|
| محجبات يطالبن بحقوقهن |
أقر النواب البرلمانيون الأتراك بصفة نهائية تعديلاً دستوريًّا يتم بموجبه رفع الحظر عن ارتداء الحجاب في الجامعات التركية، وفق ما أعلنه رئيس البرلمان "كوكسال توبتان".
وصوّت لصالح التعديل 403 نواب من أصل 550، بعدما كان قد وافق عليه في قراءة أولى 404 نواب وعارضه 92، إثر نقاش دام أكثر من 13 ساعة. وجاء في التعديل الأساسي للمشروع "لا يمكن حرمان أحد من حقه في التعليم العالي"، في إشارة إلى الطالبات المحجبات.
وبعد إقرار البرلمان هذا التعديل يحال على رئيس الجمهورية عبد الله جول؛ ليصادق عليه خلال أسبوعين، ثم يدخل حيز التطبيق بعد نشره في الجريدة الرسمية إذا لم يتم الاعتراض عليه أمام المحكمة الدستورية العليا.
سنوات من الجدل
من المؤكد أن هذه الخطوة تُعَدّ نقطة تحول في الحياة السياسية والاجتماعية التركية، خاصة في ظل الجدل الدائر منذ عشرات السنين حول هوية الدولة والمجتمع في تركيا بين فريقين، أحدهما -وهو المسيطر على مقاليد الأمور منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد كمال أتاتورك أو من يطلق عليهم العلمانيون- يدافع بكل قوته عن التوجهات العلمانية التي وضعها مؤسس الدولة. أما الفريق الآخر فهو الذي يواجه التعنت في تطبيق العلمانية، خاصة ما يتعلق منها بالمعتقدات الدينية للمسلمين الذين يشكلون نحو 99% من المواطنين.
ورغم أن حظر الحجاب بشكل رسمي كان قد بدأ بشكل قانوني بعد الانقلاب العسكري في العام 1980، حيث صدر قانون الجامعات الذي حرم العديد من الطالبات من مواصلة تعليمهن. لكن هناك تاريخًا طويلاً من المحاولات التي بذلتها الدولة التركية للقضاء على كافة الرموز الإسلامية وفي المقدمة منها الحجاب. ففي عام 1926 صدر "قانون القيافة" في فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك والذي فرض ارتداء الملابس الغربية على المرأة والرجل، بحجة التوافق مع شروط الحياة العصرية الغربية.
وفرض هذا القانون على المرأة العاملة بدواوين الدولة والحكومة، والمدرسة والجامعة أيضًا ارتداء التنورة الطويلة والبلوزة أو الجاكيت، أو التايير. وهو نفس القانون الذي استند إليه مجلس الأمن القومي في تركيا لإسقاط العضوية البرلمانية عن النائبة المحجبة "مروة قاوقجي" عام 1999.
وفي عام 1997 قام الرئيس التركي سليمان ديميرل بإصدار قرار يمنع دخول المحجبات المؤسسات التعليمية أو الوزارات والمصالح الرسمية التركية، وذلك في إطار الحملة التي قادها بمساندة الجيش لمواجهة ما اعتبره زحف التيار الإسلامي الذي استطاع الوصول إلى رئاسة الحكومة بقيادة نجم الدين أربكان الذي أجبره الجيش على الاستقالة فيما بعد.
كما منع القرار المحجبات من التردد على الأندية والمؤسسات الاجتماعية التابعة للجيش التركي، مثلما منع الصحفيات المحجبات من دخول أي مؤسسة تابعة للجيش التركي. وتعرضت مئات الموظفات للفصل أو الإجبار على الاستقالة بسبب الحجاب. واضطرت الكثير من الطالبات التركيات للسفر إلى الخارج لاستئناف دراستهن الجامعية.
"العدالة" والمعارضة العلمانية
بعد وصول حزب العدالة للسلطة في العام 2002، أعلن الحزب أنه سيسعى لإلغاء الحظر المفروض على الحجاب باعتبار أنه لا يتوافق مع المعاني الحقيقية للحرية الشخصية. وهو الأمر الذي قوبل برفض شديد من جانب العلمانيين الذين اعتبروا الأمر مقدمة لأسلمة الدولة التركية. واستمر الأمر بين شدّ وجذب حتى طرح حزب العدالة عبد الله جول؛ ليكون مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية، حيث كان بمثابة الفرصة المثالية للعلمانيين لهدم مشروع الحزب الهادف إلى التخفيف من حدة السيطرة العلمانية على مقاليد الأمور في البلاد وتوجيه البلاد نحو التصالح مع هويتها الحقيقية وهي الهوية الإسلامية بعيدًا عن التطرف لصالح فكر بعينه.
