English

 

الأحد. يناير. 20, 2008

شرعي » فتاوى الناس » فقه الجهاد والعلاقات الدولية

 

مراجعات العنف.. خلط واضح!

إسلام عبد العزيز فرحات

Image

يكاد يرجح كل المتأملين في السياق التاريخي لنشأة الجماعات الإسلامية أن فكرة العنف التي تبنتها تلك الجماعات تعود في أصلها إلى العنف الذي تعرض له أفرادها داخل محابسهم.. ويشيرون إلى أن أحداث السجون كما أكدت أدبيات كثيرة هي التي دفعت في اتجاه تنامي تلك الفكرة، وتحولها إلى عمل ممنهج منظم له مصادره الفكرية وآلياته الواقعية.

ومع تسليمنا بالمعنى السابق، إلا أننا لا يمكن بحال أن نتجاهل عوامل أخرى زكت هذا العنف، ودفعت في طريق جعله فكرة وهدفا عند البعض، قبل أن يكون وسيلة لتحقيق فكرة.

ومن هذه العوامل تلك الأيدي الخفية التي استغلت حالة من الخواء الثقافي، والاندفاع الديني لدى قطاع كبير من الشباب، لتدفع به في آتون هذه الحرب المستعرة بين أنظمة الحكم ومن يطلقون على أنفسهم الإسلاميين، فتضرب مئات العصافير بحجر واحد.

وحينما بدأت قواعد اللعبة في التغيير، وانقلب السحر على الساحر في بعض وجوهه، حيث حطت الطيور المهاجرة من تلك الجماعات في بقاع أخرى، وأصبحت مصدر إزعاج لتلك الأيدي الخفية، وكانت هجرتها بسبب خبرة أمنية متراكمة نمت لدى البلاد العربية والإسلامية في التعامل مع هذا الملف، وتم "قص" أجنحة تلك الجماعات بإيداعهم السجون، ظهرت في التسعينيات من القرن الماضي بوادر لما أسموه "المراجعات".

لكن المتأمل أيضا في تلك البوادر ذاتها بكل مفرداتها، بداية بتوقيت إعلانها، وانتهاء بمن قادها وسوّق لها من خارج القضبان، لن يكذب أنفه إذا اشتم رائحة كريهة في تلك المراجعات.

فإذا أضفنا إلى ذلك ما ورد في مراجعات "سيد إمام" أو "د. فضل" كما كانوا يلقبونه من خلط واضح، تبين لنا أن الأمر غير خالص، وأن المسألة لا تعدو -من وجهة نظري- حلقة من حلقات تمرير منهج الانبطاح المغلف بالفقه الإسلامي.

ربما يصف البعض تلك النظرة بأنها أسيرة ما يسمونه "نظرية المؤامرة"، وأن أمثال هؤلاء لا يمكن بحال أن يتورطوا في هذا الأمر، لكننا حين نقرر هذا، لا نطعن في شخص ولا جماعة، وإنما نطعن في منهج فكري يصل إليه بعض من يسلكون طريق العمل السياسي بشتى وجوهه رغما عنهم.

ويمكن أن يفهم هذا الإرغام بمسارعة الرجل -أعني سيد إمام- لنفي ذات التهمة عن نفسه حينما حاول تفنيد ما يمكن أن يعترض به البعض فيما يسمى "ولاية الأسير"، فربما كانت مسارعته لتفنيد هذا الاعتراض دليلا على شعوره بما هو عليه، عالما أو غير عالم.

فليس بالضرورة أبدًا أن تكون الأداة على علم بالدور الذي تؤديه، فحسن النية يقتضي منا أن نؤكد ذلك، لكن الفطنة تقتضي أيضا أن نحرص على بيان الحقيقة، وإلا فبالله عليك قارئي العزيز فكر معي في بعض المعطيات:

لما هذا الخلط الواضح في كتابة تلك الوثيقة بين الجهاد كمفهوم معروف ومستقر عليه بين الفقهاء، وبين ما كان يحدث في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي من أعمال عنف راح ضحيتها مئات الأبرياء؟

لماذا الإصرار على أن يكون المفهومان مفهومًا واحدًا، ينطبق على كل منهما ما ينطبق على الآخر؟ أعتقد أن هذا سؤال منهجي في البداية ينبغي أن تكون إجابته ماثلة في تقييم تلك المراجعات.

وأيضا لماذا صاحب توقيت تلك المبادرات توهج الحالة الجهادية الحقيقية في بقاع شتى في العالم الإسلامي، سواء كان في بدايتها على يد الجماعة الإسلامية، أم الآن على يد جماعة الجهاد؟ وهل من المصادفة أن يكون تسويق تلك المبادرات بأيدي أناس أو مؤسسات اشتهروا في أوساط النخبة باتجاهاتهم المعروفة الموالية لجهات معينة؟

ثم.. كيف نقرأ ما كتبه سيد إمام أو د. فضل ونشر على صفحات المصري اليوم المصرية والموقع الإلكتروني لجريدة "الجريدة الكويتية"، حينما يركز الرجل في حلقة أو حلقتين على شروط الجهاد، ويبسط القول في مفهوم الاستطاعة؟

إن الرجل يؤكد في معرض حديثه عن الاستطاعة أمرًا غاية في الخطورة يتعلق بمقاصد الإسلام العليا، ويدور حول هذا السؤال: هل حفظ الدين أولى أم حفظ النفس؟ ويصل الرجل من خلاله إلى إجابة عائمة غائمة، يكاد يفهم القارئ منها أن حفظ النفس مقدم في كل أحواله على حفظ الدين، ولا ندري هل حديثه عن جهاد الداخل كما كانوا يسمونه، أم عن جهاد الخارج أو جهاد الأعداء؟ لا ندري فالرجل لم يحدد.

بل إن الرجل يصل إلى مرحلة غريبة في خلطه بين الجهاد الحقيقي وما كانوا يقومون به، ولا تدري في النهاية أهو بالفعل تراجع عما كان يتبناه أم أنه يرى في فقه المرحلة حافزا أساسيا على ما يمكن أن نسميه "تراجعا تكتيكيا"؟!

خذ مثلا حديثه عما أسماه خيارات المستضعفين، حيث يقول الرجل ما نصه: "وكذلك المستضعف والعاجز لا يجب عليهما الجهاد، ولم يفرضه الله على المسلمين وهم مستضعفون بمكة قبل الهجرة، وإنما فرضه بعد ما تهيأت لهم أسباب الجهاد بوجود دار الهجرة والنصرة في المدينة، وهذا الحكم غير منسوخ، وإنما هو من الخيارات أمام المستضعفين، ودليل بقاء هذا الحكم (وهو سقوط وجوب الجهاد عن المستضعف والعاجز) أنه وبعد تشريع الجهاد بعد الهجرة لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم من بقي بمكة من المستضعفين عاجزًا عن الهجرة ولم يوجبه الله عليهم بل عذرهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله لهم في قنوته".

ثم يستمر الرجل دون أن يحدد لنا عن أي نوع من الجهاد يتحدث؟ هل عما كانوا يفعلونه مما لا نتفق في الأصل معه على أنه جهاد، أم أن حكمه سينسحب مثلا على الحالة العراقية أو الفلسطينية أو غيرها، وهنا تكون الطامة الكبرى.

وأظن -من وجهة نظري- أن الرجل يقصد كلتا الحالتين، بدليل استشهاده بحديث نهي عيسى عليه السلام عن قتال يأجوج ومأجوج، وعلى الرغم من أن هذا استشهاد بأحداث غيبية على حالات عينية واقعة وفيه ما فيه، فإن عيسى بكل تأكيد ليس محكومًا من رعية يأجوج ومأجوج حتى نفهم أنه يسقط حكمه على حال الجماعات الإسلامية، وإنما هم أعداء غازون جاءوا من الخارج، مما يؤكد أنه يقصد حالة الجهاد الحقيقية المعروفة بين المسلمين، بغض النظر طبعا عن مناقشة فقه الحديث الذي ورد في صحيح مسلم.

فترى كاتب المراجعات يعود مرة أخرى إلى الخلط وإدخال حكم في آخر فيقول: "وبناء على ما سبق في هذا البند نرى عدم جواز تغيير المنكرات باليد إلا لذي سلطان في سلطانه كالأب في أهل بيته أو لإنقاذ مسلم من مهلكة لا تتدارك، كما نرى عدم جواز الصدام مع السلطات الحاكمة في بلدان المسلمين من أجل تطبيق الشريعة باسم الجهاد، فالتغيير باليد والصدام كلاهما ليسا من الخيارات الشرعية الميسورة فلا تجب، وإنما تجب الدعوة بالحسنى، فإن عجز عنها المسلم ففي الصبر خيار وأجر".

وإلى هنا فالحديث طيب نتفق معه فيه بغض النظر عن تكييف دليله، لكن المصيبة تأتي كما قلت من الخلط، حيث يقول بعدها مباشرة: "وفي حديث النهي عن قتال يأجوج ومأجوج دليل على أن سقوط واجب الجهاد عند العجز حكم باق إلى آخر الزمان حتى لا يتأثم مسلم من ترك الجهاد عند العجز، أو يقول إن هذا حكم منسوخ كان خاصا بالعهد المكي، بل هو خيار باق إلى آخر الزمان كما ثبت الدليل بذلك، وليس أحد الآن خيرًا من عيسى ابن مريم عليه السلام ومن معه، وقد اختار الله لهم كف اليد عن الجهاد عند العجز وعدم الجدوى"!!

العجز وعدم الجدوى.. ألا ترى قارئي العزيز في ذلك إسقاطا مباشرا على الحالة العراقية أو الفلسطينية أو حتى مع حلف الناتو في أفغانستان، بالطبع قلنا إن حسن الظن يحتم علينا أن نؤكد أن الرجل لا يقصد، لكن تلك الجماعات التي تجاهد هناك قد خرج معظمها من رحم الجماعتين الكبيرتين، الجماعة الإسلامية والجهاد، والإشارة واضحة، فكان الذكاء يقتضي من الرجل إن لم يكن في الأمر شيء، أن يؤكد اختلاف المفهومين بداية، وألا يطلق مصطلح الجهاد على ما كانوا يقومون به نهاية.

أمر آخر يكاد يؤكد نفس المعاني، وهو استدعاء الرجل للتراث الإسلامي بأحداثه ونصوصه وتنزيله على الواقع، في خلط واضح بين الوقائع، وبين الحالتين اللتين جعلهما حالة واحدة، أعني حالة الجهاد الحقيقية، وحالة العنف التي كانوا يمارسونها.

فتراه في استدلالاته على عدم جواز تعريض المسلمين للخطر يستدعى صلح الحديبية وما حدث فيه من تنازل، ويستدل به على جواز عقد الصلح والمعاهدات، ولا ندري هل يعتبر حالة الجماعات الإسلامية حالة دولة داخل الدولة يؤصل لها بما تم؟ هذا أولا، وثانيا فإن نفس الرائحة تشم من هذا الكلام، اقرأ:

"وإذا كان الله سبحانه قد شرع الجهاد وأوجبه على المسلمين بعد الهجرة وتوفر شروط نجاح الجهاد، فإن الله سبحانه قد أباح للمسلمين أيضًا عقد الصلح والمعاهدات عند الحاجة إليها، وقام النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك كله فحارب وعاهد وصالح وسكت عن قوم بلا صلح ولا عهد، كل هذا لتحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين، وقد قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال:61)، فشرع الله ذلك للحاجة، أما النهي عن مسالمة الأعداء كالوارد في قوله تعالى (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ...) (محمد:35)، فهذا النهي مقيد بصفة (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)، أي في حال علو المسلمين وتمكنهم وقدرتهم على الحرب وغلبة الظن بالظفر لا يجوز مسالمة الأعداء، لئلا يفضي هذا إلى ترك الجهاد واستفحال خطر العدو، وهذا كله -وكما سبق- مع العلو والتمكين لا مع العجز والاستضعاف، وقد صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- كفار مكة في الحديبية وتنازل للكفار في أمور لم يتحملها بعض الصحابة حتى قال عمر رضي الله عنه (ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟) الحديث متفق عليه، وتنازل النبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من أنه كانت له دولة مستقلة ومنعة، ومعه جيش وبيعة على الموت (بيعة الرضوان)، ومع كونه مؤيدًا بالوحي والملائكة عليهم السلام، ومع قوله صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك عقب غزوة الأحزاب عام 4هـ - (لا تغزوكم قريش بعد اليوم ولكن تغزوهم)" انتهى كلامه.

بكل تأكيد فإن المعاني واضحة، ولا يخفى أبدًا ما يمكن أن تسببه تلك الطريقة في التفكير أو حتى في عرض الفكرة، من إساءة للمنهج الإسلامي الذي يفرق في التعامل مع البشر حسب حالته هو من ضعف أو قوة، ففي حال القوة هو يفتك، وفي حال الضعف يهادن وينبطح.

ثم إنه دليل آخر يمكن أن يطعن به من يشككون في مصداقية أصحاب المراجعات؛ لأنهم يؤصلون لمرحلة اعتبروها مرحلة استضعاف، فإذا ما تجاوزوها عادوا إلى سيرتهم الأولى وأشد.

الأمر الذي آلمني كثيرًا هو ما وصل إليه الرجل في تأكيده حفظ المسلمين وعدم تعريضهم للخطر حينما أورد مصطلح الجزية المنعكسة، فقال: "وحتى مع المرتدين يتصرف المسلمون معهم بحسب قدرتهم ومصلحتهم، فقد خرج مسيلمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم أرسل رسوله (ابن النواحة) إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسكت عنهم، ولم يقاتلهم المسلمون إلا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وإن كان قد قال (إن كفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي) في (مجموع الفتاوى ج28)، وقال أيضًا (إن المرتد لا يهادن ولا يقر على الردة بالجزية كالكافر الأصلي)، إلا أن هذا كله عند قدرة المسلمين وعلوهم وتمكنهم من جهاد المرتدين، أما مع ضعف حال المسلمين فقد قال محمد بن الحسن الشيبانى رحمه الله وذلك من قبل ابن تيمية بخمسمائة سنة في كتابه (السير الكبير): (يجوز أن يدفع المسلمون للمرتدين مالا ليكفوا أذاهم عنهم في حال ضعف المسلمين)، وهذه هي الجزية المنعكسة. وقد عاش ابن تيمية في القرن السابع الهجري وتوفي عام 728هـ، والشيباني في القرن الثاني الهجري وتوفي عام 189هـ، رحمهما الله".

ولذا يقرر د. فضل بغير تردد: "فالمحافظة على ذات المسلمين وعدم تعريضهم للمهالك من غير طائل مقصد شرعي معتبر، ينبغي مراعاته في كل من الحرب أو السلم على السواء وقد تعاضدت على ذلك الأدلة الصحيحة".**

فهل يقصد الرجل أن يدفع الفلسطينيون والعراقيون جزية للإسرائيليين والأمريكيين؛ لأنهم في حالة استضعاف؟! ولما هذا الخلط المتعمد بين حالتي الجهاد الحقيقي، وحالة العنف الذي كان هؤلاء يمارسونه؟! أتمنى أن تكون تلك القراءة خاطئة.. أتمنى.. لكنني لا أظن!!


محرر صفحة فتاوى الناس بشبكة إسلام أون لاين

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم