية والإسلامية بعين الاعتبار، مرورًا بالقضايا الساخنة في أفغانستان وفلسطين ولبنان والصومال والسودان وسواها، انتهاء بالتعامل المطلوب مع القوى الدولية المتعدّدة، على أساس لغة المصالح المشروعة المتبادلة، وعلى محور كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته دون تمييز.

إن ما يدور في عالمنا المعاصر هو شكل من أشكال صراع الثوابت، بدءًا بالجانب الحضاري، انتهاء باستغلال الثروات، وفي هذا الإطار نحتاج إلى تحديد منظومة الثوابت الذاتية الصادرة عن منطلق عقدي إسلامي ومنطلق حضاري مشترك في المنطقة الإسلامية وعلى المستوى الإنساني، تنبثق عنها المواقف السياسية، والتعامل مع قوى سياسية أخرى، محلية ودولية، فآنذاك لا يكون حسم الموقف المطلوب في قضية كقضية كوسوفا -مثلاً- مقتصرًا على رصد منظور أمريكي وآخر أوروبي وثالث روسي، وبالتالي لا يكون الموقف المطلوب إسلاميًّا، موقفًا مرتبطًا بتأييد الجانب الروسي أو الأمريكي، والأوروبي أو الصربي، بل يكون موقفًا إسلاميًّا يتعامل مع سائر الأطراف، ومع سائر القضايا دون أن يكون فيه ما يجعل بعضها ضحيّة لبعضها الآخر.

ليست المشكلة في عداء أو وفاق مع السياسات الأمريكية أو سواها، بل هي مشكلة وفاق مع ثوابت ذاتية تنطلق منها علاقات المصلحة المشتركة مع الآخر في ميدان من الميادين، ويمكن أن تنطلق منها أيضًا ممارسات المقاومة والرفض التي يفرضها العداء في ميدان آخر.

إن نضوج الموقف السياسي، ونضوج المقاومة باستخدام القوة، كلاهما رهن بمدى الانطلاق من الثوابت الذاتية المشتركة، بما فيها الأهداف المشروعة، البعيدة والمرحلية، وبسلامة تعامله مع المتغيرات ومع الاختلافات والتناقضات القائمة بين القوى الأخرى والجبهات الأخرى.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات