English

 

الثلاثاء. فبراير. 12, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أنقرة وتل أبيب.. أهداف مشتركة أم مصالح متناقضة!! *

أحمد حسين الشيمي

علاقات رسمية.. أم حميمية؟..
علاقات رسمية.. أم حميمية؟..

تضرب العلاقات التركية الإسرائيلية بجذورها منذ عهد السلطنة العثمانية، بدايةً من قيام السلطنة باحتضان موجات يهود الدونما (المهجرين من أسبانيا) عام 1492، مرورًا بإعلان تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك، ووصولاً إلى اعتراف تركيا بإسرائيل، باعتبارها أول دولة مسلمة تربطها علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية بالدولة العبرية، كما تعد الاتفاقية الأمنية العسكرية بين الجانبين عام 1996، إحدى العلامات المميزة في علاقات أنقرة وتل أبيب، والتي شملت كافة المجالات وعلى رأسها العسكرية، إذ سمحت لإسرائيل باستخدام قاعدة أنجرليك الجوية القريبة من الحدود العراقية السورية، وقيام المقاتلات الإسرائيلية بطلعات تدريبية في الأجواء التركية، في مقابل السماح للمقاتلات التركية باستخدام قاعدة بقاطيم الإسرائيلية جنوبي بلدة بئر السبع، كما نصت الاتفاقية على إجراء تدريبات عسكرية مشتركة، وتعاون استخباراتي وتبادل للخبرات في مجال الصناعات العسكرية.

متغيرات وهواجس 

بالإضافة إلى العلاقات العسكرية والأمنية، يعطي الجانب الاقتصادي، الذي شهد مزيدا من التطور خلال السنوات الأخيرة، مؤشرًا ذا دلالة على قوة العلاقات، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري من 363 مليون دولار عام 1995 إلى ملياري دولار العام الماضي، وتضاعفت الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا ثلاث مرات منذ دخول اتفاقية التجارة الحرة حيز التنفيذ عام 1997، في حين بلغت الواردات الإسرائيلية من تركيا 1.4 مليار دولار، ويُقدَّر عدد السياح الإسرائيليين الزائرين لتركيا بـ360 ألفًا سنويا، ينفقون ما يزيد على 600 مليون دولار، إلى جانب العديد من الاتفاقيات الثنائية لدعم هذه العلاقات، منها على سبيل المثال: اتفاقية "مانافجات" للمياه عام 2004، والتي تقضي بشراء إسرائيل 50 مليون متر مكعب من المياه سنويا، ولمدة عشرين عاما قادمة.

وعلى الرغم من التطورات السابقة، فإننا نجد أن العلاقات في محورها السياسي لم تمضِ بنفس القوة، خاصة بعد تشكيل حزب العدالة والتنمية حكومته الأولى عام 2002، وتأرجحت بين الشد والجذب أحيانا، ومما يفسر ذلك:

- تصريحات المسئولين الأتراك الرافضة للسياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والتي تجلت بوضوح بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، وأخيرًا ما ذكره رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من أنه خلافا لصواريخ القسام التي لم تقتل أي إسرائيلي، فإن كل هجمة لجيش الاحتلال الإسرائيلي توقع عشرات القتلى الفلسطينيين، واعتبر ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة أمرا غير مقبول، وهي التصريحات التي أثارت غضب الساسة الإسرائيليين، وطلبت الخارجية الإسرائيلية من السفير التركي لدى تل أبيب تقديم إيضاحات حول هذه التصريحات، واعتبرتها دوائر إسرائيلية أنها "غير متوقعة من بلد يواجه الإرهاب مثله في ذلك مثل إسرائيل".

- الرغبة التركية في لعب دور محوري في حل قضايا منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع تنامي القدرات التركية سواء على الساحة الداخلية أو الخارجية، ولا سيما أنّ لتركيا علاقات جيدة بمعظم دول المنطقة، ومن هذا المنطلق عرضت الوساطة بين تل أبيب ودمشق من ناحية وبين دمشق والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، وهو ما رفضته إسرائيل رفضا قاطعا، واعتبرته أنقرة إهانة لها.

- تنظر تركيا إلى إسرائيل بعين الشك في دورها في العراق ورغبتها -تمشيا مع السياسة الأمريكية- في تقسيمه إلى دويلات صغيرة، يهدد أمنها القومي بصورة بالغة، وبما قد يسمح بإقامة دولة كردية في شمال العراق؛ وهو ما ترفضه أنقرة بشدة، إلى جانب تقارير عدة تشير إلى دور إسرائيلي واضح في هذا الإقليم، وتقديم تدريبات عسكرية من جانب إسرائيل لقوات البشمرجة الكردية، وهو ما تنفيه تل أبيب دائما. وقد نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن مصدر رفيع في الحكومة التركية مؤخرًا أن المعلومات التي بحوزته تؤكد أن خبراء أمنيين إسرائيليين ينشطون في شمال العراق ويساعدون الكرد هناك بصفتهم مندوبين عن شركات أمن إسرائيلية خاصة.

ويضاف إلى الهواجس التركية، مخاوف أنقرة من ضم كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان العراقي، إلى جانب خشية إعادة ضخ النفط العراقي إلى ميناء حيفا، بدلا من ميناء جيهان التركي.

- المتغير الداخلي الذي يصب في صالح العرب في الصراع مع إسرائيل، وهو ما يمثل ضغطًا مستمرًا على حكومة أردوغان، وبالتالي شهدت الفترة الأخيرة مزيدًا من توجه السياسة التركية نحو الدول العربية، ولعل منها زيارة الرئيس التركي عبد الله جول لمصر، والتي شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية ووضع حجر الأساس لأول منطقة صناعية تركية في مصر، بإجمالي استثمارات بلغت 5.1 مليارات دولار.

ولا شك أن التحرك التركي نحو الدائرة العربية، يستهدف أيضا تعزيز مكانة تركيا لدى كل من أوروبا والولايات المتحدة، وتقديم نفسها باعتبارها جسرا حضاريا بين الغرب والإسلام.

محددات السياسة الإسرائيلية 

على نقيض المتغيرات السابقة، ترى القيادة السياسية الإسرائيلية أن دعم علاقاتها بأنقرة يعود عليها بفائدة كبيرة، وأن الصدام المباشر والمعلن معها حاليًا سيؤدي إلى عواقب وخيمة، خاصة أن تركيا تعد بوابة المرور الرئيسية إلى آسيا الوسطى وبترول بحر قزوين، فضلا عن متاخمتها لدولتين معاديتين لإسرائيل هما إيران وسوريا، كما أن تعاونها العسكري مع أنقرة يتيح لها إمكانية المراقبة أو التجسس على الأنشطة النووية الإيرانية، ومن جهة أخرى فإن هناك أهمية خاصة للمحاولات التركية لتهدئة أجواء العلاقات بين تل أبيب وطهران، ولا سيما في ظل إدراك واشنطن وتل أبيب عدم إمكانية مواجهة إيران عسكريا، في ظل ما تعانيه الولايات المتحدة من تحديات كبيرة في العراق وعدم استقرار الأوضاع في فلسطين ولبنان.

وتحتل أنقرة مكانة هامة في الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، تفسرها المحددات التالية:

- مواجهة الإسلام الثوري حيت تعتبر تل أبيب أن الإسلام هو الخطر الحقيقي لها، وبالتالي تتيح علاقاتها مع أنقرة تحقيق بعض الأهداف المرتبطة بذلك، كما تخشى في الوقت نفسه من أن يؤدي توتر علاقاتها مع أنقرة إلى تحول بعض العناصر التركية -التي تعتبرها إسرائيل راديكالية- إلى الانقلاب على المصالح الإسرائيلية في المنطقة.

- الاستفادة من تركيا في كسر العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة عليها من معظم الدول العربية، وفي هذا الإطار تسعى تل أبيب لتطوير علاقاتها مع أنقرة من أجل كسب مزيدًا من الشرعية في المنطقة، وهذه الإستراتيجية قديمة منذ بن غوريون مؤسس الدول الفلسطينية حين قال: أي شخص ليس عربيا.. صديق لنا.. أكراد أو ترك أو فرس (قبل الثورة الإيرانية عام 1979)، وذلك نحو هدف الوصول إلى أرض الميعاد (من النيل للفرات)، وهي أحد أهم القضايا القومية والدينية للشعب اليهودي.

- الأهداف العسكرية: دفعت التطورات التي شهدتها العديد من دول المنطقة وتقدم بعضها عسكريًّا إلى تغيير الإستراتيجية الإسرائيلية، نحو عدم اعتمادها بصورة كبيرة على قوتها العسكرية، وفي اتجاه دعم علاقاتها سواء مع الدول العربية أو غير العربية، وقد أظهر ذلك الفشل الذريع في القوة العسكرية الإسرائيلية في حرب لبنان الأخيرة، والتي نبهت الإسرائيليين إلى الخلل القائم في النظرية الأمنية لدولتهم، وأنها عجزت عن تحقيق الأمن لمواطنيها.

