|
| متظاهر يحمل ملصق يصف فيلدرز بـ"المتطرف" |
لم تكد العلاقات بين المسلمين وأوروبا، وفي هولندا تحديدًا، تهدأ وتعود إلى حالة من السكون بعد عدة توترات وأزمات كادت تتسبب في اشتعال صراعات دامية بين الإسلام والغرب بشكل عام، حتى أثار النائب الهولندي اليميني المتطرف "جيرت فيلدرس" قلقًا جديدًا جراء مشروع فيلم يتعدى فيه على القرآن الكريم ويتهمه باتهامات باطلة، مثيرًا بذلك النقاش مرة أخرى حول طبيعة تعامل الهولنديين مع المسلمين واحترامهم للعالم الإسلامي.
بداية الأزمة
فيما يعد رسالة للمجتمع الدولي يعلن فيها الحرب على الإسلام والمسلمين، يعتزم النائب الهولندي "جيرت فيلدرس" زعيم حزب "من أجل الحرية"، عرض فيلم قصير خلال هذا الشهر حول القرآن الكريم، يزعم فيه "أن هذا الكتاب رهيب وفاشي يحرض أتباعه على الكراهية والعنف"، ويتضمن الفيلم، البالغة مدته 10 دقائق، لقطات لتمزيق وتدنيس المصحف الشريف، على اعتبار أنه - أي المصحف - يضم "العديد من النصوص التي تدعو المسلمين إلى اضطهاد وقمع وقتل المسيحيين واليهود والمخالفين، وتدعو إلى ضرب واغتصاب النساء وإقامة الدولة الإسلامية بالقوة"، وقد اعتبر "فيلدرس" أن شعور المسلمين بأن الفيلم أهانهم هو شيء مؤسف إلا أن هذا ليس مشكلته.
وفي حين لم يُعرف حتى الآن في أي وسيلة سيتم عرض الفيلم فيها، أعلن "فيلدرس" تصميمه أن يبث عبر التليفزيون أو الإنترنت ليضمن نسبة مشاهدة عالية، غير أن قناة "نوفا" العامة، والتي أعلنت عزمها بث الفيلم، تراجعت عن موافقتها المبدئية، بعد أن عبرت الحكومة عن أملها في ألا توافق أي من وسائل الإعلام الرئيسية على عرضه، على اعتبار أن إذاعته في أي قناة عامة يعني ضمنا أن الحكومة تدعمه.
الموقف الرسمي للحكومة الهولندية
بالنظر إلى موقف الحكومة الهولندية من الفيلم الذي يتوقع أن يثير غضب واحتجاج المسلمين في الداخل والخارج، نجد أنها اتخذت موقفًا سلبيًا يتلخص في استعدادها للتعامل مع الأزمة في حال تطورها، دون أن تقوم باستئصالها من البداية، وهو موقف ليس بجديد على السلطات الهولندية والأوروبية عامة.
فعلى المستوى الداخليومنذ الإعلان عن الفيلم تعيش الحكومة الهولندية حالة من التأهب القصوى لدراسة ما يمكن أن يترتب على عرض الفيلم من عواقب كارثية، حيث تخشى أن يثير ردود فعل ساخطة وعنيفة، ولذلك عملت الحكومة على النأي بنفسها عن الفيلم، حيث عقد الوزراء والمسئولون الحكوميون سلسلة من الاجتماعات مؤخرًا لبحث القضية، وأصدروا أوامر لجهاز مكافحة الإرهاب بإعداد خطط لمواجهة أي ردود فعل غاضبة، كما حرصت القيادات الأمنية المحلية على الاجتماع بصفة دورية مع أئمة ومسئولي المساجد وشخصيات مؤثرة واعتبارية بهدف التعاون والتنسيق لتجاوز الأزمة.
وبالإضافة إلى ذلك أرسل وزير الداخلية "خوشيو تار هورست" رسائل لرؤساء البلديات يطالبهم فيها بمزيد من الحذر، والتأكيد على أن الفيلم لا يعبر عن رأي هولندا، وإنما عن رأي "فيلدرس".
أما على المستوى الخارجي فلم يجد رئيس الوزراء الهولندي "يان بيتر بالكينيندي" سوى إبلاغ السفراء والبعثات الدبلوماسية في الخارج بالموقف الرسمي لبلاده ليتم إيضاحه للعالم، ويتلخص في أن الحكومة لا تتبنى آراء "فيلدرس".
وفيما يبين حجم الهلع والخوف الذي ينتاب الدولة من تداعيات هذه الأحداث، طالب "بالكينيندي" رعايا هولندا في الخارج بتسجيل أسمائهم في السفارات والقنصليات ليتمكنوا من جلبهم إن حدث مكروه، وأن يأخذوا حذرهم، كما شدد "بارت رييس" الناطق باسم وزير الخارجية "مكسيم فيرهاخن" على أن هولندا لديها دائما سيناريوهات جاهزة لمواجهة أي كوارث محتملة، وتعد حاليًا خطة طارئة لإجلاء مواطنيها من أي مكان.
واستمرارًا لهذا الموقف الرسمي غير المنصف، أكد "فيرهاخن"، خلال منتدى "تحالف الحضارات" في مدريد الأسبوع الماضي، أنه من الصعب استباق الفيلم وإعطاء الرأي حول مضمونه بدون مشاهدته.
ردود الفعل
كالمعتاد يتوقع أن يكون للفيلم في حال عرضه، وهو أمر ليس مستبعدا، ردود فعل داخلية وخارجية غاضبة، أخذًا في الاعتبار الحوادث المماثلة السابقة، وفي هذا السياق دعت المؤسسات الإسلامية والأئمة والمثقفون في هولندا المسلمين لتجنب ردود الفعل العنيفة، واستثمار ما تتيحه القوانين للرد على الإساءة، كما أكد أئمة هولندا على حق المسلمين في الاستنكار والغضب للإهانة المحتملة للقرآن، لكن بطرق مدروسة، حتى لا ينقلب الرأي العام ضد المسلمين. ويتجه الرأي العام في هولندا نحو التحرك مع جهات حكومية وشخصيات اعتبارية للضغط على "فيلدرس" من أجل عدم عرض الفيلم إذا اتضح أن به إساءة للمسلمين.
أما خارجيا فيمكن القول بأن الكل ما زال "نائمًا" باستثناء تحذير مفتي سوريا "أحمد بدر الدين الحسون" من أن يؤدي إقدام "فيلدرس" على تدنيس القرآن إلى حرب وإراقة الدماء، محملا الشعب الهولندي مسئولية منعه من ذلك.
حوادث سابقة
ليست هذه الإساءة المرة الأولى التي يعتدى فيها على الإسلام والقرآن بالباطل، فتاريخ الإنسانية مليء بمثل هذه الاعتداءات الغربية الغريبة، وهناك العديد من الحالات التي حدثت مؤخرًا وتعتبر - مثالاً لا حصرا - حملات استهداف عدواني متعمد ومتكرر على الإسلام من قبل جهات كرّست نفسها للإساءة له عقيدةً ورموزًا وفكرًا وسلوكًا، ولا أحد ينسى قضية رسوم النبي محمد التي نشرتها صحيفة دنماركية نهاية 2005، وأدت الاحتجاجات حينها إلى مقتل مئة شخص في العالم وتعرض السفارات الدنماركية في العالم الإسلامي لهجمات والشركات الدنماركية للمقاطعة.
وعلى صعيد الدولة الهولندية، التي تزعمت مع الدنمارك وإيطاليا قيادة الحملات الأوروبية ضد الإسلام، شهدت أمستردام في نوفمبر عام 2004 توترات وحوادث عنف عدة عقب مقتل المخرج السينمائي "ثيو فان جوخ" على يد شاب مسلم من أصول مغربية احتجاجًا على فيلمه "الخضوع"، الذي يدور حول المرأة والإسلام، ويتضمن مشهدًا تظهر فيه آيات من القرآن الكريم على أجسام نساء عاريات، وقد أصدرت السلطات الهولندية حكمًا بالسجن مدى الحياة على قاتل هذا المخرج.
كما سبق لـ"فيلدرس" نفسه أن قدم طلبًا بمقترح للبرلمان يدعو فيه لحظر حيازة وتداول القرآن بهولندا، مقارنًا إياه بكتاب هتلر "كفاحي"، ودعا إلى وقف هجرة المسلمين، إلا أن هذا المقترح لم يجد آذانا صاغية من خارج حزبه، الذي يمتلك 9 مقاعد فقط من أصل 150. وغير ذلك من الحالات والحوادث التي وصف فيها الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بشتى النعوت السيئة.
وقبل أن نحدد الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه "الحماقات المتكررة"، هناك ثمة ملاحظات يجب التنويه إليها، وهي:
1- الإسلام والمسلمون أصبحوا في مرمى هجمات استهدافية مخطط لها، وليس هذا -كما قد يقول البعض- الاعتقاد بـ"نظرية المؤامرة"، لكنها حقيقة واضحة تتأكد كل يوم، وأغلب الظن أنها سوف تتوالى ولن تقف عند حد، ونتساءل: هل يتجرأ أي أوروبي باسم حرية التعبير أن يقوم بعمل فيلم أو مقال عن "كذبة الهولوكوست".
2- هذه الهجمات على الإسلام بعيدة كل البعد عما تدعيه أنه حرية رأي وتعبير، فالحرية لم تكن في يوم من الأيام ساحة لسب الأديان وتحقيرها والاستخفاف والتشويه والتطاول عليها، خاصة الديانة الإسلامية دون سواها من الديانات، والتي وجهوا لها ولمعتنقيها والمؤمنين بها إهانة متعمدة.
3- هذه الهجمات في مجموعها وتواليها هي هجمات استهدافية تفرزها نزعات عنصرية حاقدة، وهي دون أدنى شك شكل منفّر من أشكال الحروب الدينية البغيضة على العالم الإسلامي، تستهدف إلصاق تهم العنف والإرهاب به وبرموزه الدينية.
4- المتطرفون المعادون للعرب والمسلمين عرفوا كيف يمكن استفزازهم من خلال سلسلة أعمال أدبية وسينمائية ورسوم كاريكاتورية استثارت غضبهم إلى درجة القتل والحرق والفوضى العارمة، وخلق واقع جديد يدفع إلى كراهية المسلمين في أنحاء العالم، لا في أوروبا فقط، فما يريده هذا الفيلم الجديد هو دفع المسلمين للظهور بمظهر المتطرفين الخطرين أمام كاميرات التلفزيون، ويتمنى أن يرتكبوا أكبر قدر ممكن من الفوضى لدفع الرأي العام نحو استصدار تشريعات تضيّق عليهم.
5- دائمًا ما تكون ردود الفعل الإسلامية على هذه الهجمات الاستهدافية إما معدومة تمامًا، وإما خجولة متواضعة مشرذمة، الأمر الذي جعلها تشكل تربة خصبة لهؤلاء الذين يقفون خلفها، مما أدى إلى استفحالها وتماديها واتساع رقعتها، لكن مع ذلك يجب الإشارة إلى أنه بدأ في الآونة الأخيرة مرحلة جديدة اتسمت بردود فعل قوية تراوحت ما بين اتخاذ خطوات سياسية أو احتجاجات شعبية والمقاطعة التجارية.
6- الهجوم على الإسلام، مهما كان ظالمًا، يعطي فرصة للحديث عنه بشكل إيجابي أيضًا، فهناك جمهور كبير من الناس يصبحون أكثر استعدادًا للتعرف عن قرب على الموضوعات ذات الجدل، والحرية في الغرب تتيح فرصة ثمينة لمن أراد أن يعرض وجهة نظره.
7- هناك تقصير واضح في وسائل الإعلام العربية والإسلامية في مقابل هذه الهجمات التي اتخذت من وسائل الإعلام الغربية مطية لها، وهي ملاحظة متكررة لا تجد من يأخذ بها إلا القليل غير الكافي.
8- بقدر الشعور بخيبة الأمل من المواقف المخزية لبعض الغربيين، بقدر ما يتضح أيضًا أن العيب في الآخر بقدر ما هو في المسلمين، إذ يساهم عدد ليس قليل منا دون مواربة في نشر الفكر الظلامي والتأويلات المغرضة للديانة الإسلامية التي دعت من خلال نصوصها الرئيسية - السنة والقرآن - إلى نبذ العنف والتطرف.
وتعقيبًا على ذلك يمكن القول إن ما تواجهه الأمة الإسلامية اليوم من اشتداد للأزمة، يجب أن يمثل قوة لإحقاق الحق، وذلك بالإصرار على التمسك بتعاليم الإسلام السمحة، التي تكبح كل غلو وانحلال، فالرفض لهذه الهجمة لا ينبغي له أن يقف عند حدود الشجب والاستنكار، بل ثمة وسائل سياسية واقتصادية إذا كان هناك إجماع عليها سوف تكون لها نتائجها الفاعلة، والكل يتذكر قضية الرسوم المسيئة، ولذلك يمكن اتباع عدد من الوسائل التي عن طريقها يمكن الرد على هذا الفيلم الهولندي بنفس الطريقة، وأهمها:
- الدخول في المناظرات التي سيتيحها الفيلم رغما عنه، فوسائل الإعلام الغربية ستهتم بنقاش الموضوع، وستعطي الفرصة المثقفين المختصين في الشأن الإسلامي بتقديم وجهات نظرهم حول القرآن وشرحه تعاليمه وآدابه.
- تصعيد هذه القضية علميا من خلال البحوث والدراسات واستطلاع آراء العامة منهم ومقارنة ذلك بالعداء للسامية.
- السعي مجددًا لسن قانون دولي من الأمم المتحدة يجرم من يسيء للإسلام والمسلمين كما صدر لليهود قانون حول الهولوكست، وعدم استثمار أحداث 11 سبتمبر في نشر العداء ضد المسلمين، فهذه خطوط حمراء يعرفها الغرب.
- أمام العالم الإسلامي لمواجهة هذه الحملات فرصة أيضًا لاستمرار الجهد وتكثيفه لتنقية ساحته من فلول المتطرفين، فذلك من شأنه نزع الذرائع التي يتذرع بها الخصوم للنيل من الإسلام والمسلمين.
باحث في مركز دراسات الخليج
|