|
تحتل القارة السمراء أهمية بالغة في الأجندة السياسية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة العبرية ذاتها، فقد حاول القادة الأوائل التقرب من القارة التي تزخر بالثروات والموارد الطبيعية؛ إذ تمتلك مثلاً ثلثي إنتاج العالم من اليورانيوم الطبيعي، عبر الإستراتيجية الإسرائيلية المعروفة بـ "الاستدراك العاطفي"، من خلال تشبيه ما حدث في القارة من اضطهاد وتمييز عنصري في أثناء فتراتها الاستعمارية العصيبة، بما حدث ليهود الشتات، لتدعم هذه الإستراتيجية جسور التواصل مع دول القارة، وبطبيعة الحال فإن أي تطور في علاقات تل أبيب بالدول الإفريقية ينتزع بصورة كبيرة من علاقات الدول العربية بنظرائهم في إفريقيا.
كسر العزلة
بالإضافة إلى الموارد الطبيعية التي تتمتع بها القارة، فإن هناك جملة من الأسباب التي تفسر الاهتمام الإسرائيلي بإفريقيا، يمكن إيجازها في التالي:
- الموقع الإستراتيجي للقارة بإطلالها على ثلاثة منافذ بحرية مهمة هي البحر المتوسط والأحمر والمحيط الأطلنطي، إلى جانب المحيط الهندي، وبها أهم مضايق في العالم هي باب المندب وجبل طارق، والتي يمكن من خلالها تحكم إسرائيل في التجارة العالمية.
- حماية الأمن القومي، حيث تعدّ القارة من وجهة نظر السياسة الخارجية الإسرائيلية بمثابة طوق النجاة من حالة العزلة العربية والإقليمية المفروض عليها، فلا توجد سوى ثلاث دول عربية تعترف بالوجود الإسرائيلي، مما يجعل قضية ضمان بقائها والحفاظ على أمنها في خطر، وبالتالي التوجه إلى الساحة الإفريقية الرحبة والتي تضمن لها تحقيق ذلك، كما تحقق لها في الوقت نفسه السيطرة على اقتصادات الدول العربية وتهديد الأمن المائي العربي، وشنّ الحروب الدعائية ضد العرب، لكسب تأييد دول القارة في الصراع العربي الإسرائيلي.
- أهداف أيديولوجية توراتية، إذ تسعى تل أبيب لربط الوجود اليهودي في إفريقيا بأرض الميعاد، وهي أحد الأركان الرئيسية للصهيونية، والتي تقوم على تجميع يهود الشتات في إسرائيل، وتقديم إسرائيل على أنها دولة "نموذج" لشعب الله المختار، مع تشجيع الهجرة إليها للحفاظ على الطابع الديمغرافي اليهودي، ولعل ما يؤكد ذلك أن اليهود الأفارقة يشكلون ما نسبته 17.3% من مجموع اليهود في الدولة العبرية، وهي نفس النسبة تقريباً لعدد اليهود الروس، الذين تُعد هجرتهم إلى إسرائيل من أكبر الهجرات التي حدثت في القرن الماضي.
التغلغل الإسرائيلي ومحاوره
وإزاء المعطيات السابقة فقد استطاعت الدولة العبرية أن تخترق القارة الإفريقية، وأن تمد شبكة علاقاتها هنا وهناك، لتضرب معظم الدول الإفريقية، ولعل المؤشر الأكثر دلالة على ذلك هو عدد التمثيل الدبلوماسي في إفريقيا، والذي قفز من 6 بعثات عام 1960 إلى 23 بعثة في عام 1961، إلى 32 بعثة في 1972، وتزايد هذا العدد بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وبلغ مداه بعد توقيع اتفاقية أوسلو حتى وصل اليوم إلى 42 بعثة، ولا يوجد حاليًّا سوى ثلاث دول إفريقية لم تقم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب.
وبطبيعة الأمر لعبت القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة دوراً مؤثراً في دعم التغلغل الإسرائيلي في دول القارة، حيث سمحت كل من فرنسا وبريطانيا بفتح قنصليات إسرائيلية في عدد كبير من الدول الإفريقية قبل الاستقلال، إلى جانب دعم القرار الصادر عن السوق الأوروبية المشتركة (الاتحاد الأوروبي لاحقا) بأن تكون إسرائيل مقرا لتدريب المبعوثين القادمين من الدول الإفريقية، ومحاولات واشنطن الدءوبة لإدخال إسرائيل في إفريقيا عبر وكالات الأمم المتحدة المتخصصة، وإشراكها في برنامج هيئة المعونة الأمريكية USAID ، طبقاً لمبادرة الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون للشراكة مع إفريقيا.
