English

 

السبت. يناير. 19, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ساركوزي في الخليج.. منافسة أم لعبة حلفاء؟

محمد جمال عرفة

هل زار الخليج ساركوزي آخر؟..
هل زار الخليج ساركوزي آخر؟..

فيما كانت الأضواء مسلطة على زيارة الرئيس بوش للمنطقة العربية بصفته رئيس دولة عظمى، لم يتلفت كثيرون لزيارة أهم وأخطر من زيارة بوش، ربما كانت نتائجها أكثر خطورة على المنطقة، وهي زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي لم يكتف بعرض صديقته في الدول التي زارها علنا، وإنما كان يتحرك في المنطقة متصورا أنه "بابا نويل"، أو "علي بابا" في الأساطير العربية، يوزع المفاعلات النووية وصفقات السلاح قائلا للعرب: (تريدون نووي.. خذوا.. تريدون سلاحا.. خذوا.. من يقول هات؟!).

ولكن المكاسب التي حصدها "علي بابا" الفرنسي مقابل هداياه النووية والتسليحية تفوق بكثير ما أغدقته عليه دول المنطقة الخليجية. يكفي أن نذكر منها حصول فرنسا على قاعدة عسكرية دائمة كاملة - لأول مرة - في الإمارات، تعطي فرنسا دورا في مدخل مضيق هرمز الذي تمر منه 40% من صادرات البترول الخليجية، إضافة إلى مكاسب عسكرية ومالية تقدر بالمليارات من اليورو، سعى لاقتطاعها من الفوائض البترولية الضخمة التي حصدتها دول الخليج مؤخرا من ارتفاع أسعار النفط.

لا أحد يعرف هل جاء ساركوزي ليحل محل بوش وأمريكا في المنطقة من حيث النفوذ السياسي والعسكري، واختار هذا التوقيت بذكاء - حيث بوش وإداراته يعانيان الانهيار والانكماش في نهاية عهده- ليضمن الإمساك بتلابيب المنطقة ويرث النفوذ الأمريكي مثلما حدث في أعقاب الحرب العالمية من وراثة الأمريكان لنفوذ الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، أم أن ساركوزي يمارس لعبة في الخفاء بالتنسيق مع الأمريكان أنفسهم، في ظل التحول الحاصل في السياسة الفرنسية منذ فوزه بالتقارب مع أمريكا، وبحيث يحمل لواء وممارسات المحافظين الجدد في المنطقة؟!

ولكن المؤكد أن ساركوزي تحرك بذكاء منقطع النظير في جولته الخليجية، ولم يكتف بالأحضان والابتسامات في المنطقة، وإنما سعى لاسترضاء كل زعماء المنطقة بإخراج كل ما في جعبته، فهو - على عكس الموقف الأمريكي المتخوف من امتلاك العرب تقنية نووية قد تتحول مستقبلا لسلاح - حثّ دولا عربية (السعودية وقطر والإمارات والجزائر وليبيا) على شراء مفاعلات نووية وعرض مساعدة فرنسا لهم، وقال: إن "للعالم الإسلامي حقوقا لا تقلّ عن بقية دول العالم في استخدام الطاقة النووية"، كما عرض صفقات سلاح ضخمة واتفاقات أمنية ومواصلات، أعلن عن 80 مليار يورو منها فقط حتى الآن في السعودية وحدها.

أيضا لم ينس أن يغازل كل دولة على حدة، فيصف الدور السعودي في العالم بأنه دور "عالمي"، ويشيد - في خطاب بمجلس الشورى السعودي - بتقدّمها وربطها الحداثة مع الإسلام، ويشيد بالتجربة الاقتصادية الإماراتية واقتصادها القوي، وبالتجربة الثقافية القطرية خصوصا أن العديد من أبنائها تعلموا في فرنسا، ويغازل رجال الأعمال الخليجيين ويدعوهم لمزيد من المشاريع مع فرنسا.

مكاسب.. مكاسب

يكفي للتدليل على نجاح زيارة ساركوزي للخليج واختطافه النفوذ والأضواء من أمريكا هناك أن ساركوزي حقق لبلاده صفقات في دولة واحدة كالسعودية تزيد عن 80 مليار يورو، في حين أن سلفه جاك شيراك خرج خالي الوفاض من توقيع أي اتفاقية حينما زار الرياض عام 2006. حيث وقعت الحكومتان السعودية والفرنسية أربع اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والتعاون السياسي، وبحثتا مشاريع عقود تصل قيمتها إلى 40 مليار يورو في اليوم الأول فقط من زيارة ساركوزي، بحسب قصر الإليزيه.

vثم وقّع اتفاقا للتعاون في قطاعات النفط والغاز والثروات المعدنية، واتفاقين آخرين حول التعاون الجامعي في فرنسا وتطوير التدريب المهني، غير سلسلة مشاريع "عقود" في مجالات النقل البري والطيران المدني والمياه والكهرباء والأمن الداخلي والتسلح.

كما أبرم اتفاقا للنقل البري بـ 10 مليارات يورو (مشروع قطار سريع بين مدينتي مكة والمدينة وخط للسكك الحديد بين مدينتي الرياض وجدة على البحر الأحمر) ومشروع مترو أنفاق وترامواي في الرياض، واتفاق آخر خاص بالأمن الداخلي بـ 10 مليارات يورو، وسبعة مشاريع في مجال التسلح قدرت قيمتها بـ12 مليار يورو تتضمن مروحيات وطائرات تموين وفرقاطات وغواصات وكذلك قدرات جوية للمراقبة ودورية بحرية وأنظمة دفاع جوي وتحديث الحرس الوطني.

وبحث الوفدان أيضا مشاريع تتعلق بالمياه والكهرباء بقيمة ستة مليارات يورو تشمل محطة كهربائية ومحطة لتحلية المياه وشبكات توزيع المياه في المدن الكبرى ومشاريع تتعلق بالطيران المدني بقيمة 1.5 مليار يورو.

وعندما تحدث ساركوزي في السعودية سعى لتغيير لهجة الخطاب الغربي المتعالي والتي اشتهر بها الأمريكان، فأشاد بالاعتدال والتوازن السعودي، وقال: إن بلاده "لا تريد أن تكون صديقة تعطي الدروس بل صديقة تقول الحقيقة"، كما أكد أهمية الشراكة السياسية مع السعودية ودول الخليج، ليس فقط الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية، وهي إشارة ذات مغزى تعني التعاطي مع السعودية ككيان سياسي كبير، وعدم السعي للاستفادة منها فقط على أنها أكبر مصدر للنفط (برميل بترول)، وللغرب مصالح اقتصادية معها وهو ما عناه ساركوزي في تأكيده أهمية هذا التحالف السياسي بين البلدين "لتجنب حصول صدام بين الحضارات وحرب بين الأديان"، حسبما قال.

ولم ينس بالطبع - عكس الموقف الأمريكي المنتقد - أن يشيد بالتطور الذي أنجزه العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز خلال السنوات الأخيرة، خصوصا فيما يتعلق بوضع النساء، وظروف حياة المرأة وبحرية التعبير، حسبما قال.

والشيء نفسه فعله في الإمارات، حيث كسبت فرنسا موقعا إستراتيجيا في مضيق هرمز الذي تطل عليه إيران ويمر عبره 40% من الصادرات النفطية العالمية، من خلال قاعدة عسكرية دائمة في الإمارات العربية المتحدة يفترض أن تضم - وفق المصادر الفرنسية - تشكيلات للجيوش البرية والجوية والبحرية، ما بين 400 و500 عسكري عند الانتهاء من إنشائها، حيث قال الأميرال "إدوار جيو" رئيس الأركان الفرنسي إن القاعدة "ستصبح فاعلة في 2009 في أبو ظبي.

وهي أول قاعدة عسكرية تفتتحها فرنسا منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، ما يثير تساؤلات حول النوايا الفرنسية لجهة التحول لقطب عالمي كبير في عهد ساركوزي والسعي لثورة "جيو - إستراتيجية" لصالح فرنسا وبرضا الدول الخليجية على عكس الحال مع القوات والقواعد الأمريكية التي جاءت لهدف محدد وتمدّدت وبدأت دول الخليج - خصوصا السعودية - المطالبة بتفكيكها.

ويقول محللون فرنسيون إن هذا التحرك الفرنسي ربما يكون غرضه من وجهة النظر الفرنسية دعم القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة منذ فترة طويلة، ما قد يُنظر له على أنه دليل على انخراط ساركوزي في خط واشنطن، فيما يقول آخرون إن هذا التحرك الفرنسي ربما استهدف من طرف دول الخليج " تجنب وضع كل البيض في سلة واحدة "، أي عدم الارتماء في أحضان واشنطن كليا ورهن أمنهم بها، وهو تطور لجأت له دول أخرى مثل قطر التي أسندت لفرنسا أيضا مهمة تدريب 2011 ضباطا في سلاح البر القطري وغيرهم من دول الخليج ويؤشر لتعزيز الوجود الفرنسي في المنطقة.

ولا ننسى أن هناك تعاونا عسكريا فرنسيا قديما مع الإمارات العربية المتحدة يعود لاتفاق وقع عام 1995، وأن "لجنة عليا مشتركة" تجتمع دوريا برئاسة رئيسي الأركان الفرنسي والإماراتي لتحديد محاور التعاون الكبرى، كما أن سفن البحرية الفرنسية تتوقف حوالي ثلاثين مرةً في الإمارات كل عام، فيما ينظم سلاح الجو الفرنسي هناك تدريباً لطياريه مرتين سنويا، وينفذ سلاح البر كذلك 25 تمريناً سنويا، وتجري مناورات كبرى "درع الخليج" في فبراير ومارس في الإمارات يشترك فيها حوالي 1400 عسكري إماراتي وقطري و600 فرنسي.

كذلك أعلن الفرنسيون استعدادهم لمدّ الإمارات - المهتمة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الكهرباء وتحلية المياه - بمفاعلات نووية للطاقة السلمية، وجرى توقيع اتفاق لهذا الغرض على شاكلة الصفقات النووية المدنية التي وقعتها فرنسا مع الجزائر وليبيا والسعودية، حيث أعلنت شركات إريفا وتوتال وسويز الفرنسية اتفاق تعاون لبناء مفاعلين نوويين من الجيل الثالث في الإمارات.

قوة قطبية جديدة

والحقيقة أنه لا يمكن إنكار أن خلفيات زيارة ساركوزي لمنطقة الخليج وقبلها إلى ليبيا والمغرب العربي ومصر، تعكس محاولات فرنسية لبناء قوة قطبية جديدة والعودة بقوة للتأثير في الوضع العالمي على أكتاف أمريكا وحلف الأطلنطي الذي يتوقع - والحال هكذا - أن تعود له فرنسا قريبا جدا.

ففرنسا ساركوزي لها سياسة خارجية تكاد تتعامد في أهدافها مع سياسة المحافظين الجدد في أمريكا من حيث التدخل والتأثير المتزايد في العالم لضمان توسيع المصالح الفرنسية اقتصاديا وسياسيا، وصادف هذا التحرك الفرنسي حدثان هامان: (الأول) هو بداية انكماش وضعف في المكانة الأمريكية في المنطقة بسبب مغامرة غزو العراق تحتاج لمن يملأ فراغها، و(الثاني) تصاعد عائدات دول الخليج من النفط مع ارتفاع أسعاره لأرقام فلكية لحد توقع جني دول الخليج الكبرى ما قيمته 2 تريليون دولار في الآونة الأخيرة كفوائض مالية بترولية تحتاج لمشاريع جبارة لتنفق فيها، وطمع الدول الغربية - خصوصا فرنسا وأمريكا - في الفوز بنصيب كبير منها، بحيث يعود لها ما أنفقته في مصاريف شراء النفط الغالي الثمن في صورة صفقات سلاح ومشاريع بناء عملاقة في الخليج.

وساعد على هذا الوجه والشكل الجديد لفرنسا الذي سعى الرئيس الجديد ساركوزي لتقديمه دول الخليج كصديق لا يساعدها فقط في تحقيق ما تطلبه من طاقة نووية أو مشاريع، ولكن كصديق يحترم هذه الدول ويتعامل معها بصورة الند والصديق، ما زاده شعبيته هناك، ولا ننسى أن هذا الدور يسّر لفرنسا التدخل في عدة قضايا - مثل لبنان وإيران - على حساب الدور الأمريكي.

ولا ننسى هنا أن ساركوزي أعلن منذ توليه السلطة ضرورة أن تسترجع فرنسا موقعها الفاعل والمؤثر في الساحة الدولية بعد التراجع الكبير - في نظره - الذي حصل في عهد شيراك ومن قبله ميتران، وطرح في أول خطاب رئاسي له في أغسطس 2007 ثلاثة تحديات أمام الدبلوماسية الفرنسية قال إنها تتمحور حول الأسئلة التالية:

1-  كيف يمكن تجنب صدام بين الإسلام والغرب، معللا ذلك بوجود ما وصفه بـ"جماعات متطرفة تريد إقامة خلافة إسلامية منغلقة غير قابلة للحداثة ولفكرة التعددية"؟ (أي معاونة الأنظمة الحاكمة ضد الإسلاميين بعكس السياسة الأمريكية الغامضة التي تلعب على وتر "فزاعة الإسلاميين" مع الأنظمة).

2-  وكيف يمكن دمج القوى الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل في النظام العالمي الجديد، لأنها في نظره بقدر ما يمكن أن تكون عنصرا محركا للنموّ العالمي بقدر ما تكون عاملا في حدوث اختلالات خطيرة، معللا ذلك بأنها تريد أن تكون قوى كبرى دون احترام قواعد اللعبة لمصلحة الجميع؟ (أي السعي لعدم السماح بمنافسة هذه الدول الآسيوية للدور الفرنسي الصاعد عالميا).

3-  وكيف يمكن التصدي لأخطار جسيمة لها علاقة بالبيئة والأمراض المستعصية ومصادر الطاقة؟ (وهو ما يعني السماح لمن يحتاج الطاقة النووية بإنتاجها بشرط تشديد الرقابة عليه بدلا من تكرار النموذج الإيراني والمخاوف من أن تؤدي السرية والضغوط الخارجية لإنتاج سلاح نووي).

هنا نلحظ بالتالي سعي فرنسا كي تكون قوة قطبية كبيرة في ظل اتحاد أوروبي قوي، وسعيه في الوقت نفسه للصعود على أكتاف وعبر بوابة المارد الأمريكي بالصداقة لا الصدام معه لتعزيز الحضور الفرنسي في الساحة الدولية والمناطق الساخنة خصوصا، والاستفادة من دور فرنسا كقوة كبرى وأحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن المالكين لحق النقض (فيتو).

وهو يسعى في سبيل تحقيق هذا، للبعد عن سياسة الاستعلاء والبطش الأمريكية التي جلبت على أمريكا كراهية العالم وأذاقتها مرارة التفجيرات في 11 سبتمبر، وربما نلحظ هنا تركيزه في زيارة السعودية على استبعاد فكرة العداء أو صدام الحضارات التي عمل بموجبها صقور البيت الأبيض لفترات طويلة.

ساركوزي يتحرك بالتالي وفق مدرسة النفعية البرجماتية الأوروبية القديمة في تعامله مع دول الخليج والشرق الأوسط عموما، بحيث يحقق لبلاده مصالح كثيرة إستراتيجية واقتصادية، ولا يجد غضاضة - لتحقيق هذا الهدف - في اتباع سياسات ميكيافليي لجذب الخليج والعرب، بل المسلمين باتجاه تعزيز المصالح الفرنسية في المنطقة، وبما لا يجلب العداء لبلاده، بل يجعل هذه الدول هي التي تتطلع لدور لفرنسا يعادل الدور الأمريكي المتعالي.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات