English

 

الاثنين. يناير. 21, 2008

ثقافة وفن » فنون تشكيلية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

عشر لوحات لعشرة فنانين محاصرين

"غزة تدور حول نفسها"

لوحات تشي بما يحدث.. فكيف لو شاهدنا المعاناة كاملة؟

سليمان بشارات

Image
لوحة الفنانة مي مراد
على غير النمط السائد، وكسرا لكل ما هو معروف أو مألوف جاءت اللوحات العشر التي وصلت مدينة رام الله من قطاع غزة من دون رساميها على شكل دائري وليس مربعا أو حتى مستطيلا كما هو معتاد عليه في اللوحات التشكيلية الفنية.

جاءت اللوحات التي رسمها عشرة من الرسامين الشباب من قطاع غزة عن غزة ذاتها في حصارها ودورانها حول نفسها الذي طال ويبدو أنه سيمتد، وقدمت بألوان مختلفة تفاصيل صغيرة من الناس الذين يغرقون هذه الأيام في العتمة لبحثهم عن النور.

 

 لوحة الفنان محمد الصابوس

وصلت اللوحات إلى المعرض المخصص لها في رام الله تحت عنوان "غزة تدور حول نفسها" قبل أن تعم العتمة أرجاء القطاع، فكانت كاسرة للحصار ومعلنة حالة من الاحتجاج الفني الذي لم يمكن أصحابها من اللحاق بها بفعل الحصار ذاته، فأصبحت في المركز الثقافي الفرنسي الذي ينظم المعرض لوحات تمثل رسالة من غزة كلها، ليس من رساميها العشرة فقط.

ثورة ورسالة

 

 لوحة الفنان محمد سليم

"عارف جبر" مدير العلاقات العامة في المركز الثقافي الفرنسي في رام الله يخبرنا عن المعرض الجديد ذي اللوحات البعيدة عن أصحابها قائلا: "جاءت هذه اللوحات بشكلها الدائري غير المألوف لتحمل معها ثورة على النمط السائد، ولتكسر الحواجز، وهي محاولة لكسر كل ما هو قائم بما يخص حصار قطاع غزة".

ويتابع: "لم يستطع رسامو هذه اللوحات الخروج من غزة، إلا أن رسالتهم خرجت، وستصل إلى كل مدينة فلسطينية، وذلك بجهدنا الذي سنبذله بهدف وصولها إلى كافة شرائح المجتمع الفلسطيني".

ويشير إلى أن معرض "غزة تدور حول نفسها" هو محاولة لكسر الحصار المفروض على غزة بطريقة غير مباشرة، بما تحمله هذه اللوحات من قدرة على تسليط الضوء على هم إنساني وتفاصيل دقيقة يعيشها الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة.

أبيض وأسود

 

 لوحة الفنان محمد الحواجري

الفنان "محمد أحمد الحواجري" صاحب إحدى اللوحات في المعرض يوضح في اتصال هاتفي معه من غزة أن استخدام الشكل الدائري في هذه اللوحات هو كناية عن أنها تمثل الكرة الأرضية، وأن ما تضمه من تجسيد هو لوصف حياة الأشخاص على سطحها، وهي غزة.

ويتابع قائلا: "الاستخدام الدائري تدليل على الواقع الصعب الذي يجعل الإنسان يدور حول نفس النقطة التي ينطلق منها، ولهذا نحن كفنانين علينا إيصال رسالة نقول فيها إن غزة الآن تدور حول نفسها بعدما انقطعت عن العالم الخارجي المحيط بها، وهنا يكمن حجم الصعوبة التي يعيشها الإنسان".

 

 لوحة عبد الرءوف العجوري

وعما تحمله لوحته المعروضة والسبب في استخدامه فيها كلمتين؛ "الحياة والموت"، ولونين؛ "الأبيض والأسود" يقول: "هذه السنة الكونية التي نعيشها، وتتمثل في أن كل شيء فيها له مرحلتان، يبدأ الأمر بالحياة وينتهي بالموت، الموت هو ما بات ينتظر سكان غزة لحظة بعد لحظة، أما اللونان الأبيض والأسود فهما تكملة لنفس الفكرة، فاللون الأسود يعني الظلام والحصار والقهر الذي بات يسيطر على الحياة التي لم يبق منها سوى حروف كلمتها، والأبيض عكس ذلك بما يحمل من دلالات".

خطوط متداخلة

وكما أن الصعاب تكثر يوما بعد يوم وتتشابك في وجه المواطن البسيط لتشكل حاجزا يحول بينه وبين المستقبل المرتقب، جاءت الخطوط في أغلب اللوحات -على اختلاف الألوان- لتحاكي واقع الإنسان الفلسطيني البسيط بمعزل عن عناوين كبرى أو شعارات سياسية، كما أن شكلها الدائري يجعل زوار المعرض في حيرة أمام هذه اللوحات، فيسألون: أين بداية اللوحة؟ وأين نهايتها؟ فكلها متشابهة، أو هكذا يظن المشاهد.

 

 لوحة الفنان عبد الناصر عامر

وعلى الرغم من هذا التداخل في الخطوط والبدايات كما النهايات تأتي الحروف لتنظم لنفسها مكانا ترسم فيه اسما بالعربية مرة "غزة" وبالإنجليزية أخرى "Gaza"، أو حتى بدلالة أمواج بحرها الذي يشتاق له الصيادون بعد حرمانهم من حرية الإبحار فيه. تأتي هذه الحروف لتقول: "مهما كانت الصعاب فإن هناك أملا للوجود، وأملا للتواصل مع كل أجزء العالم الداخلي والخارجي".

يقول الفنان الحواجري: "كل فنان حاول أن يعبر عن الواقع من حوله كما يراه، فالخطوط المتقاطعة في أكثر من لوحة هي محاولة لملامسة طبيعة الحياة ذاتها".

سواد كما الظلام

وجه عابس، ولوحة بإضاءة قليلة خافتة، وألوان قاتمة، أو زهرة برتقالية يحترق طرفها، وأناس ينعكس ظلهم على دم أحمر، أو وجه برتقالي مصفر مشوه... إلخ، هذه أشكال وتفاصيل من نتاج بيئة متشحة بالحصار، أراد من خلالها الفنانون تجسيد هذه البيئة وإن اختلفت مدارسهم التي انطلقوا منها، فإنها تقدم نتفا من صور تختلف عما تتناقله وسائل الإعلام في كونها أعمق وأكثر دلالة على حالة الألم وأثرها على روح الإنسان الفلسطيني الذي فقد بريقه.

 لوحة الفنان شريف سرحان

حتى في تلك اللوحة التي رغب الفنان أيمن عيسى في أن يصور من خلالها رجلا مع زوجته أو محبوبته فلم يجد معنى للابتسامة أو للفرحة رغم قربهما من بعضهما البعض، فبدل نظرة حب كانت نظرة عبوس تدلل على معنى القهر الذي يجوب داخل أحشاء ذلك المواطن الذي يحاول أن يجد لنفسه بسمة بعيدا عن واقع حصاره، إلا أنه لا يفلح في ذلك؛ لأن التفكير يطارده في كل مكان هو فيه.

الفنان أيمن عيسى يقول عن لوحته: "لا أفضل رسم لوحتي بكلمات مني، فهذا صعب جدا، لا أستطيع حقا، فكل مواطن يستطيع أن يقرأها بما في تفاصيل حياته اليومية، أنا أجسد واقعا، وكل من يطلع على اللوحة يجب أن يعرف هذا الواقع".

من بين الألوان القاتمة نجد في لوحة الفنانة "مي مراد" -عن تلك الأم الباحثة عن طفلها الذي سرقته الأمواج من بين يديها- حيرة في الأمر وكأنها لغة الموقف.

الإنسان والحيوان

 

 لوحة الفنانة مها الدية

لوحة الفنان "عبد الناصر عامر"، تُظهر امرأتين تحملان على رأسيهما السمك، كصورة يومية للحصول على لقمة عيش، غير أنها توقفت وأصبحت جزءا من ماض بعد أن تحول البحر إلى أداة حصار أخرى.

يقول عبد الناصر: "مشهد انتشار نساء غزة على شاطئ البحر وهن يحاولن بيع ما يمكن أن يحصلن عليه من سمك، هو مشهد صعب ومؤلم وذو دلالة كبيرة على مدى المعاناة التي تعيشها الأسر في غزة".

 

 لوحة الفنانة ريما عبد الرحمن المزين

ويضيف عبد الناصر: "هذه اللوحة جاءت لتحمل في طياتها تعبيرا عن مأساتين يعيشهما الإنسان والحيوان في القطاع، فليس الحيوان بمعزل عن هذا العقاب، كيف لا وهو يحرم من أن يلعب بين شباك صياديه، بل يحرم من متعة الهروب اليومية التي يعيشها باقي السمك في شتى بحار الكرة الأرضية، فحتى البحر بات محرما على الصيادين في غزة".

إنها صور انعكاس ما لمأساة هي أكبر من أي لون أو دائرة، إنها مأساة إنسان يرتفع بصبره مجدا، و"إنسان" يفقد كل قيمه في المقابل، وهذه رسالة أكبر يحاول المعرض تأكيدها، فبحسب مدير العلاقات العامة في المركز الثقافي الفرنسي، فإن في انتظار اللوحات العشر برنامجا لعرضها في أكثر من مدينة فلسطينية لتصل إلى أكبر شريحة من المجتمع الفلسطيني، وهنا نضعها لتصل إلى العالم أجمع الذي هو أحق بأن يرى جزءا صغيرا من هذه المعاناة.. سيتألم العالم من ذلك، ربما، لكن السؤال: كيف لو شاهد المعاناة كاملة أو حتى لو عاشها؟ إنه سؤال الضمائر.


  صحفي فلسطيني.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم