|
| عمر البشير.. وإدريس ديبي |
رغم النفي السوداني الرسمي على لسان الرئاسة والخارجية والدفاع لأي تورط سوداني في معارك تشاد المجاورة لأقاليم دارفور، فلا يعني هذا أنه ليس هناك مصلحة للسودان في هدم نظام الرئيس التشادي الحالي إدريس ديبي ومجيء نظام حكم جديد موالٍ لها هناك، ليس فقط بسبب الخلافات بين النظامين، وإنما لأن تشاد تحولت -في سياق السعي الغربي لتفكيك السودان- لمقر رسمي للتحالف الغربي لإدارة صراع دارفور ومساندة المتمردين لتشجيع الفصل هناك، بل وتستعد -تشاد- للسماح بدخول قوة أوروبية للتمركز في حدود دارفور.
فتشاد تحولت لمركز لإدارة العمليات ضد السودان ومركز للصراع بين المخابرات الفرنسية (كممثل للغرب) والمخابرات السودانية، وهو ما اعترفت به الصحف الفرنسية علنًا مثل ألفيجارو، وكان من المنتظر -قبل 24 ساعة من هجوم متمردي تشاد الأخير- أن يشهد شرق تشاد وكذلك شمال شرق جمهورية إفريقيا الوسطى، انتشارًا لقوة أوروبية (يورفور) أعطى الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر لانتشارها، قوامها 3700 جندي فرنسي وأيرلندي وبولندي، منهم تحت زعم حماية اللاجئين السودانيين والنازحين في هذه المناطق، ما يعني مزيدًا من التدخل المتوقع في دارفور السودانية بمخلب تشادي.
والأهم أن الخرطوم لها مصلحة مباشرة في قلب نظم حكم الرئيس التشادي الحالي، ليس فقط لوجود تداخل بين القبائل السودانية والتشادية (26 قبيلة حدودية)، ما يعني أن ما يجري في تشاد يؤثر مباشرة على دارفور والعكس، ولكن لأن حكومة الرئيس ديبي التي تسيطر عليها العناصر الموالية للغرب والفرنكوفونية (وهي أقلية تعادل 7% تقريبًا) لا العناصر العربية المسلمة التي تمثل الأغلبية، حوّلت تشاد تدريجيًّا لهوية ثقافية فرنسية على حساب الهوية العربية والإسلامية، ما يضرّ بالأمن القومي السوداني الساعي لتأمين الحدود مع 9 دول إفريقية وعربية عبر نشر الفكر الإسلامي وتدعيم الهوية العربية والإسلامية فيها لو أمكن.
الهدف اختراق الغرب السوداني
فقد اعتادت الخرطوم نتيجة اشتباكها مع حدود (9) دول إفريقية وعربية أخرى أغلبها يعاني من صراعات قبلية ومشاكل عرقية، أن تتلظى بنيران هذه الصراعات التي تمتد غالبًا لحدودها مع هذه الدول، ذلك أن قوات التمرد في هذه الدول المضطربة غالبًا ما تعسكر قرب الحدود المشتركة أو تقيم داخل الأراضي السودانية وتدور بينها وبين قوات الدول الأخرى معارك مستمرة.
ولأن الوضع في تشاد أكثر حساسية؛ بسبب تحولها في عهد الرئيس الحالي لبوابة لإدخال القوات الأجنبية كي تعسكر قرب حدود السودان، ومشاركة القبائل على جانبي الحدود في القتال (قبائل المسيرية مع المتمردين التشاديين) و(الزغاوة -التي ينتمي لها ديبي- مع الحكومة التشادية)، فقد اختارت الخرطوم -كما فعلت في حالات مماثلة على حدودها المضطربة- دواء "الكي" مع هذه الأنظمة التي تساعدها على الوصول للسلطة.
ويزيد من حاجة الخرطوم في التدخل أن كلاًّ من حركة العدل والمساواة، وحركة جيش تحرير السودان -اللذين يقودان التمرد في دارفور- يعتمدان اعتمادًا كليًّا على أبناء قبيلة الزغاوة الذين يعملون في الجيش التشادي، ما يعني تورطًا تشاديًّا "قبليًّا" في قتال دارفور ضد الحكومة السودانية؛ إذ بات من المعروف أن قادة عسكريين تشاديين مناوئين للرئيس التشادي يحاربون لصالح القوات الموالية للحكومة السودانية في دارفور، وبالمقابل يشارك قادة عسكريون قبليون في دارفور موالون للخرطوم في القتال مع المتمردين في تشاد ضد حكومة ديبي.
هذا "الكيّ" غالبًا ما ينعكس على مساندة الخرطوم للمتمردين -في هذه الدول التي تحتضن المؤامرات الغربية ضدها- ودعمهم، حسبما جرى مع حركات مسلحة إثيوبية سابقًا وإريترية وأوغندية، وآخره حركات التمرد الثلاث في تشاد التي تمتد حدودها مع السودان بطول 1360 كم، بعدما وصل الاستفزاز التشادي -الذي ساهم في إشعال أزمة دارفور- حدّ قصف مدنٍ سودانية بالطائرات وقتل سودانيين وفتح بلادهم لفرنسا والغرب لاختراق الغرب السوداني من هناك.
وهو أمر تنفيه الخرطوم رسميًّا، ولكنه يحدث على أرض الواقع فعليًّا نتيجة تداخل القبائل هناك على جانبي الحدود ومشاركتها في الحروب بدون إذن الحكومات أو ربما بتسهيلات منها، ويؤيد هذا قول "موسى هلال" -الذي يتردّد أنه زعيم ميليشيا "الجنجويد" الموالي للخرطوم وعُيّن في منصب مستشار في وزارة الحكم الاتحادي مؤخرًا- إن "تغيير الأوضاع في دولة تشاد المجاورة سينعكس خيرًا على السودان"!.
أما تفسير ذلك فمرده أن استقرار حكم الرئيس الحالي ديبي معناه تنفيذ المخطط الفرنسي والغربي لنشر قوات أوروبية في تشاد تحاصر السودان من هناك، في حين أن انهيار نظام ديبي وتولي نظام حكم جديد من تيارات المعارضة الثلاثة -التي وحدتها الخرطوم- معناه فشل المخطط الفرنسي الغربي لنشر قوات هناك تمهيدًا لفصل دارفور عن السودان، كما فعلوا مع الجنوب فعليًّا!.
التلاعب السياسي له ثمن!
بعبارة أخرى من الطبيعي أن تكون الخرطوم صاحبة مصلحة في إسقاط حكم الرئيس ديبي الذي ساندته حتى تولى السلطة عام 1990، ثم انقلب عليها مع بروز أزمة دارفور بفعل الدعم الفرنسي له، ومن الطبيعي -بالمقابل- أن يحدث تدخل عسكري فرنسي حاسم ضد المتمردين عقب محاصرتهم قصر الرئاسة وسماح الفرنسيين للطائرات التشادية والفرنسية بالتحليق وقصف المتمردين الذين لا يملكون سوى عربات نصف نقل ورشاشات ثقيلة، بل وزيارة وزير الدفاع الفرنسي لـ"أنجمينا"؛ لتأكيد وقوف باريس مع الرئيس ديبي ضد المتمردين وضد آمال الخرطوم في إزاحته.
فـ"أنجمينا" ليست ضحية لهجوم المتمردين المدعومين من الخرطوم كما يقال إعلاميًّا في الغرب، وإنما هي تدفع عمليًّا -كما يقول محللون سودانيون- "ثمن تلاعبها الإستراتيجي" مع فرنسا والغرب ضد السودان؛ لأن هذه ليست المرة الأولى التي تطرق فيها المعارضة المسلحة (التي تمثل غالبية الشعب) بعنف أبواب أنجمينا؛ للمطالبة بإطاحة النظام أو الاقتسام العادل والمنصف للسلطة مع حكومة ديبي (التي تمثل الأقلية في البلاد).
فرغم محاولات الصلح بين الرئيس ديبي والسوداني المشير البشير في طرابلس والسعودية وعواصم إفريقية أخرى، فقد استمر تنفيذ تشاد للخطط الغربية في محاصرة السودان من الغرب وتسهيل التدخل الفرنسي والأوروبي في دارفور، وتجاهل مطالب المعارضة -وهم زملاء الرئيس ديبي السابقين ممن انقلبوا عليه- وتحصنت بالحماية الفرنسية، دون خطوات حقيقية لحل الخلافات الداخلية وعدم استخدام حدودها معبرًا للتدخل الأجنبي.
ولم يشفع له أنه (إدريس ديبي) وصل إلى السلطة في انقلاب مسلح في 1990، بعد أن انطلق هو أيضًا من السودان ونجح خلال السنوات الأخيرة مرات عدة في مواجهة حركات تمرد وإعادة ميزان القوى لصالحه، ثم شرع في التحالف مع المخططات الفرنسية والغربية -مقابل وعود اقتصادية- لنشر قوات أوروبية على حدوده مع السودان، ما يُعتقد أنه دفع الخرطوم لحث حركات التمرد الثلاث على توحيد جهودها وتشكيل تحالف في ديسمبر 2007، بدأ هجومه الأخير حتى وصل للقصر الرئاسي، قبل أن ينسحب تحت وطأة العمليات العسكرية الفرنسية السرية المساندة لحكومة ديبي.
ولا شك أن إعلان ديبي سيطرته على كل أرض تشاد مرة أخرى وإبعاد المتمردين -الذين قالوا إنهم انسحبوا لغرض التحصين ومعاودة الهجوم- ومساندة فرنسا والغرب علنًا له -بعدما ظهرت باريس بموقف متذبذب في البداية وحيادي كي لا تخسر المعارضة لو سيطرت فعليًّا على القصر الرئاسي- سيكون له تأثير لافت على الأوضاع في السودان وخصوصًا دارفور.
فقد ظلت الخرطوم ترفض إشراك أي قوات أوروبية في قوات الأمم المتحدة (الهجين) مع القوات الإفريقية في دارفور؛ للخشية من أن يكون هذا بداية مخطط للتدخل في دارفور ضمن فكرة تفكيك السودان شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا كي لا يتحول بموارده الهامة لقوة عظمى، وكي تسهل السيطرة على موارده المعدنية ونفطه، وجاءت فكرة نشر قوات أوروبية فرنسية وبولندية وأيرلندية في شرق تشاد كمرحلة غربية معاكسة لما ترغب فيه الخرطوم.
وطالما استعادت حكومة تشاد سيطرتها، فمن الطبيعي أن تستأنف خطط نشر هذه القوات الأوروبية التي جرى تجميدها عقب دخول المتمردين، بل إن الرئيس ديبي وجه "نداء رسميًّا" إلى الاتحاد الأوروبي لنشر سريع لقوة "يورفور" الأوروبية في تشاد وإفريقيا الوسطى، خصوصًا بعد تواتر الأنباء عن حشد المتمردين مرة أخرى لقواهم على بعد 400 كم شرق نجامينا.
خلاصة الأمر أن من حق السودان أن يقطع الأيدي الأجنبية التي تعبث بأمنه في الغرب وتسعى لتفكيك دولته -عبر المقاول التشادي-، وأنه ولو لم يثبت ماديًّا أن للسودان يدًا في دعم متمردي تشاد، فهذا لا ينفي أن هناك مصلحة سودانية واضحة وأكيدة لمدّ يدها في تشاد ردًّا على مدّ الأخيرة يدها في دارفور نيابة عن فرنسا والغرب.
أما حل الصراع في المنطقة -وغالبية الصراعات الإفريقية- فلن يكون إلا برفع الأيدي الغربية أولاً عن إفريقيا، وهو أمر محال في ظل الحاجة المتزايدة للغرب لنفط وموارد القارة، لحد تأسيس فروع رسمية للقوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، والأوروبية (يورفور) في القارة الإفريقية لهذا الغرض، ولكن تحت شعار فاسد هو "ضرب الإرهاب" الذي يُقصد به هنا "الهوية الإسلامية" التي تلعب الخرطوم -ودارفور تحديدًا- دورًا هامًّا فيها باعتبارها حلقة الوصل بين الإسلام العربي والإسلام الإفريقي يسعى الغرب لقطعها!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|