|
| دبابة ميركافا رمز إخفاق عسكري إسرائيلي |
أخيرا.. وبعد طول انتظار خرج القاضي ابن الثمانين عاما "إلياهو فينوجراد" ليعلن عن "الزلزال" السياسي الذي توقعته مختلف الأوساط الإسرائيلية والعربية والدولية لاعتبارات كثيرة، لعل أهمها ما تشكله إسرائيل من مكون رئيس في شبكة العلاقات السياسية المتشابكة في هذه المنطقة من العالم. لكن "الهزات الارتدادية" لهذا الزلزال سرعان ما بدأت تظهر للعلن، لاسيما أن أهم ما جاء في التقرير "الأشهر" في إسرائيل هو التركيز على الإخفاقات العسكرية ومظاهر القصور الميدانية، بحيث بدا الجيش الإسرائيلي وكأنه "كبش الفداء" الذي ضحى به الساسة خوفا من الإطاحة بهم، وهي سابقة تاريخية في لجان التحقيق الإسرائيلية، ذلك أن المؤسسة العسكرية - كما جرت العادة - تبقى بمنأى عن أي انتقاد أو اتهام، لدرجة أن شبهها الكثيرون بـ"البقرة المقدسة".
السطور التالية ستبحث في أهم ما اعترى الجيش الذي كان إلى ما قبل سنوات عديدة "لا يقهر"، من عوامل "تعرية" وقصور وتراجع، بعيدا عن التفاصيل الجزئية التي احتواها تقرير فينوجراد ذو الـ600 صفحة، وجاء خلاصة للقاءات مع أكثر من 75 شخصية عسكرية وأمنية، بعضها كان.. وبعضها الآخر ما زال، في صلب مواضع صناعة القرار الإسرائيلي، محاولين في النهاية طرح ما إذا كان الجيش بالفعل يستعد جيدا للحرب القادمة الآتية لا محالة، على الأقل حسب ما أورده ملخص التقرير في جزئه العلني على الأقل.
الدعم اللوجستي والجمود الذهني
منذ تأسيس "جيش الدفاع الإسرائيلي" قبل ستين عاما أعلن "دافيد بنجوريون" أول رئيس حكومة ووزير دفاع أن نقطة الضعف الجوهرية لا تكمن في نقص تسليحه وإمداده بالمعدات، بل في أي هزيمة قد تلحق به، كون إسرائيل لا تحتمل الهزيمة، ولو لمرة واحدة، قائلا: إذا انتصرنا في خمسين حربا، فلن نُخضع العالم العربي، لكن يكفي العرب أن ينتصروا في حرب واحدة من أجل القضاء علينا! مما يؤكد الحاجة الدائمة لإنجاز حاسم سريع وحاد وأليم قدر الإمكان، من أجل إبعاد موعد النهوض العسكري والنفسي للخصم.
ومع ذلك، اعتاد "تساهال" (الاسم العبري للجيش) خلال العقود الماضية، بعد أي مواجهة عسكرية يخوضها داخل فلسطين وخارجها، إمداد وحداته وفرقه بالمعدات اللازمة، وآخر ما تفتقت عنه قريحة الصناعات العسكرية، من خلال تكبير المواقع وإمدادها بالقوة البشرية ومعدات التسلح، وإقامة المزيد من الكتائب والألوية، وجمع كميات كبيرة من الأسلحة، بحيث نجح في الاستثمار بكل شيء تقريبا، وفي الوقت الذي حرص فيه على جمع كل الإمكانيات التكنولوجية التي لا تُستخدم في غالبيتها، وتحصيل كل الوسائل القتالية التي سرعان ما تصبح قديمة، فإن تلك الاستثمارات والتطوير العسكري تستهلك حيزا هاما من الموازنة المالية وصلت ذروتها بنسبة 30% من مجملها، وفي ذات الوقت فإن هذا الدعم اللوجستي لم يرافقه أي تجديد لذهنية عسكرية ترافقه وتستفيد منه!
وفي قراءة سريعة للحروب التي خاضها الجيش الإسرائيلي، يمكن الاستدلال بصورة لا تقبل الشك على أن هناك اهتماما ملموسا في التطوير العسكري واللوجستي، وتراجعا "ملموسا" أيضا في تطوير الذهنية العسكرية والنظريات الإستراتيجية، خاصة في حروب 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، 1987، 1996، 2000، 2006، ولعل المواجهات التي خاضها الجيش مؤخرا تدفع لطرح التساؤلات التالية:
- كم مرة يتوجب ذكر أن الصدام بين جيش مسلح بطائرات "إف15" ودبابات المركافاه، وبين تنظيم عصابات، لن ينتهي بانتصار ذلك الجيش الضخم؟
- عدا عن ذلك، لماذا فشل الجيش مرة أخرى في مجال الحماية والتحصينات، خصوصا في تطوير منظومة مضادة للقذائف الصاروخية، وفي بناء الملاجئ الملائمة والجاهزة للحرب الطويلة؟
- ولماذا يدخل الجيش معارك لم يستعد لها، ولم يُجهز نفسه لمواجهة قاذفات الصواريخ بصورة ناجعة؟
الصدمات المتعاقبة بمفاجآت المقاومة
الكثير من المتغيرات العالمية ذات التأثيرات الكبيرة حدثت حول إسرائيل:
- دوليا جاء على رأسها تفتت الاتحاد السوفيتي، وتربع الولايات المتحدة على عرش الكرة الأرضية بلا منازع، بعد انتهاء الحرب الباردة.
- إقليميا تغير وجه المنطقة العربية منذ أوائل الثمانينيات، حيث عقد اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، ولم تعد سوريا تعتمد على دعم سوفيتي يوازي الغطاء الأمريكي لتل أبيب، وخروج إيران والعراق من حرب دموية طويلة الأمد منهكتين، إلى أن سقط نظام صدام حسين.
- محليا، برزت قوى مقاومة لم تكن على الخارطة السياسية قبل عقدين من الزمن، مثل حركة حماس وحزب الله.. هاتان المنظمتان اللتان اتخذتا من أسلوب حرب العصابات أنموذجا جديدا لم تعتد عليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتمكنتا بالفعل من تلقينها "دروسا" مؤلمة لم تعهدها من قبل ساحات المواجهات السابقة.
ورغم كل هذا التغير الجيوسياسي، فلم يرافقه – إسرائيليا - تغيير في الذهنية المقابلة لدى قيادة الجيش، سواء في جهاز اتخاذ القرارات، أو لدى الصف القيادي الأول فيه، فالسيناريو الذي شكل كابوسا مستمرا لديهم تمثل في هجوم عربي منسق، بقوات تقليدية كبيرة على حدود الدولة، إلى أن جاءت مقاومتا حماس في الداخل، وحزب الله في الخارج، لتأتي له بكابوس من نوع جديد!
وأكبر دليل على عدم مجاراة تلك التغيرات، الوصف الذي أطلقه الخبير العسكري "عوفر شيلح" حين قال إن حرب أكتوبر 1973 اعتبرت حربا قديمة بسلاح قديم، وجاءت حرب الخليج 1991 لتعتبر حربا قديمة بسلاح جديد، فيما اعتبرت حرب العراق 2003 حربا جديدة بسلاح جديد، طارحا السؤال "المحرج" على واضعي النظريات العسكرية الإسرائيلية: ماذا نطلق على الحرب الدائرة مع الفلسطينيين واللبنانيين؟
ومن جديد جاء الانتقاد القاسي للأداء العسكري للجيش بقول أحدهم: كيف يمكن لدولة هزمت سبع دول عربية في العام 48، ودحرت ثلاثة جيوش عربية في العام 67 في غضون ستة أيام، أن تقف هذا الموقف المربك أمام حماس وحزب الله؟ من كان يُصدق أن تنظيمات مكونة من بضعة آلاف من المقاتلين، الذين يبلغ تعدادهم بالكاد تعداد الجنود في كتيبة ونصف كتيبة في الجيش الإسرائيلي، ينجحون في شل نصف دولة بعمليات قصف يومية لعشرات ومئات الصواريخ.. وفق أي طريقة يفكر قادة الجيش؟
تحديات أمام المنظمة العسكرية
في طور الاستعدادات الإسرائيلية الجارية على قدم وساق للحرب القادمة، لا يبدو الجيش الأقوى في الشرق الأوسط، بذات الدرجة من الاستعدادات الميدانية لأي قرار قد تصدره القيادة السياسية، الأمر الذي يتضح أكثر عند استعراض أهم المؤشرات السلبية الخاصة بعدم جهوزية الجيش لأي حرب قد تنشب بين حين وآخر، مع "الأعداء" المحيطين بإسرائيل، ومن أهمها:
1- المعطيات "المقلقة" الخاصة بنسبة التجنيد المتراجعة في صفوف الجيش الإسرائيلي، ففي عام 2002 وصل نحو 88 ألف يهودي سن التجنيد العسكري، 77% من الشبان، و61% من الشابات جندوا بالفعل في صفوف الجيش، لكن نصف الفتيان الذين لم يجندوا حُرّروا لانتمائهم إلى المدارس الدينية، فيما حرر الباقون لأسباب طبية ونفسية، وعدم ملاءمتهم للخدمة العسكرية، وغيرها من الأسباب، علما بأن نسبة الشبان غير المجندين آخذة في الازدياد، وقد ارتفع تقريبا إلى النصف من عام 1990 إلى عام 2002، ومن المتوقع أن يصل إلى 25% في صفوف الشباب، وإلى 42% في صفوف الشابات، وقدر التقرير السنوي للميزان العسكري الصادر عن المعهد الدولي للأبحاث الإستراتيجية في بريطانيا، حجم الجيش النظامي الإسرائيلي بـ172 ألف جندي، 107 ألف منهم ممن هم في الخدمة الإلزامية، بمن فيهم الضباط في سنوات الخدمة الأولى، وقدرت قوات الاحتياط بـ425 ألف جندي.
2- توقف الجيش عن تطوير قواته البرية، إلى جانب انتشار المفهوم العسكري الخاطئ بأن عصر الحروب التقليدية التي تهدد الدولة قد ولى، حيث دفعت الوحدات المشاركة في الحربين الأخيرتين، في غزة ولبنان، ثمنا غاليا، بسبب عدم خضوعها للتدريب طيلة سنوات طويلة، وبالتالي لم تعرف تلك القوات ماذا عليها أن تفعل وكيف تتصرف في ساحة المعركة، وفشل الخطط الحربية التي حاولت قيادة الأركان تنفيذها في المواجهات الأخيرة، بسبب ضعف التدريب والترهل الداخلي، وشيوع بعض المفاهيم والإستراتيجيات العسكرية الخاطئة التي تشكل أساس عمل وتحرك الجيش، وبقاء حالة الانفصام بين المراتب القيادية العليا والجنود في الميدان.
3- أزمة القيادة العسكرية للجيش، فقد أكدت نتائج التحقيق الأخيرة أن الإخفاقات التي برزت بصورة كبيرة ومعلنة، لها علاقة بالقيادة التي تمسك بزمام الجيش خلال فترة الحرب، ولا شك أن وزير الدفاع الحالي "عمير بيرتس" شكل أزمة بحد ذاته، سياسيا وعسكريا، ولذلك فإن عودة للوراء ثلاثين عاما حيث العام 1977 تظهر أن عشرة عسكريين تولوا منصب وزير الدفاع، سبعة منهم كانوا بدرجة عقيد وما فوق، إلا في القيادة الحالية التي لا تتمتع بأي "سيرة ذاتية" عسكرية.
من جهة أخرى، فإن سبعة من بين ثمانية لرؤساء هيئة أركان الجيش، ممن عينوا في هذا المنصب منذ عام 1974 كانوا من قادة وحدة المظليين، ثلاثة من الأربعة الأخيرين وهم إيهود باراك، شاؤول موفاز، موشيه يعلون، تبوءوا مراكز حساسة في كتيبة رئاسة الأركان، غالبية قادة هيئة رئاسة الأركان الحالية من وحدة المظليين والقوات المدرعة، ولذلك جاء تعيين "دان حالوتس" من سلاح الجو رئيسا لهيئة الأركان قبيل اندلاع الحرب تغييرا دراماتيكيا في نظام درج عليه الجيش منذ تأسيسه! فجاءت المفاجأة "الفضيحة" في أدائه الحربي الأخير، ومن ثم استقالته!
4- فشل الجيش (بالمناسبة وردت كلمة فشل في التقرير النهائي لفينوجراد 219 مرة، فيما وردت في التقرير المرحلي 1000 مرة، أليس كذلك؟) في إيجاد رد على شبكة الأسلحة المضادة للدبابات، التي يمتلكها "أعداؤها" في الداخل والخارج، وعدم تمكنه من بلورة رد على قصف العمق الإسرائيلي بالصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وعدم إجراء استعدادات لوجستية للعناية بالمستوطنين في الجبهة الخلفية، وتوفير الحماية لهم، لاسيما أن أي حرب قادمة، لن تنهمر الصواريخ فيها في شمال فلسطين فقط، بل في الوسط والجنوب أيضا، وجاء امتلاك حماس أخيرا لمضادات للطيران الإسرائيلي ليشكل المفاجأة الأكثر صدمة!
5- فشل النظرية التقليدية التي عمل وفقها الجيش منذ تأسيسه، وهي تقديس مبدأ الهجوم، ذلك أن قيادة الجيش وكراساته الداخلية أصرت دائما على قاعدة تمرير الهجوم إلى أرض "العدو"، انطلاقا من أن إسرائيل بمساحتها المحدودة لا تستطيع خوض حرب على الأرض التي تحتلها في فلسطين، وبقي هذا الشعور ملازما للجيش حتى بعد حرب حزيران 1967، بعد أن استولى على مساحات جغرافية جديدة، ولذلك رأيناه يفضل الهجوم، وليس الدفاع، حيث تكمن فيه إمكانية القوة وتحقيق الانتصار، لكن المواجهتين الأخيرتين مع حماس وحزب الله أثبتتا أن هذه النظرية آن الأوان لأن يعاد النظر فيها.
وهكذا.. لا تزال العيوب البنيوية والثغرات العملياتية الجدية تعطل جهوزية الجيش الإسرائيلي القتالية للحرب القادمة، حتى لو حاول "فينوجراد" إرسال رسائل في الاتجاه المعاكس، الأمر الذي سيقوي، في المقابل، منظور وخطط قوى المقاومة في تعاملها مع العنصر البشري الإسرائيلي، باعتباره الحلقة المركزية في فعلها المقاوم المرتكز على "حرب العصابات ومعارك الشوارع"، ما يعني إفشال الفلسفة العسكرية الإسرائيلية القائمة على زرع الرعب في صفوفها، وعلى المبادرة بالهجوم "الوقائي" الخاطف، ونقل المعركة إلى أرض العدو، وما يعني أيضا حرمان الجيش الإسرائيلي من الاستفادة من تفوقه النوعي في الحرب التقليدية، وبالتالي إرغامه على المواجهة طويلة الأمد.
كاتب وصحفي فلسطيني.
|