|
تقع مالي في جنوب الصحراء الكبرى، وتحدها سبع دول منها دولتان عربيتان هما موريتانيا والجزائر، وتبلغ مساحتها مليون ومائتين وأربعين ألف كيلومتر مربع (1.240.000). ومالي دولة فقيرة لا يتجاوز دخلها الإجمالي ثمانية مليارات وخمسمائة مليون دولار أمريكي (8.500.000.000)، ويبلغ معدل الدخل الفردي ثمانمائة وعشرين دولارًا (820) في السنة. ويبلغ عدد سكانها حوالي اثني عشر مليون نسمة (12.000.000)، يمثل المسلمون منهم 80 أو 90 ? حسب التقديرات المختلفة.
أما اللغة الرسمية فهي اللغة الفرنسية، وقد أخبرنا بعض الأساتذة الماليين أن اللغة العربية تعرف تراجعا وحصارا كبيرين، ويتجلى ذلك في تراجع مكانتها حتى في مناطقها التاريخية مثل منطقة تمبكتو شمال البلاد؛ فقد كانت اللغة العربية تحتل المكانة الأولى في مدارسها، ثم نزلت إلى المرتبة الثانية بعد اللغة الفرنسية، ثم تراجعت مكانتها مؤخرا بعد زحف لغات أخرى كالإنجليزية.
كما أن اللغة العربية أصبحت بمثابة لغة للنخبة المهمشة، فالدارسون باللغة العربية المتخرجون من جامعات البلدان العربية والإسلامية لا يجدون منافذ للتشغيل، كما اشتكى بعض الأساتذة الماليين من تهميش اللغة العربية في جامعات مالي، ونظر التيار الفرنكفوني لها باعتبارها لغة استعمارية. وفي أحسن الأحوال فهي لغة للفقهاء والخطباء والوعاظ.
دعم عربي لا يكفي
ينطبق هذا الوضع على بلد مجاور لمالي هو النيجر، فقد ذكر لنا الدكتور مولاي حسن أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة عبدو موموني Abdou Moumouniبجامعة نيامي بدولة النيجر، أن هذه الجامعة لا تضم إلا أستاذيْن للغة العربية، وطالب البلدان العربية والإسلامية ببذل جهودها لاستمرار اللغة العربية حية في البلدان الإفريقية.
وهكذا أمام الدعم الكبير الذي تحظى به اللغة الفرنسية في بلدان جنوب الصحراء وغرب إفريقيا المسلمة، فإن البلدان العربية والإسلامية مجتمعة لا تقدّم إلا النزر القليل جدا لدعم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، ممثلة بالجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا. ويدرس بالجامعات السعودية والليبية والمغربية عدد لا بأس به من الطلبة. وقد أخبرني أحمد مدان دابو أحد الطلبة خريجي جامعة الدعوة الإسلامية في طرابلس عن الصعوبات الكبيرة التي يصادفها خريجو الجامعات الإسلامية والعربية في الاندماج وإيجاد منافذ مناسبة للشغل، مما يجعل الكثيرين منهم عرضة للتهميش، أو البحث عن أعمال بسيطة من قبيل النقل على الدراجات النارية مثلا، علما أن بعض المؤسسات العربية -في محاولة مشكورة منها لسد الفراغ- تشغلهم مقابل أجور زهيدة جدا لا تتعدى سبعين أورو شهريًّا (الأورو حاليا يساوي حوالي دولار أمريكي ونصف)، علما أن متطلبات الحياة العادية يتطلب حوالي ثلاثمائة أورو، كما أخبرني أحمد مدان.
كما تشكو بعض المنظمات الدولية المهتمة بضعف أو انعدام الدعم، فالمعهد الثقافي الإفريقي العربي، وهو مؤسسة دولية مشتركة بين الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومقره في باماكو، لا يتوصل بمستحقات معظم الدول المعنية، وينتظر التوصل بمنحة سعودية بقيمة مائة ألف دولار، ويأمل مديره العام الدكتور عبد الرحمن آل وزرة الدوسري، أن تشكل انطلاقة وبداية جيدة للمعهد.
كما تم مؤخرًا تسليم جائزة القذافي لحقوق الإنسان لمعهد أحمد بابا التنبكتي للمخطوطات -في 16 يناير 2008- وقدرها حوالي خمسمائة ألف أورو (500.000)، قصد تمكين هذا المعهد من الحفاظ على المخطوطات العربية الكثيرة والتي ما زال الكثير منها مطمورًا تحت رمال الصحراء، وبناء مقر لائق في مدينة تمبكتو، إلا أن بعض المهتمين أكد لنا محدودية المبادرة برغم أهميتها؛ لأن إمكانية الاستفادة منها صعبة جدا، سواء بالنسبة للماليين المهتمين وهم قلة، أو بالنسبة للباحثين من الخارج، فمدينة تمبكتو تقع شمال العاصمة باماكو وتبعد عنها بحوالي 1200 كيلومتر، والوصول إليها صعب جدا، نظرا لوعورة الطرق وندرة وسائل المواصلات، خصوصًا إذا علمنا أن دولة مالي لا تتوفر إلا على طائرتين فقط، ويتطلب الوصول إلى تمبكتو من باماكو حوالي أربع وعشرين ساعة في المتوسط.
تطلع إلى دعم أكبر
ومع ذلك فإن القيمة الرمزية لمثل هذه المبادرات مهمة جدا، فهي تشكل مثالا يحتذى لبقية البلدان العربية والإسلامية التي ينتظر منها الماليون الشيء الكثير، مثل الجزائر التي يعرف الماليون قدراتها الكبيرة ويودون -حتى الرسميون منهم والرئيس المالي نفسه حسبما أخبرنا أحد السفراء- لو يرون شيئًا ملموسًا ولو رمزيًّا تقدمه لهم الجزائر الشقيقة، وينطبق الأمر نفسه على المغرب الذي ينظر إليه الماليون باحترام كبير نظرًا للعلاقات التاريخية والروحية التي تربطهم به. فالمحتفى به أحمد بابا التنبكتي (899-1000 هـ/ 1493-1591م) أقام مدة كبيرة في مراكش في عهد السلطان أحمد المنصور السعدي وابنه زيدان، واستفاد من مكتباتها في تأليف عدد من كتبه، وعلى الأخص كتاب "نيل الابتهاج بتطريز الديباج" كما قام بتعليم الفقه والحديث في جامع الشرفاء بمراكش، وما تزال داره معروفة بها. واستمع لدروسه خلق كثير، من طلبة العلم وبعض علماء المغرب وقضاتها ومفتيها.
وفيما يخص العلاقات السياسية والدبلوماسية مع المغرب بالخصوص، فإن دولة مالي وبرغم اضطرارها للاعتراف بما يسمى "الجمهورية الصحراوية" في ظروف تاريخية صعبة استجابة للضغوط الجزائرية، فإن المراقبين يلاحظون فتورًا متزايدًا مع هذه "الجمهورية" وتخلصًا متواصلاً من ابتزاز الجار الشمالي، وتحسنا مضطردا للعلاقات مع المغرب الشيء الذي ينبئ عن إمكانية التطور نحو الأحسن إذا قامت الدولة الدبلوماسية والمستثمرون المغاربة بدورهم بالفعالية المطلوبة، واستثمروا الزخم الذي وفرته الزيارات الملكية المتعددة للمنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أنه تم تأسيس جمعية للصداقة المالية المغربية في العاصمة باماكو مؤخرا، وينبغي تفعيل هذه الجمعية وتشجيعها لفائدة العلاقات الثنائية والعربية الإسلامية، خصوصًا أن عددًا لا يستهان به من الأطر والموظفين في مالي هم من خريجي الجامعات والمعاهد المغربية، كما ينبغي تفعيل اتفاقية التوأمة بين مراكش وتمبكتو التي بقيت حبرًا على ورق منذ توقيعها منذ عدة سنوات خلت إلى الآن.
وبرغم الصحوة الدينية الكبيرة، التي تشهدها مالي على غرار باقي البلدان الإسلامية، فإن خطر التنصير قائم خصوصًا مع تفاقم الفقر والبطالة، ويتطلع الماليون لتوافد الدعاة المسلمين المتمرسين، وإلى تعاون جامعي وثقافي فعال مع الجامعات والمعاهد في البلدان العربية والإسلامية، كما يأملون في تدفق الاستثمارات من هذه البلدان خصوصًا في المجال الفلاحي، حيث يقدمون تسهيلات عينية وجبائية كبيرة بما فيها عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الخصبة، حيث يبدي بعض الدبلوماسيين عتبهم على المستثمرين العرب الذين يعرضون عن الاستثمار في هذا البلد برغم هذه النداءات والتشجيعات.
هذه وضعية العروبة والإسلام في بلاد مالي، يُقاس عليها غيرها من بلدان إفريقيا المسلمة، وإذ نبارك الجهود المخلصة التي تبذلها بعض البلدان والمؤسسات العربية والإسلامية، نأمل أن يكون هذا المقال بمثابة نداء إلى كل المعنيين والغيورين من أجل مضاعفة الجهود العلمية والدعوية والاقتصادية لمساعدة هذه البلدان التي تربطنا بها أواصر القربى والدين، والتي ناصرت الأمة في قضاياها المصيرية، وتنتظر منا بعض الوفاء بواجباتنا الدينية والتاريخية والاقتصادية نحوها.
باحث وأستاذ جامعي في المغرب.
|