وتتبنى الإستراتيجية الإسرائيلية في القارة الإفريقية عدة محاور أهمها:
- تطوير العلاقات التجارية: تعد كل من جنوب إفريقيا وأثيوبيا وكينيا ونيجيريا أهم الشركاء التجاريين لتل أبيب، فقد وقعت الحكومة الإسرائيلية اتفاقية تجارية مع جنوب إفريقيا في عام 2000، تحصل بمقتضاها على 50% من حجم صادرات الأخيرة إلى الشرق الأوسط، كما تضاعفت الواردات الإسرائيلية من كينيا مرتين ونصف، من 8.6 إلى 20.9 مليون دولار سنويا، بينما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية إليها مرتين تقريباً من 14 مليون دولار إلى 29.3 مليون دولار. وتؤكد البيانات الرسمية أن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وإفريقيا بلغ حوالي 1.7 مليار دولار، خلال العام السابق. فيما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية إلى الكونغو عشر مرات تقريبا، من 0.9 إلى 5.2 ملايين دولار سنويا، ووصلت الواردات منها إلى مليون دولار سنويا. وتضاعفت الواردات الإسرائيلية من أثيوبيا أكثر من ثلاثين مرة خلال عقد التسعينيات، من 0.4 إلى 13.9 مليون دولار سنويّا، بينما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية لها ثلاث مرات فقط من 1.9-5.8 ملايين دولار سنويا.
ويلعب مركز التعاون الدولي في وزارة الخارجية الإسرائيلية (الماشاف)، الذي تم تأسيسه في العام 1958، دوراً بارزاً في تطوير علاقات التعاون الثنائي مع دول القارة، والذي يركز نشاطه على تنمية المهارات البشرية لدى الشباب والنساء، وخاصة في أماكن التجمعات الإسلامية والعربية التي تعارض التطبيع مع إسرائيل.
- دعم التعاون العسكري: والذي يعد أحد أهم جوانب تغلغل الدولة العبرية في القارة، ولا سيما أن الوضع السياسي في الكثير من دولها لا يزال غير مستقر، وغالبا ما تحدث الانقلابات العسكرية للسيطرة على دويلاتها، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام تزويد تل أبيب العديد من الدول الإفريقية بالسلاح، وعلى رأسها أثيوبيا وكينيا وليبيريا وجنوب إفريقيا والكاميرون، حسب رئيس الاستخبارات العسكرية السابق شلومو جازيت.
وكما هو معروف فإن إثارة الصراعات الإقليمية، هي أحد أساليب العمل السياسي التقليدي التي اعتادت تل أبيب على انتهاجه، لا سيما في إفريقيا، حيث أشار التقرير الاستراتيجي الإفريقي إلى الدور الإسرائيلي في تصعيد الصراع في جنوب السودان، والحرب الأهلية في أنجولا، والصراع اليمني-الإريتري، وصراعات منطقة البحيرات العظمى في رواندا والكونغو الديمقراطية.. إلخ، سواء من خلال تزويد أحد طرفي الصراع أو الطرفين معاً بالسلاح، والمعلومات، والتدريب، والخبراء العسكريين، أو العمل على إفساد جهود التسوية السياسية من خلال الإيعاز لأطراف الصراع بضرورة الاستمرار في القتال مع التعنت في شروط التفاوض.
- المساعدات الإنسانية: والتي تعد الواجهة التي تختبئ دائماً خلفها النوايا والمخططات الإسرائيلية القذرة، وظهر ذلك جلياً في المساعدات المقدمة إلى لاجئ دارفور، والحملات الرسمية لجمع التبرعات لصالحهم، حتى تجد لها موطئ قدم في هذا الإقليم الذي يحتوي على بحر وافر من الموارد الطبيعية، كبداية لتقسيم الدولة السودانية بأكملها. ومثلما فعلت في الصومال في تسعينيات القرن الماضي، حين استغلت عملها الإنساني، وأقامت علاقات مع قادة الفصائل الصومالية، وأذكت التوتر بينهم، بمساعدة جمعيات ومنظمات صهيونية أمريكية. وبالإضافة إلى المساعدات الإنسانية، فقد قدمت تل أبيب المساعدات الفنية والاستخباراتية للعديد من الدول الإفريقية، مثل الكونغو الديمقراطية والكاميرون.
وتدخل المساعدات المقدمة سواء الداخلية أو الخارجية في دائرة المصالح الإسرائيلية البحتة، وهو ما أكده "بن جوريون" ذات مرة أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1962، من أن المساعدات التي تذهب إلى القارة الإفريقية ليست بعمل خيري بل تدخل هذه المساعدات في إطار المصالح الإسرائيلية.
غياب عربي
أما فيما يخص العلاقات العربية الإفريقية وبرغم وجود دول عربية خالصة كدول الشمال الإفريقي والسودان وجيبوتي وجزر القمر تقع داخل إفريقيا، فضلاً عن الدول التي يوجد بها نسب عالية من المسلمين تصل في بعضها إلى النصف، إلى جانب الموروث التاريخي المشترك الداعم لفكرة التحرر الوطني ومناهضة الإمبريالية، إلا أن الواقع يشير حاليًّا إلى دخول القارة برمتها في دائرة النسيان العربي.
كما أن من المؤكد أن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل قد دعمت توسيع الهوة بين الجانبين العربي والإفريقي، باعتبار الأخير هو العمق الإستراتيجي للدول العربية، وأن السيطرة عليه يعني ببساطة تهديد الأمن القومي العربي ككل. ونجحت إسرائيل بفضل سيطرتها على الاقتصاد والإعلام في تشويه صورة العرب لدى الشعوب الإفريقية، وتصويرهم كمتطرفين دينيين يسعون إلى مساندة الدول التي قد تكون مسلمة أو بها أقلية مسلمة، مستغلين في ذلك ضمّ بعض الدول الإفريقية إلى جامعة الدول العربية مثل جيبوتي وجزر القمر وموريتانيا والصومال، والمحاولات الجادة من قبل الجامعة العربية في ضم إريتريا إلى دائرة الجامعة، وهو ما أثار حفيظة الدولة اليهودية لأنه بانضمام إريتريا يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية خالصة.
وبرغم كل ما يقال عن حجم التعاون السياسي وحجم تدفقات الأموال العربية تجاه إفريقيا فإن من المؤكد أن هذا التعاون لم يرق إلى المستوى المطلوب، ويعطي التبادل التجاري مؤشراً مهمًّا على تدني مستوى العلاقات بين الجانبين، والذي يمثل فقط 5% من حجم التبادل التجاري مع العالم الخارجي.
ولعل أهم ما يعاب على العلاقات العربية الإفريقية عدة أمور منها:
الأول: يتمثل في عدم وجود رؤية أو إستراتيجية محددة لدى الجانبين لإقامة علاقات شاملة، بل إنها في معظمها علاقات ثنائية تخدم بطبيعة الأمر مصالح طرفيها.
الثاني: تركيز الجانب العربي على إقامة علاقات رسمية بالأساس مع الدول الإفريقية دون الاهتمام بالجانب الشعبي، الذي يعد ركيزة ضرورية لتنمية العلاقات في شتى المجالات.
الثالث: وسائل الإعلام العربية ذاتها التي تربط غالباً الأفارقة بأخبار المجاعات والكوارث الطبيعية والأمراض الفتاكة والحروب الأهلية.
الرابع: خوف عدد كبير من المثقفين والمسئولين الأفارقة من تزايد وتعاظم نفوذ الوجود العربي والإسلامي في الساحة الإفريقية، وإمكانية حدوث صدامات بين الدول المؤثرة في الجانبين.
الخامس: اختلاف الرؤية بين الطرفين حيال عدد من القضايا الإقليمية مثل الصحراء الغربية وفلسطين والصومال وجنوب السودان.
خلاصة القول: إن الدولة العبرية استطاعت أن تمد يدها الأخطبوطية إلى القارة الإفريقية، فلم تترك مكاناً إلا ووجدت لها موطئ قدمٍ فيه، عبر إستراتيجيات مدروسة وأهداف محددة، تتخذ من تطويق وتهديد الأمن العربي محوراً رئيسيًّا، مما يستدعي التساؤل: هل تفيق الدول العربية من غفوتها وتتحرك من ثباتها للتصدي لهذه المؤامرات الصهيونية قبل فوات الأوان؟!
باحث سياسي.
|