خطب ود اللوبي اليهودي

إن المحددات السابقة تدفع تل أبيب إلى دعم علاقاتها مع المؤسسة العسكرية وأركان الجيش التركي بالإضافة إلى النخبة العلمانية الملتصقة بالغرب خاصة، بما يدحض بعض الأقاويل حول وصول العلاقات بين الجانبين إلى مرحلة الشيخوخة والوهن، وتوقع حدوث تحول جذري دراماتيكي في السياسات التركية تجاه إسرائيل، فلا شك أن ارتباطات تركيا الإستراتيجية بالغرب وأمريكا وحلف الأطلنطي تحول دون قطع هذه العلاقة، ناهيك عن أهمية علاقات التعاون الاقتصادي بين الجانبين.

وفي السياق ذاته، وعلى الرغم من تحفظ القادة الأتراك على السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، وما تبعه من رفض أردوغان في السابق استقبال إيهود أولمرت حين كان نائبًا لشارون، في أثناء زيارته تركيا، نجد الترحيب الكبير بالرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، في أثناء حضوره منتدى أنقرة الاقتصادي بمشاركة الرئيس الفلسطيني محمد عباس في نوفمبر من العام الماضي، والذي أسفر عن إنشاء منطقة صناعية بالضفة الغربية بتمويل تركي، وتعكس تلك التحركات التركية الرغبة في الحفاظ على العلاقات مع تل أبيب وكسر كرة الجليد، كمدخل للعب دور في المنطقة، متخذة من الصراع العربي الإسرائيلي قاعدة لهذا الدور.

بالإضافة إلى هذا الدور تنظر أنقرة إلى العلاقات مع تل أبيب، باعتبارها تحقق عددا من الأهداف التركية على رأسها:

- كسب دعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، خاصة بعد تبني لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ مشروع قرار يعتبر ما تعرض له الأرمن من مذابح خلال الحرب العالمية الأولى عام 1915 إبادة جماعية، وبالتالي لن يتأتى ذلك إلا عن طريق دعم العلاقات مع تل أبيب.

وكما هو معروف، فإن اللوبي اليهودي يسيطر على أروقة صناعة القرار في الولايات المتحدة، وأن الساسة الأتراك يدركون أن خطب وده سيعود في صورة دعم أمريكي في الملف القبرصي والكردي والأرمني، وهي المعوقات التي تحول دون تحقيق الرغبة التركية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

- أهداف اقتصادية: تبنت تركيا في السنوات الأخيرة عددا من المشروعات العملاقة لزيادة قدراتها على إنتاج الطاقة والحاصلات الزراعية، منها مشروع "جاب" في جنوب شرق تركيا بين أنهار دجلة والفرات والذي يشتمل على 21 سدًّا و14 مفاعلاً، بتكلفة إجمالية تبلغ 25 مليار دولار.

وإزاء المشكلات الاقتصادية والتقنية التي تتعرض لها أنقرة، فإن لدى تركيا رغبة في جذب رءوس الأموال الإسرائيلية والاستفادة من التقنية الإسرائيلية العالية، خصوصًا في مجال الزراعة.

إن المؤكد حاليًّا هو أن التحالف الإستراتيجي بين تركيا وإسرائيل مرشح للتصاعد، في ظل وجود أهداف مشتركة بين الجانبين، لكن في إطار وظائف جديدة وأدوار محددة لهما تحت المظلة الأمريكية، وفى خدمة أهدافهما الإستراتيجية في إطار إعادة تشكيل البنية الأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط، ووفق الإستراتيجية الأمريكية المعروفة بالشرق الأوسط الكبير، الذي يؤكد الكثيرون أن محوره الأساسي يستند على تل أبيب وأنقرة.


باحث سياسي.

* يستعرض هذا المقال تطوّر العلاقات التركية-الإسرائيلية في الحقبة الماضية ودوافعها، وما طرأ عليها سلبا وإيجابا. والجدير بالذكر أنّ وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك يريد أن يعرض على أنقرة، أثناء زيارة عمل لها يومي 11و12/2/2008م، تزويدها بقمر صناعي للتجسس، يمكن استخدامه في إطار استكشاف مواقع الأكراد شمال العراق وجنوب شرق تركيا، فضلا عن مناقشة الملف النووي الإيراني، بعد موقف رئيس الوزراء التركي أردوغان الذي أبدى تفهما لحق إيران على صعيد الطاقة النووية، في كلمته أمام مؤتمر السياسات الأمنية الأخير في ميونيخ بألمانيا، وقد قام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارة خاطفة لألمانيا للغرض نفسه.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات