English

 

الاثنين. فبراير. 18, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أزمة كينيا.. صناعة أمريكية

عبد القادر عثمان

كيباكي.. رجل واشنطون في كينيا
كيباكي.. رجل واشنطون في كينيا
تمر كينيا بأزمة حادة بدأت بصورة واضحة مع إعلان لجنة الانتخابات يوم 30-12-2007 فوز الرئيس مواي كيباكي لولاية ثانية وخسارة ريلا أودينجا مرشح المعارضة. ما حدث كان أقرب إلى مسرحية أعدت مسبقا تفاصيلها منه إلى فوز مستحق لرئيس حكم كينيا لخمس سنوات خلت، ونحج في إدارة الاقتصاد الكيني بجدارة محققا نموًّا سنويًّا قدر 6%.

الولايات الأمريكية المتحدة لم تكن بعيدة عن صياغة ذلك المشهد، حيث أسرعت بتهنئة كيباكي والدعوة إلى تقبّل النتيجة، والرئيس من جانبه أنزل إلى الشوارع قوات الشرطة لإشعار المواطنين والمعارضة بأن الانتخابات أُعلنت نتائجها، وأن قوات الشرطة جاهزة للتصدي لمن يعترض على ذلك.

ما لم يكن في الحسبان أن المواطنين تجاهلوا تلك الرسائل ونزلوا إلى الشوارع، حيث ساد القتل والقتل المضاد بين القبائل، واستخدمت القوة المفرطة من قبل قوات الشرطة، حيث قتل قرابة ألف شخص ونزح ربع مليون كيني وتم شل حركة الاقتصاد، ولم تفلح لفترة طويلة جهود المصالحة القارية والدولية في وقف المأساة.

نلقي الضوء هنا على دور الولايات المتحدة قبل الانتخابات وبعد إعلان النتيجة، وسبب تمسكها بالرئيس كيباكي، وما هي مآخذها على مرشح المعارضة أودينجا، والأداء السياسي المتميز للمسلمين في كينيا في هذه الانتخابات وتأثيره على الموقف الأمريكي، ومدى تأثر المصالح الأمريكية بما يجري في كينيا.

جذور الأزمة

تميزت كينيا (37 مليون نسمة تقريبا) بالتعايش مع أمراضها ومشاكلها الداخلية من توزيع غير عادل للسلطة والثروة بين المواطنين وشعور بالمواطنة من الدرجة الثانية لبعض شرائح المجتمع والفساد والمحسوبية منذ الاستقلال.

ولم تدخل كينيا حربا مع جيرانها بعكس إثيوبيا والصومال (1977) أوغندا وتنزانيا (1979) وإريتريا وإثيوبيا (1998-2000)، ولم يحدث فيها انقلاب ناجح بعكس جيرانها أيضا. وكانت علاقتها مع أمريكا وبريطانيا طيبة منذ استقلالها، كما كانت مركزًا للمصالحة وحل مشاكل دول الجوار والقارة، وعلى سبيل المثال كانت كينيا راعية معاهدة نيفاشا السودانية (2005) والمصالحة الصومالية (2004 - 2002).

وتميزت انتخابات 2002 الكينية بتنبيهها لكثير من شرائح المجتمع الكيني التي كانت تشتكي من ظلم الطبقة الثرية، التي ينتمي أغلبها إلى قبيلة كيكويو (22%)، فيما كانت القبائل المهمشة كثيرة، ومنها لوو (13%) ولوهيا (14%) وكالنجين (12%) وكامبا (11%) وكيسي (6%) ومرو (6%) وغيرهم. ويضاف إلى هؤلاء المهمشين لانتمائهم الديني، وهم المسلمون الذين يسكنون في الساحل الشرقي ومنطقة الشمال الشرقي. وكل هؤلاء استيقظوا 2002 وبعضهم بعد نتائج الانتخابات الأخيرة.

على سبيل المثال الأقلية المسلمة صوتت 2002 لأهورو كينياتا، المرشح من قبل الحزب الحاكم آنذاك (الاتحاد الوطني الإفريقي) والذي لم يفز بتلك الانتخابات الرئاسية وخسرها لصالح مواي كيباكي. وأدرك المسلمون منذ ذلك الحين أن كينيا تغيرت إلى حد ما، وأن هناك مساحة للحرية، وأن صوتهم يمكن أن يُحدث تغييرًا.

وما حدث في الانتخابات الأخيرة البرلمانية والرئاسية التي جرت في 27-12-2007 هو ما يمكن أن نسميه "توحّد أصوات المهمشين الانتخابية" من القبائل المهمشة وغالبية المسلمين لصالح مرشحي المعارضة أودينجا وحزبه ("الحركة الديمقراطية البرتقالية")، ضد حزب الوحدة الوطنية الحاكم وقبيلة كيكويو التي هيمنت على السلطة والثروة منذ الاستقلال.

الدور الأمريكي

صرح نائب مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية جيمس سوان في أغسطس 2007م بأن "الولايات المتحدة قدّمت مساعدة بخصوص الانتخابات الكينية، ودعمت لجنة الانتخابات الكينية بغية تأمين أن تكون انتخابات ديسمبر 2007 حرة ونزيهة وتتسم بالشفافية". وبشهادة جميع المراقبين نجحت لجنة الانتخابات الكينية في إدارة عملية الانتخابات البرلمانية والإشراف عليها، والتي صوّت فيها أكثر من 14 مليون ناخب وتنافس فيها أكثر من 20 حزبًا، وألفان وخمسمائة متنافس على 210 مقاعد في البرلمان.

وكانت نتيجتها فوزًا باهرًا للمعارضة بقيادة حركة الديمقراطية البرتقالية وحلفائها بـ(102مقعد) بينما حصل حزب الوحدة الوطنية الحاكم وحلفائه على (78 مقعدًا) والحركة الديمقراطية البرتقالية -جناح كولنيو مسيوكي- على (16 مقعدًا) والمستقلون على (11 مقعدًا).

ولكن ما أدهش الجميع واستغربوه هو فشل لجنة الانتخابات الكينية في ضبط الانتخابات الرئاسية والتي جرت بالتزامن مع البرلمانية. والأغرب أيضا أن أمريكا فور إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية سارعت إلى الاعتراف بالنتائج، وهنأت الرئيس الكيني كيباكي بالفوز، بينما كان المراقبون الأوربيون والمحليون يشككون في النتائج التي أُعلنت، وصرحوا بأن تلاعبًا بالنتائج جرى، وطالبوا بتأجيل إعلان النتائج لأسبوع واحد على الأقل.

وفسر المراقبون تهنئة أمريكا لكيباكي وتجاهل التلاعب في فرز الانتخابات الرئاسية الكينية بأنّه مقصود ومخطط؛ لأن سفيرها مايكل ريننبرجر من أنشط السفراء وعلى علم بما حدث. ولها أيضا في نيروبي أضخم سفارة في إفريقيا - ما وراء الصحراء الكبرى، حيث تدار من خلالها عمليات دبلوماسية واستخباراتية ضخمة، ليس فقط في كينيا بل في القرن الإفريقي والبحيرات العظمى أيضا. وذكرت صحف كينية أن تقارير المراقبين الأمريكيين والبالغ عددهم 200 مراقبا أمريكيا تم حجبها.

ويُعتقد أن تقارير المراقبين الأوربيين ومنظمات المجتمع المدني في كينيا التي كشفت ما حدث من تلاعب في أصوات الناخبين، وأيضا تعبير المواطنين عن مشاعر الغضب العارم ونزولهم إلى الشوارع، والتصريح الخطير لرئيس لجنة الانتخابات الكينية صامويل كيفويتو، بأنه تعرض للضغوط وأنه لا يعرف "إن كان كيباكي فاز في الانتخابات أم لا".. كل هذه الأسباب مجتمعة أحرجت الإدارة الأمريكية، ولو لم تكن، لأسدل الستار على أكبر عملية نصب للديمقراطية في إفريقيا بمباركة وتخطيط أمريكي.

أهمية كيباكي لأمريكا

يعتبر مواي كيباكي (76 عامًا) سياسيًّا مخضرمًا، حيث أصبح نائبًا في أول برلمان لكينيا بعد الاستقلال، وينتمي إلى قبيلة كيكويو المؤثرة في كينيا. وتقلّد كيباكي مناصب وزير التجارة والصناعة، ثم وزير المالية (1966-1982)، وشغل منصبي نائب الرئيس ووزير الداخلية (1978-1988). وانضم كيباكي عام 1991 إلى المعارضة مترشحًا للرئاسة، ولكنه خسر في موسمين انتخابيين (1992 و1997) أمام الرئيس السابق دانيال آراب موي الذي حكم كينيا في الفترة (1978 -2002). ولكنه فاز في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 بسبب دعم ريلا أودينجا.

طيلة حكم كيباكي لكينيا (2002-2007) كان مقربًا وحليفًا للولايات المتحدة إلى حد السماح بتسليم مواطنين كينيين مسلمين إلى أمريكيا بتهمة الإرهاب، مما جعله مكروها لدى المسلمين إلى حد قولة سيد عثمان، أحد قادة منتدى قيادات المسلمين في كينيا أمام الرئيس كيباكي قبيل الانتخابات: "لا يوجد رئيس كينيي أو رئيس إفريقي سلّم مواطنيه لدولة أخرى"، في إشارة إلى أمريكا.

لعبت كينيا في عهد مواي كيباكي دورًا مهما في إلحاق هزيمة بالمحاكم الإسلامية في الصومال أواخر 2006، حيث لعبت دورًا استخباراتيا مهما لصالح الولايات المتحدة لإسقاط المحاكم، بينما تولّت إثيوبيا الجانب العسكري، وأيضا سلمت كينيا عشرات من أنصار المحاكم الإسلامية والمتعاطفين معها من جنسيات عدة، بمن فيهم كينيون إلى المخابرات الإثيوبية والأمريكية، بغية استجوابهم في معتقلات سرية في إثيوبيا.

وتأتي أهمية مواي كيباكي أيضا بأن منصب الرئيس هو منصب تنفيذي وذو صلاحية واسعة؛ لذا أمريكا كانت تفضل رئيسًا ذا صلاحيات قوية على الأقل ليؤمن مصالحها في المنطقة، ولم تكن مهتمة بمن يفوز في البرلمان.

أودينجا وسباحة ضد أمريكا

ينحدر ريلا أودينجا (62 عامًا) من أسرة عريقة وثرية وسياسية مشهورة في البلاد، وينتمي إلى قبيلة لوو (ثالث أهم قبيلة في كينيا) وأبوه جاراموجي أوجينغا أودينجا من أشهر زعماء كينيا الذين ناضلوا للاستقلال. أمضى أودينجا في السجن 9 سنوات؛ وهو ما جعله قريبا ومحبوبا من المهمشين الكينيين ويتمتع بجاذبية وقدرة عالية على تعبئة الجماهير جعلت منه مدافعًا عن المحرومين وداعية لتقاسم "أكثر عدلا" لثروات البلاد التي مُنعت عن أغلبهم.

واشتُهر أودينجا بحنكته في عقد التحالفات الانتخابية، حيث انتخب عام 1992 نائبًا بالبرلمان عن دائرة لانجاتا، وهي من أفقر مناطق العاصمة (معروفة بحي الصفيح). بينما خاض السباق الرئاسي لأول مرة عام 1997، ولم يحالفه الحظ، ولكن في 2002 غيّر وجه كينيا بتحالفه والوقوف بقوة خلف كيباكي الرئيس الحالي، والذي فاز في تلك الانتخابات على مرشح الحزب الحاكم أهورو كينياتا، وبذلك يُرجع الكثيرون إلى أودينجا الفضل في إنهاء أسطورة "الاتحاد الوطني الإفريقي" والذي حكم كينيا منذ الاستقلال عام 1963.

وتنقل أودينجا (2002-2005) بين عدة وزارات. وفي أواخر 2005 اختلف مع كيباكي بسبب معارضته مشروع دستور ناضل لإسقاطه، وهو ما نجح فيه، حيث تم رفضه من قبل 60% من الكينيين، ما شكل ضربة قوية لكيباكي، وأسس بعددها أودينجا حركته البرتقالية.

ومن مآخذ أمريكا على أدوينجا، أنه كان ميالا في الماضي للمعسكر الاشتراكي، وسمّى أحد أبنائه فيدل كاسترو -الزعيم الكوبي الشهير- وأيضا لتحالفه مع المسلمين، ودوره في إسقاط مشروع قانون مكافحة الإرهاب (2006) والتي كانت أمريكا تقف وراءه بقوة.

ويضاف إلى ذلك إعلانُه في الحملات الانتخابية وخاصة في مناطق المسلمين أنه حالَ فوزه رئيسا لكينيا لن يتعاون مع البرنامج الأمريكي لمكافحة الإرهاب؛ لذا أصبح خطرًا على المصالح والسياسات الأمريكية في منطقة القرن الإفريقي والبحيرات العظمى. ويضاف أيضًا توقيعُه مذكرة تفاهم مع منتدى القيادات الإسلامية في كينيا، مفادها رفع الظلم السياسي عن المسلمين وتنمية المناطق التي تقطنها أغلبية مسلمة. وكان المسلمون في الانتخابات الأخيرة أكثر وعيًا وتنظيمًا بحيث صوتت الأغلبية المسلمة له.

السيناريوهات المحتملة

أما عن السيناريوهات المحتملة للوضع في كينيا الآن فأغلبها لصالح المصالح الأمريكية في المنطقة ومن أهمها:

  1. تفاهم سياسي بين المعارضة والحكومة لتقاسم السلطة:

    وهو الحل الأكثر واقعية في الوقت الحالي، ويقضي باستحداث منصب رئيس وزراء بصلاحية واسعة أو متساوية مع صلاحيات الرئيس. وغالبًا ما يكون هذا الطرح مؤقتًا، وربما يدوم سنة وسيكون السياسيون مهمومين بما سيحدث وبالصراع الداخلي؛ لذا ستكون مصالح أمريكا في أمانٍ.

  2. إجراء انتخابات رئاسية تحت إشراف دولي في غضون أشهر:

    اللجوء إلى هذا الحل في صالح المعارض أودينجا، وهو ما لا يقبله الرئيس الحالي، وهو حلّ صعب بسبب ما حدث من أعمال عنف قسمت المجتمع الكيني. وحتى إذا تم اللجوء إلى هذا الخيار فإن توحد الرئيس كيباكي وكلوني مسيوكي -الذي حلّ في المرتبة الثالثة في الانتخابات الرئاسية، والذي عُيّن فيما بعد نائبا للرئيس- ضد ريلا أودينجا، سيصعّب الأمور على ريلا أودينجا للفوز بكرسي الرئاسة الكينية.

  3. تصفية ريلا أودينجا المعارض:

    وهو سيناريو -برغم الثمن الباهظ الذي سيترتب عليه- وارد في بلد إفريقي يسوده الفساد وتحكمه نخبة ثرية ألفت الحكم منذ أربعين عامًا، وتحظى بتأييد من قبل قوة عظمى لا تفرط في مصالحها، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يوجد بديل لشخصية بوزن وثقل أودينجا في صفوف المعارضة والقبائل، وأنه سبق أن قتل عضوين من المعارضة في البرلماني الكيني بعد اندلاع أزمة الانتخابات ما يعد مؤشرًا خطيرًا في هذا الاتجاه.

  4. دور للعسكر:

    الأعمال المروعة التي سادت كثيرًا من المدن الكينية، خاصة منطقة الوادي المتصدع تعطي مبررًا قويًّا لقيام المؤسسة العسكرية الكينية بحركة ما (بانقلاب أو تأييد كيباكي وقمع المعارضة) بدعوى إنقاذ كينيا من سياسيين فاسدين على غرار باكستان.

ويمكن القول إن الولايات المتحدة بما لها من نفوذ على الساسة الكينيين كان يمكن أن تساعد على انتخابات رئاسية شفافة وعادلة في كينيا، ولكنها اختارت مصلحتها وهي استمرار هيمنتها على المنطقة، بدواعي الحرب على الإرهاب، وخلق مشاكل تزلزل كيان ووجود كينيا لإبعاد الصينيين من المنطقة، والذين يحاولون الحصول على عقود للتنقيب عن النفط من وراء أمريكا.

ويبدو جليًّا أن مصلحة أمريكا هي التي تتحمل الجانب الأكبر في صناعة الأزمة التي نتجت عن الانتخابات الرئاسية الكينية، وتتحلى أمريكا بتوظيف عبقري للأحداث لصالحها، تارة بتهنئتها وبتصريحاتها المتضاربة، وتارة بالضغط على الأطراف المتعدّدة، وتارة بتهديد القيادات السياسية الكينية، غير عابئة بتقويضها وتشتيتها لآمال أمة أرادت أن ترى التغيير والعدل والمساواة والتوزيع العادل للثروة، وتداولا للسلطة عبر صناديق الانتخاب.


  صحفي خبير بشؤون القرن الإفريقي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات