|
رئيس وزراء كوسوفا هاشم تقي (تاجي) قبيل إعلان الاستقلال |
هما سيناريوهان لا ثالث لهما.. فإما استقلال نظيف لا يشوبه سوى عويل ونباح المتطرفين الصرب وأقرانهم في دول الجوار؛ ما يعني هيمنة أوروبية –وبالتبعية أمريكية– على الفناء الخلفي الروسي، واختراق متواصل للشرق الأوروبي يحاصر روسيا قبل أن تستعيد عافيتها وتسعى للعودة للإرث الإمبراطوري السوفيتي القديم، وإما استقلال يعقبه قلاقل تتعاظم وتتسع مساحتها، ودعوات انفصالية صربية –بالتبعية- في البوسنة أو كرواتيا وغيرها تشعل المنطقة رويدا رويدا وتقربها من حرب عالمية ثالثة كانت منطقة البلقان هي السبب في اندلاع اثنتين منها سابقا!.
وما بين هذين السيناريوهين يمكن توقع عشرات المواقف والنتائج والاحتمالات الإيجابية أو السلبية، التي لن تقتصر فقط على حدود كوسوفا، وإنما قد تمتد لكل منطقة البلقان، ومنها لأوروبا، فقد تتصاعد الأزمة وتتخطى مياه الأطلسي خصوصًا لو تصاعدت الخلافات الروسية الأمريكية، وأثمرت "الحرب الباردة" -التي أعلن الرئيس الروسي الأسبوع الماضي عودتها– بين القطبين الدوليين عن معارك نفوذ.
وربما يتأجج الصراع أكثر لو أخذ الطابع الديني بين "المسلمين" و"الأرثوذوكس" في البلقان خصوصًا أن حروب الإبادة الصربية في كوسوفا والبوسنة أخذت هذا الطابع، ولا يزال هناك متطرفون صرب يهدّدون بالحرب، وقد يحدث العكس تمامًا وتهدأ المنطقة، خصوصًا أن تهديدات الصرب والروس تبدو جوفاء وللاستهلاك المحلي وليس في أيديهم ورقة قوة مهمة، بحيث يقبل الصرب في نهاية المطاف المكافأة الغربية وينضمون لمعاهدة صداقة أوروبية وللاتحاد الأوروبي كثمن لقبولهم الاستقلال والتهدئة، وعلى اعتبار أن دولتهم ودولة كوسوفا سيظلان كيانًا واحدًا، ولكن تحت راية الاتحاد الأوروبي!.
بل إن هذه السيناريوهات يتصل بها سؤال لا يزال يتردد بقوة في العالم الإسلامي يقول: ما هي مصلحة أمريكا وأوروبا في استقلال كوسوفا وهي دولة إسلامية؟ ومنذ متى يقبل الغرب بدولة إسلامية في خاصرته، وهو الذي يحارب ويحذر من "الأصولية الإسلامية"؟!.
هنا يمكن الحديث عن تصورين مختلفين:
الأول: تصور يرى أن الهدف الأمريكي والأوروبي هو نزع فتيل أزمة كبيرة لا تزال مشتعلة في البلقان بغرض تأمين أوروبا وإطفاء النار التي لا تزال مشتعلة تحت الرماد منعا لتطور النزاع مستقبلا بما يهدد بإشعال حرب عالمية ثالثة، خصوصًا أن الحربين العالميتين السابقتين اشتعلتا من ذات المنطقة!.
والثاني: يرى أن الأمر متعلق بالمصالح الغربية والأمريكية في المقام الأخير، خصوصا أن هناك من يرى أن التدخل الأمريكي في كوسوفا منذ البداية كان "بروفة" للقوات الأمريكية استعدادًا لغزو العراق، والأهم هو فكرة السعي لتعظيم فكرة وجود "مسلمين معتدلين"، أو ثقافة إسلامية على الطريقة الأوروبية في منطقة البلقان، خصوصًا أن هناك قيودًا داخلية من قبل حكومة كوسوفا نفسها على التيارات الإسلامية بغية إزالة أي مخاوف غربية أو صربية، وقيودًا أوروبية مماثلة -عبر القوات الأوروبية0 على أي أنشطة لتيارات إسلامية توصم بالتشدد.
وأيا كان الهدف الأمريكي هنا من التعامل مع استقلال كوسوفا، فيظل الهدف الأكبر هو الهيمنة الأمريكية والزحف على الشرق، وحرمان موسكو تدريجيا من أي أوراق قوة رابحة مستقبلا، فهم يراهنون في واشنطن على أن يخضع الصرب في النهاية للقيود الغربية ويقبلوا بالجزرة (معاهدة الصداقة والمساعدات وعضوية الاتحاد الأوروبي)، بدلا من العصا الأوروبية والأمريكية التي لن يستفيدوا منها شيئا بل سيخسرون!.
هل ينفصل صرب البوسنة؟
لأن الصرب سعوا لتخويف الغرب وأمريكا من مغبة استقلال كوسوفا تارة بالتحذير من ظهور دولة إسلامية في المنطقة تهدد أوروبا وتؤوي المتطرفين المسلمين من تنظيم القاعدة، وتارة بأن هناك -في العالم- 200 بؤرة عرقية ودينية يطالب أهلها بالانفصال عن الدولة الأم، أبرزها حالة صرب البوسنة الذين قيل إنهم سيطالبون بالاستقلال عن دولة البوسنة، فقد أثير تساؤل مهم يقول: هل يستقل الصرب في البوسنة كرد على استقلال الكوسوفيين عن صربيا؟.
الإجابة السياسية هنا تقول: لا.. لا يمكن أن يستقل صرب البوسنة لسبب بسيط هو أن معاهدة دايتون الخاصة بحل مشكلة البوسنة نصت صراحة على أن أي فصيل يرغب في الاستقلال عليه أن يطلب استفتاءً عاما في كل البوسنة -وليس بين صرب البوسنة فقط وهو ما يصعّب فكرة استقلال أي جماعة عرقية في البوسنة سواء كان الصرب أو الكروات لأن الغالبية مسلمون.
ولذلك صدرت تصريحات في البوسنة تنفي هذا الحق لصرب البوسنة في الاستقلال، وقيل إن هذا ليس من حقهم أو من حق أي فصيل آخر؛ لأن اتفاق دايتون تحسّب لهذا وحصّن الاستقرار في البلاد.
ولكن المشكلة أن هناك مخاوف من إجابة أو سيناريو آخر غير سياسي -أي سيناريو عنيف- قيام المتطرفين الصرب بإثارة مشكلات في البوسنة، كما هو متوقع في كوسوفا نفسها، وهو ما ألمح له مسئولون بوسنيون.
فزعيم المسلمين البوسنيين حارث سيلاديتش، قال: إن هناك أوساطا ومنظمات تريد خلق مناخ متوتر في البوسنة بعد إعلان الاستقلال المتوقع لإقليم كوسوفا، وحذر من أن البلقان ستدخل مرحلة من عدم الاستقرار في المرحلة المقبلة، ونبه سيلاديتش إلى أن اللاجئين المسلمين والكروات، الذين عادوا إلى ديارهم في جمهورية صرب البوسنة، سيكونون "الأكثر تعرضًا للتهديد" في حال حصول انهيار أمني.
ولم ينف سيلاديتش -عضو الرئاسة الثلاثية البوسنية- توقع احتجاجات مكثفة تعتزم منظمات غير حكومية صربية تنظيمها في جمهورية صرب البوسنة؛ للمطالبة بالإبقاء على صربية كوسوفا إذا اعترف الاتحاد الأوروبي باستقلال الإقليم.
فهناك اتحاد يضم منظمات غير حكومية صربية بوسنية، تضم عسكريين قدماء وعائلات قتلى الحرب الأهلية (1992-1995) أعلن أن تجمعات ومظاهرات احتجاجية، ستنظم في جميع أراضي جمهورية صرب البوسنة عقب استقلال كوسوفا، كما أعلن صرب كوسوفا نيتهم تشكيل برلمان خاص بهم بالاتفاق مع بلجراد خلال الانتخابات البلدية الصربية المقررة في مايو المقبل.
أيضا يلفت الأنظار تهديد قادة الصرب المتطرفين بمنع هذا الاستقلال واستئناف حرب الإبادة ضد المسلمين، ومعارضة الكنيسة الأرثوذكسية الصربية لخطة الأمم المتحدة، والأهم وضع الصرب حججًا واهية لرفض استقلال كوسوفا، مثل الزعم أن في كوسوفا أهم الأديرة المسيحية وتراثهم التاريخي، ومع أن خطة مبعوث الأمم المتحدة تغلبت على هذا بتحديد 40 منطقة وموقعًا من كوسوفا ستحظى بالحكم الذاتي، لمجرد أن بها أديرة مسيحية، فهم (الصرب الذين يمثلون 3% من سكان كوسوفا) يرفضون بإصرار هذه الخطة لاستقلال كوسوفا كلها ويريدون تعطيله بـ"مسمار جحا" جديد، وهو الأديرة والتراث المسيحي في كوسوفا.
مخاوف.. مخاوف
لا شك أن أسلحة الضغط الروسية أو الصربية في مشكلة كوسوفا ضعيفة جدا، وأن تشدد الطرفين له هدفان: (سياسي) يستهدف الاستهلاك المحلي لإرضاء المتطرفين الصرب وكلعبة انتخابية، و(اقتصادي) لوجود مصالح روسية مع صربيا ووجود "كنوز" في مناجم كوسوفا كانت صربيا تستفيد منها اقتصاديا؛ لأنها كانت تجلب لها فائضا من العملة الصعبة يقدر بـ 4 مليارات يورو سنويا!.
ولكن المخاوف الأكبر في إشعال المتطرفين نيرانا في قطار الاستقلال تهدد بحرق كل المنطقة، فهناك مخاوف من استغلال صربيا وجود أقلية صربية في كوسوفا للتدخل في شئون الدولة المستقلة الجديدة، ومخاوف من نتائج ما بعد الاستقلال، خاصة ردود فعل الدول الرافضة له مثل روسيا ولوبي الدول "الأرثوذوكسية" في المحيط الأوروبي بالتعاطف مع ذويهم الصرب الأرثوذكس، بل إن هناك لدى الكوسوفيين مخاوف من احتمال قيام صرب كوسوفا بأعمال عنف في مناطق وجودهم ونسبتها إلى الألبان لتشويه صورتهم أمام العالم، ومن ثم بعث رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الأقلية الصربية مهددة، وإعطاء صربيا وموسكو مبررًا للتدخل.
بل إن هناك مخاوف أخرى مما يسمى "خطط الطوارئ" التي أعلنت كل من صربيا وموسكو أنها تعدّها في حالة إعلان استقلال الإقليم المسلم، وما إذا كانت تتضمن إجراءات تضر بمسلمي كوسوفا.
لقد بات في حكم المقرر إعلان استقلال كوسوفا داخليا يوم 17 فبراير 2008، وبات مقررا أن يعلن هذا رسميا -بحضور أوروبي وأمريكي– يوم 10 مارس المقبل، ولكن ما لا يدركه كثيرون هو أن الدولة التي ستعلن استقلالها لن تكون كذلك فعليا، فخطة مارتي اهتساري مبعوث الأمم المتحدة الخاصة بفصل كوسوفا عن صربيا لم تذكر كلمة (استقلال)، والدولة الوليدة الجديدة ستكون شبه منقوصة السيادة، لأنها باختصار ستصبح تابعة للاتحاد الأوروبي بدلا من الأمم المتحدة، وستحل بها قوات أوروبية بدل قوات حلف شمال الأطلنطي والأمم المتحدة.
نعم هذا الوضع الجديد سيجعل مسلمي كوسوفا يتخلصون من التبعية لصربيا، وينتقلون للتبعية للاتحاد الأوروبي، ولكن سيظل الإقليم منقوص السيادة وغير مكتمل السيادة، ما يعطي الحق لصربيا مستقبلا بطلب التدخل فيه، والأهم أنه لا يحسم مصير الإقليم بصورة نهائية برغم أن هناك آمالا كوسوفية أن يكون هذا مقدمة لاستقلال كامل.
ما بعد الاستقلال سيكون هو الأهم بالتالي وليس الاستقلال ذاته فقد تستقل كوسوفا، ولا يعترف بها سوى نزر يسير من الدول؛ ما يجعلها شبه محاصَرَة، وقد تندلع فيها أعمال عنف متبادلة في حالة مبادرة الصرب بأي خطوات تصعيدية، ويبقى الأمل أن يمر الاستقلال بسلام ويقبل الجميع -بمن فيهم الصرب- بمكافآت الاستقلال الأوروبية، وأن يبتعد شبح الحرب عن منطقة البلقان، وفي هذه الحالة ستكون واشنطن هي الكاسب الأكبر وروسيا هي الخاسر الأبرز.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|