وبالفعل رفض أعضاء الأحزاب العلمانية في البرلمان حضور جلسات التصويت على انتخاب جول، الأمر الذي دفع بحزب العدالة إلى الدعوة لانتخابات مبكرة جاءت نتيجتها لصالح الحزب الذي فاز بأغلبية كبيرة اعتبرها تفويضًا شعبيًّا لمشروعه الإصلاحي.
ومرت عملية انتخاب جول رئيسًا للبلاد، ولم يعكر صفوها إلا بعض المناوشات من جانب المؤسسة العسكرية التي تغاضى عنها حزب العدالة في سبيل تحقيق أهدافه. ثم جاء مشروع تعديل الدستور للتخفيف من القيود المفروضة على حظر الحجاب. وحاولت المعارضة العلمانية تعطيل التعديل الدستوري مرة بالتظاهرات ومرة أخرى بإغراء النواب العلمانيين في البرلمان بعدم التصويت، وثالثة بمحاولة جرّ المؤسسة العسكرية للدخول في صدام مع الحكومة لمنعها من تحقيق أهدافها.
مفاجأة "الحركة القومية"
فجّر حزب "الحركة القومية" الذي يُعَدّ من الأحزاب العلمانية مفاجأة كبيرة بإعلانه تأييد حل قضية الحجاب، حيث أعلن زعيم الحزب "ولت باخجلي" في بيان له أن "الأمر بات ممكنًا من خلال إجراء تعديل في البند الثاني للمادة العاشرة من الدستور الذي ينص على ضرورة تصرف الموظفين في جميع مؤسسات الدولة الرسمية وفقًا لمبدأ المساواة أمام القانون استنادًا على حقوق وواجبات المواطنة". وأكد أن ارتداء الحجاب يخالف فقط مبدأ تساوي الموظفين أمام المؤسسات الحكومية، وشدّد أن رفع هذه المخالفة يتم عن طريق حذف البند المذكور من الدستور، مشيرًا إلى خلو الدستور من أي قانون يحظر ارتداء الحجاب في الجامعات ومؤسسات الدولة.
ولم يتوقف الأمر عند انضمام الحزب إلى المشروع، بل وصل إلى حد رفضه لاحتجاجات العلمانيين، حيث وصف نائب رئيس الحزب "تونجا توسكاي" ما يجري من احتجاجات بأنه محاولة لجرّ المؤسسة العسكرية للصدام مع الحكومة.
وقال توسكاي إن "عمر قضية الحجاب أربعون عامًا.. وزوجة رئيس الجمهورية محجبة.. فهل ذهبت العلمانية وهل ستذهب إذا سمحنا للمحجبات بدخول الجامعات؟"، مضيفًا أن حزبه يدعم التعديل الدستوري حول الحجاب "من أجل قطع الطريق أمام أي تعديلات دستورية مستقبلية يستفيد منها الإرهاب والانفصاليون"، في إشارة إلى رزمة التعديلات الدستورية الخاصة بالحجاب، الواردة في مشروع الدستور الجديد الذي أعده حزب العدالة والتنمية والذي يتيح حريات أوسع بما يخص الحجاب.
ويرى الخبراء أن موقف حزب الحركة القومية لحل قضية الحجاب يحقق له مكاسب متعددة، أولها أنه يشارك حزب العدالة الحاكم في قطف ثمار النصر أمام الرأي العام؛ وهو ما يعني تأمين أصوات محافظة له، منحت أصواتها لحزب العدالة في الانتخابات الأخيرة، ليس حبًّا بالحزب، بل انتقامًا من تدخل الجيش في السياسة.
يضاف إلى ذلك ظهور الحزب بمظهر المشارك في عمليات اتخاذ القرار مع الحكومة، خاصة أن الحزب يدرك جيدًا منذ ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة أن هناك زحفًا متواصلاً للتيار الإسلامي بقيادة حزب العدالة والتنمية وهو لا يريد أن يواجه هذا الزحف بشكل مباشر، بل يريد عرقلته عن طريق منع الحزب من تحقيق مكاسب أكبر كان سيحصل عليها في حال المواجهة معه. وهو الأمر الذي أشار إليه توسكاي نائب رئيس الحزب حينما أكد أن موافقة الحزب على التعديل الدستوري تأتي لمنع تعديلات أكبر ستحصل في العام القادم، مع طرح الدستور الجديد الذي يُعِدّه حزب العدالة للاستفتاء العام، كما سبقت الإشارة.
وربما نفس الأسباب التي دفعت حزب الحركة القومية للموافقة على تعديل الدستور، هي التي دفعت حزب المجتمع الديمقراطي الكردي لاتخاذ نفس الموقف، حيث أعلن القيادي والنائب عن الحزب أحمد تورك أنه مع إلغاء حظر الحجاب؛ لأنها قضية تتصل بالحريات.
فحزب المجتمع الديمقراطي لا يريد أن يظهر حزب العدالة الذي فاز بأصوات جزء هام من أكراد تركيا، بمظهر أن له الفضل في عملية إلغاء حظر الحجاب، حيث سيعني ذلك اتجاه مزيد من الأصوات الكردية المحافظة إلى حزب العدالة، ويحقق هدف الحزب الذي أعلنه زعيمه طيب أردوغان حينما أكد بعد الفوز الذي حققه الحزب في الانتخابات الأخيرة، أنه يريد أخذ أصوات ديار بكر (الكردية) في الانتخابات البلدية المقبلة. وهو ما ردّ عليه نواب حزب المجتمع الديمقراطي بأن "ديار بكر قلعة لن يسلموها لأحد".
المؤسسة العسكرية
أعلن رئيس الأركان في الجيش التركي يشار بويوكانيت معارضته الضمنية لمشروع تعديل الدستور. حيث قال: "إن كل شرائح المجتمع التركي تعلم ما يعتقده الجيش بشأن قضية الحجاب، وأنا لا أريد أن أتحدث بشأن هذا الموضوع".
ومع أن البعض داخل تركيا فسَّر تعليق رئيس الأركان على أنه معارضة لارتداء الحجاب في الجامعات، إلا أن ذلك كان يعني الدخول في صدام مع الحكومة، خاصة أن الجيش لا يريد تكرار الخطأ الذي ارتكبه من قبل حينما أعلن معارضته لوصول إسلامي زوجته محجبة إلى البرلمان. فكان أن جاءت الانتخابات بحوالي 340 إسلاميًّا إلى البرلمان، بل ووصول إسلامي إلى رئاسة الجمهورية؛ لتكون زوجته المحجبة هي سيدة تركيا الأولى.
المحكمة الدستورية
لكن هل تعني موافقة البرلمان على التعديل وعدم انجرار الجيش إلى الصدام مع الحكومة انتهاء القضية ودخول التعديل حيز التنفيذ؟.
بالطبع لا. فالعلمانيون لن يتوقفوا عن سلوك كل الطرق التي يمكن أن توقف هذه التعديل. ولعل من أهم الوسائل التي سيلجأ إليها العلمانيون هي القضاء، وبالأخص المحكمة الدستورية العليا.
وهناك رأيان في هذا الأمر، أحدهما يشير إلى أن المحكمة الدستورية قد تقبل طعن العلمانيين بالاستناد إلى نص المادة الثانية من الدستور التركي التي تؤكد على الهوية العلمانية لتركيا، وبالتالي قد تعتبر المحكمة أن ارتداء الحجاب في الجامعات يقوّض المظاهر العلمانية. خاصة أن المحكمة تضم غلاة العلمانيين، كما أن أحكامها غير قابلة للطعن.
لكن هناك رأيًا آخر يشير إلى صعوبة إصدار المحكمة حكمًا ضد التعديل الدستوري، حيث ستضع في اعتبارها التطورات السياسية التي تشهدها البلاد، ومنها التأييد الشعبي الجارف الذي يتمتع به حزب العدالة والتنمية وكذلك تأييد أحزاب لها وزنها في البرلمان لعملية التعديل، إضافة إلى أن إصدار قرار بإبطال التعديل سيدفع حزب العدالة إلى التعجيل بعرض الدستور الجديد للاستفتاء والذي لا يضم فقط طائفة أوسع من الحريات بشأن قضية الحجاب وغيرها، ولكن يضم أيضًا تعديلاً في بنية المحكمة الدستورية نفسها يجعلها بعيدة عن سيطرة العلمانيين.
لقد نجح حزب العدالة والتنمية في قطع خطوات مهمة في طريق تنفيذ مشروعه الإصلاحي، كانت البداية في الحصول على ثقة الشعب التركي، ثم السيطرة على المؤسسات التشريعية والتنفيذية لتنفيذ هذا المشروع والذي كان التعديل الدستوري الأخير أحد خطواته، ولن يستطيع العلمانيون الوقوف أمام هذا المشروع ما دام الشعب التركي يقف خلف من ينفذه.
|