English

 

الثلاثاء. فبراير. 5, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

لبنان بلد الضحيتين الطريدة والرهينة! يبقى أم يفتت؟

أمين محمد حطيط

Image
العميد الدكتور أمين حطيط
قامت الدولة -الدولة في المطلق- أساسًا لحفظ أمنِ من دخل فيها؛ لأن الأمن في الأصل هو ما جعله يتنازل عن بعض حقوقه ليحفظ حياته. ولذلك أسميت الدول في شكلها الأول بالدولة الحارس أو الدولة الشرطي -(etat police)، وظل الأمن مع تطور وظائف الدولة ونظم أداء هذه الوظائف هو الوظيفة الأخيرة التي لا يمكن التنازل عنها أو التهاون في أدائها أو حتى إيلائها للآخرين. حتى إن سيادة الدول ارتبطت بشكل وثيق بمظهر الجهة التي تؤمّن أمنها أو تمسك بقرارها الأمني، وتنعدم السيادة أو تُفقد إن تخلّت أو تنازلت الدولة عن تأمين أمنها لآخرين، وتُنتقص إن شاركها آخرون، خاصة من غير رضاها بتأمين هذه الوظيفة. وغالبًا ما يكون التشتّت الأمني أو التوزّع في ممارسة الأمن بين الدولة وسواها مدخلاً لتراجع وحدة الدولة، تراجعا قد يقود إلى تجزئتها.

الأمن أساس الملك

وللأمن في الأساس وجهان:

- وجه تُوَّجه فيه الجهود لمنع قوى خارجية من انتهاك الدولة، خاصة أرضها وسلامة الشعب وحقوقه، ويضطلع بالشأن هذا جيش الدولة عبر مهمة الدفاع الوطني، وإن عجز الجيش عن ذلك استعاد الشعب مهامّ القيام بالواجب في إطار ما يعرف بالمقاومة الشعبية أو الوطنية والتي تتجانس مهامها مع مهام الجيش في الدفاع، دون أن تتماثل معه في الشكل وفي الوظائف الأخرى.

- ووجه تُوجّه فيه الجهود لمنع قوى داخلية أو محلية أو حتى خارجية مقنّعة من انتهاك سلامة الأفراد وتجاوز القانون الذي ارتضوه شريعة ينظمون علاقاتهم البينية على أساسه، ويضطلع بالمهمة هذه قوى أمن تستأثر بالممارسة دون شريك، ولا يبقى للفرد من الأمر إلا أن يمارس حق الدفاع عن النفس في ضوابط صارمة لا يمكن تجاوزها. وإن الوجود المادي الأمني اليومي للدولة يتمثل عادة أو قل في المألوف من السلوك بين الدول بالشرطة أو بالبوليس بالتسمية الغربية police الذي يظهر أمام المواطن متلقيًا لشكواه، مزيلاً لخوفه، مُدخِلاً الطمأنينة إلى قلبه، ما يجعل الفرد بعد ذلك قادرًا على العمل والسعي وممارسة الحقوق مطمئنًّا إلى استعادتها إن اغتصبت، إلى آخر ما يقال في هذا المجال.

وإذا كانت الوظيفة الأولى للدولة هي الأمن، فإن الوظيفة الأخيرة التي تبقى للدولة في ضعفها هي الأمن، فإن ذهب الأمن كان ذهابه إيذانًا بالشروع في ذهاب الدولة، إن لم يتدارك الشعب المخاطر ويعاد إحياء الذات من باب جديد يعيد للأمن قوامه. وهنا نصل إلى المهم، وهو أن الآمن -خاصة في وجهه الداخلي- لا يُفرض عنوة، ولا يكون بالقوة ضد الشعب، بل إنه منتج لاتفاق الشعب فيما يسمى الإرادة العامة والوفاق الوطني الذي وحده ينشئ الأمن ويقيم بنيانه، وتأتي القوى العسكرية لحراسة البنيان وحفظه؛ ولذلك نقول: حفظ الأمن هو واجب السلطة عبر أجهزتها، أما إيجاده وإنشاؤه وبناؤه فهو واجب الشعب يظهره باتفاقه ووحدته على أسسه ومبانيه.

فالأمن إذن وجود وحراسة وحفظ.. يوجده الاتفاق السياسي ويحفظه العمل العسكري، وإذا عجزت القوى عن حفظه، كان الاتفاق السياسي الوطني معينًا على تطوير الأداة التي يستعاد تنظيمها وتعود لممارسة حفظ شيء لم يُفقد بوجود الاتفاق، أما غياب الوفاق فإنه يعقّد وظيفة الأداة، ويجعلها تظهر بمظهر العاجز مهما بذلت من جهود وقدمت من تضحيات.

اغتيال الأمن بعد المؤسسات

وبإسقاط هذه المبادئ والمفاهيم على الحالة اللبنانية نستنتج وبكل بساطة أن هذه الدولة خُطّط لها لتزول بالشكل الذي كانت قائمة فيه، وليحل مكانها كيانات يُخطّط لها "المهندس العالمي". ولنراقب ما حصل ونحلّل وبعدها نصل إلى النتائج.

نبدأ من جريمة 14 شباط 2005، فعندما وقعت ومن غير أي بينة سارع فريق لبناني وبإيحاء ودفع من المخطّط الخارجي إلى تحديد القاتل وإدانته ومحاكمته قبل أي تحقيق أو بيّنة، والملفت يومها أنه في الساعات الأولى للجريمة رُفعت صور قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية من قبل "الجماهير التي وصفت أمريكيًّا بأنها تنفّذ ثورة"، وأسميت الثورة من قبل القائمين بها في لبنان "ثورة الأرز"، ورفعت صور الضباط الأربعة باعتبارهم شركاء في الجريمة، أو فاعلين أصليين، ولم يبق إلا تحضير الدليل على ذلك؟ لأن أكذوبة رُوّج لها يومها أن "الحسّ الجماهيري لا يخطئ. يومها قلنا (مقالتنا في جريدة السفير اللبنانية) إن استهداف رجال الأمن يعني استهداف الدولة؛ لأن الأمن هو المظهر الأول والأخير للدولة؛ إذ تقع بقية مظاهر الدولة وبكل شيء بين حدّي الأمن القائم أولاً والمستمر أخيرًا. ألقي الضباط في السجن، ولكن لم يتوقف مسلسل التفجير. وكنا نعتقد مع كثيرين أن انحلال الدولة، كما يريد المخطّط لا يكون إلا بإفقادها أمنها وسوقها إلى الفتنة الأهلية.

لكن الحريصين والعقلاء من الوطنيين اللبنانيين عطّلوا على المخطط مبتغاه ولم تقع الفتنة، فانتُقل إلى خطة بديلة هي هدم المؤسسات الدستورية، ونُفّذ ذلك بالفعل وبشكل منهجي مدروس مبتدئًا بالمجلس الدستوري وصولاً إلى رئاسة الجمهورية مرورًا بما تبقّى من مؤسسات أخرى، خدمة لأهداف المخطط.

الخطة إذن هي إزالة لبنان الدولة الموحدة التوافقية لإقامة الكيانات العنصرية التي تحلّ مشكلة إسرائيل بدءًا من لبنان (وينفذ التوطين)، وهذا ما حاول العماد لحّود تفاديه عند انتهاء الولاية، فعهد بالدولة (المعطّلة مؤسساتها بعد تعذر انتخاب الرئيس) للمؤسسة العسكرية التي كان الإجماع عليها قائمًا من قبل الشعب من غير استثناء ظاهر، وهنا التفت المخطط وبعد الإجهاز على المؤسسات السياسية إلى البنية العسكرية والأمنية في البلاد التي بمقدورها حسب الظن أن تبقي الدولة قائمة لوقت يُلزم المتخاصمين حولها وفي داخلها لإيجاد الحلول وسبل الوفاق. وهنا كان بيان الرئيس لحّود "الأمني" بمثابة صكّ إبراء ذمة له وإيجاد الطمأنينة للمواطنين أن لديهم من يؤمّن استمرار دولتهم من غير قلق قاتل ينتابهم حول المصير، وناغمه قائد الجيش العماد سليمان بأن "الأمن تكليف عام" أي أنه لن ينتظر أمرًا من أحد حتى يحفظ الدولة في أمنها.

انتبه "المهندس العالمي" الذي ما زال يعمل برغم إخفاقاته السابقة في السياسة والحرب، والتفت إلى الأجهزة تلك ليوجّه إليها الضربة بعد أقل من 3 أسابيع على صدور البيان الرئاسي، فكان اغتيال مدير عمليات الجيش العميد فرنسوا الحاج (الذي رُقّي بعد الاستشهاد إلى رتبة لواء)، وقد قرأنا يومها في الاغتيال ذاك أنه ليس اغتيالاً لشخص فحسب، بل إنه نيل من المؤسسة الحامية للوطن، وإنه الطريق إلى اغتيال الوطن. ثم جاءت الضربة الثانية حين تعرضت سيارة للسفارة الأمريكية لهجوم نال فقط من لبنانين مدنيين قتلاً وجرحًا، في ضربة تصيب الجسم الأمني الثاني بعد الجيش: قوى الأمن الداخلي.

الاغتيالات تحت المجهر

إن تحليلاً جادًّا للعمليات الثلاث المذكورة التي حدثت في الشهرين اللذين تليا فراغ سدة الرئاسة من شاغلها (رئيس الجمهورية) يوصل إلى ما يلي:

1- بعد أن أُجهز على الدولة في مؤسساتها الدستورية السياسية، وقام الفراغ أو التعطيل بعدم الوجود أو استحالة عمل المتبقي منها بسبب انعدام الشرعية، تحول المخطّط في اختيار أهدافه من أهداف سياسية وإعلامية إلى أهداف عسكرية وأمنية، ما يعني أنه اطمأن إلى نجاحه في القضاء على الدولة سياسيًّا، وعليه أن يكمل بالإجهاز عليها أمنيًّا، فلا يبقى لها بعد ذلك وجود، وهنا تتحقق أهداف "الفوضى الخلاقة" التي لم تستطع أمريكا أن تنشرها عبر فتنة أهلية عملت لها منذ البدء في التنفيذ وكان حرص الوطنيين اللبنانيين وذكاؤهم، وكذلك قوتهم الذاتية مع مناعتهم معطلاً لهذه المحاولة؛ لذا اعتُمد أسلوب القتل الفردي أو التفجيرات المتنقلة لزعزعة البنيان بعد أن تعذر الهدم بالإحراق العام؛ لذا كانت الآن، الأهداف المختارة عسكرية لتقضي على آخر ما تبقى مما يُجمع اللبنانيون عليه.

2- إن اختيار مسرح تنفيذ العمليات الإجرامية الثلاث الأخيرة وظروف تنفيذها، له من الدلالة ما يقود إلى القول إن المنفّذ ليس متطفلاً على العمل الجرمي، بل يملك الاحتراف العالي المستوى، كما أنه على قدر كبير من الطمأنينة إلى قدرته على الإفلات من الملاحقة، خاصة أن مسرح الجريمة يُعتبر في لبنان في المنظور الأمني والعسكري هو الأهم والأرقى من حيث المراقبة وتماسك التدابير وفعاليتها؛ لأن المنشآت الأمنية والسياسية والعسكرية الواقعة فيه هي الأهمّ والأعلى والأخطر في الدولة اللبنانية، بدءًا من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الدفاع والمديرية العامة للأمن الداخلي بكل فروعها والأمن العام والوزارات الهامة الأخرى، العدل والمالية وما إليها. وفي هذا التحدي رسالة ضمنية من المخطّط تقول إن أحدًا لن يستطيع أن يصل إليه، وإنه يضرب في المكان الأكثر حساسية في لبنان والذي يُفترض أن يبلغ الأمن حدّه الأقصى فيه، إنه يريد أن يقول "أنتم أعجز من الوصول إليّ" أو بشكل آخر فإنه يوحي بأنه آمن في حركته؛ لأنه مؤثّر أصلاً في قرار الملاحقة، إنه بالغ القوة أو بالغ الثقة بالنفس بعلاقته بالجهة التي تأمر بالتعقّب أو بتدابير مَن يملك القدرة على التعقّب؛ لهذا فهو مطمئن، وعلى المعني أن ييأس حسب إرادة المخطط.

3- إن اختيار الضحية على أهميتها، لا يخفي المستهدَف الحقيقي والأساس من العملية، وهو الجيش في الأولى وقوى الأمن الداخلي في الثانية، أما العملية الوسيطة، فإن في قراءتها ما يقود إلى الاعتقاد بقصدٍ لدى المخطّط للتمويه وحَرْف النظر عن الفاعل الحقيقي، لتغيير في طبيعة الهدف، والمتابع المعني بالشأن يعرف تمامًا القصد هنا؛ إذ ما الذي تعنيه عملية تقديم أمريكا ضحية في لبنان وهي التي تحكمه فعليًّا وتملك كل قراره الرسمي اليوم، خاصة أن أحدًا من اللبنانيين الوطنيين الحقيقيين لم يعلن المقاومة المسلحة ضدّ أمريكا في لبنان.

4- يبقى أن نشير إلى دور جوقة "السياسيين الحاضرين والمستنفرين" إلى توجيه التهمة الجاهزة عند كل عملية تفجير، سواء في ذلك عندما كانت الأهداف سياسية، أم عندما تغيرت طبيعتها إلى عسكرية، ونطرح السؤال، هل أن ذلك يتم عن علم وقصد من هؤلاء لتغطية المجرم الحقيقي ولِحَرْف التحقيق عن مساره، كما حدث في سلسلة الشهادات المزورة التي اختفى أصحابها بعد أن سقطت شهاداتهم دون أن تسقط مفاعيلها بإلقاء 4 ضباط في السجن أقرّت المراجع الدولية بأنهم معتقلون سياسيون وليس لهم في القضاء شأن يداعبهم به.

فئة طريدة وأخرى رهينة 

وعليه، نقول إن اغتيال الشهيد النقيب وسام عيد (الرائد بعد الاستشهاد) لم يكن اغتيالاً لضابط فحسب، على أهمية ما يملك هذا الضابط من كفاءة وإمكانات ومعلومات، بل إنه في العمق عمل يشكل حلقة من سلسلة تستهدف الجسم الذي ينتمي إليه -قوى الأمن الداخلي- وعبره الوطن، وإن المجرم عندما يهمّ بإطلاق النار على هدفه لا يختار من الجسم إلا الأعضاء الأكثر تأثيرًا على الدور والوظيفة والحياة، ويكون في اختيار الرائد عيد كما في اختيار اللواء فرنسوا الحاج شهادة من القاتل المجرم بفعالية هؤلاء، هذا أولاً، ولكن قبل ذلك وبعده يبدو القرار من قبل المجرم باستكمال تفكيك الدولة والإجهاز على الوطن.

وهنا لا يكون الردّ باتهام وصراخ من غير بيّنة، ولا يكون باحتفال وتعطيل للتكريم وإن كان الأخير مطلوبًا وواجبًا على الجميع، بل يكون الردّ في: معرفة ما يُخطّط للوطن، والسير عكس الخطة، عبر إعادة تشغيل المؤسسات، بدءًا من المجلس الدستوري الذي عُطّل أولاً وصعودًا إلى رئاسة الجمهورية، وإن ذلك لا يكون إلا عبر وفاق وطني يعترف لكل ذي حق بحقه ويُعطاه فلا يكون عزل أو استئثار.. وإلا حققنا بأيدينا ما خطّط عدونا إليه، وكنا مصداق ما يراد للمنطقة من تركيب وفقًا لكيانات عنصرية، أعلن بوش أولها: "إسرائيل دولة لليهود". ويريد أن يُحكم لبنان بدستور هو يضعه فيجعل حكومة معينة (تحولت إلى وكيل تفليسة المشروع)، حكومة منتخبة ديمقراطيًّا، أي هو الذي انتخب وهو الذي يقرّر أي ديمقراطية يريد لنا لهدم وطننا بعد أن آل الحاكم فيه كما قلنا إلى وكيل تفليسة، أو موصّف أمريكي للدولة الديمقراطية.

بعد هذا نقول إن اللبنانيين اليوم جميعًا هم ضحية خطة جهنمية تريد الإجهاز على وطنهم، مع اختلاف خلفية وتكوّن الضحية واستهدافها، ففئة منهم ضحية الاستهداف المباشر من قبل المخطّط لتمسّكها بحقّها ووطنها ورفضها التنازل عن حقوقها الوطنية، والأخرى ضحية التغرير والوعود الكاذبة ما جعلها رهينة في قبضة المخطط. اللبنانيون اليوم إذن إما طريدة ملاحقة، وإما رهينة مغرّر بها، وكلا الفئتين ضحية: واحدة فرضت عليها المواجهة، والأخرى بإرادتها وبمطامعها تحوّلت إلى ذلك، فحُوّل لبنان إلى بلد الضحيتين ليُقتل الوطن عبرهما.

إذا كانت إسرائيل هي الدولة العنصرية الأولى بالاعتراف الأمريكي، فهل تصرّ أمريكا على ارتهان لبنان عبر فئة محلية تشغل الآن بشكل غير مشروع مقاعد السلطة اللبنانية؟.. هل تصرّ على قرارها بتفتيت لبنان لإقامة الكيانات العنصرية التي تلي وتحاكي إسرائيل في عنصريتها؟ المحاولات من قبل أمريكا مستمرة، ولكن فرص النجاح كما يبدو هي حتى الآن متدنية؛ لأن "الطريدة" أقوى مما توقّع المخطط، وبات الآن فشل المشروع شبه أكيد.. لذا قلنا بأن ممثلي الرهينة انقلبوا إلى وكلاء تفليسة المشروع الأمريكي في لبنان، وتبقى المتابعة.


أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية والإسلامية – خبير استراتيجي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات