English

 

الخميس. يناير. 17, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أمريكية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الوصفة الناجعة لاحتواء إيران.. رؤية أمريكية *

فالي نصر وراي تاكيا

ترجمة - إبراهيم غالي

Image
يمثل احتواء إيران الهدف المركزي لسياسة أمريكا في الشرق الأوسط منذ العام الماضي، ذلك أن طهران مسئولة عن تصاعد العنف في العراق وأفغانستان والاضطرابات في لبنان ودعم حركة حماس. وبالتالي فإن كبح تنامي النفوذ الإيراني مهم لأمن المنطقة قبل أن يكتمل مشهد اختلال توازن القوى في المنطقة لصالح إيران وحلفائها الإسلاميين.

وقد أعلن "ديك تشيني" -نائب الرئيس الأمريكي- عن سياسة الاحتواء هذه في مايو 2007 حين ذكر لدى زيارة له في منطقة الخليج، أن "أمريكا تقف مع أصدقائها لمواجهة المتطرفين والتهديدات الإستراتيجية، ونحن سنقف مع الآخرين لمنع حصول إيران على السلاح النووي والهيمنة على المنطقة".. وأكدت وزيرة الخارجية "كوندليزا رايس" على السياسة ذاتها حين ذكرت أن "إيران منفردة تمثل التهديد الإستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة ولنوع الشرق الأوسط الذي نريده".

بين النظرية والتطبيق

وتستخدم الإدارة الأمريكية سياسة أقرب لاحتواء خطر المد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة، أي تقويض قوة إيران الذاتية، ووضع ضغوط مباشرة على المتعاونين معها، وبناء تحالف جديد ضدها.

وقامت أمريكا ببعض الإجراءات، منها: تكثيف الوجود العسكري البحري في الخليج وتصعيد لهجة المواجهة واحتمال قيام حرب. وفي الوقت ذاته وجهت الإدارة الأمريكية نحو 75 مليون دولار لمحاولة إحداث تغيير في إيران ضمن برامجها لترويج الديمقراطية في المنطقة. وفي الأشهر الأخيرة استطاعت تمرير قرارات دولية تفرض عقوبات مالية غير ملزمة على إيران وتمنع بعض شركاتها وبنوكها من التعامل في سوق المال العالمي. وقد صنفت أمريكا الحرس الثوري الإيراني وجيش القدس (نخبة الحرس الثوري) في إطار المنظمات الراعية للإرهاب وسمحت لوزارة المالية باستهداف أصولهما المالية كما سمحت للقوات الأمريكية باستهداف عناصرهما في العراق.

ومن جانب آخر، عملت إدارة بوش على دعم ما يسمى الحكومات المعتدلة في الشرق الأوسط، ومعظمها حكومات عربية استبدادية طالما وجهت أمريكا لها اللوم؛ لأنها كانت سببا في مشكلات مختلفة بالمنطقة. وسعت إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العالم العربي، ورسمت خطا يمتد من لبنان وحتى سلطنة عمان لفصل إيران عن جيرانها العرب، وشجعت الحكومات العربية على رفض سياسات إيران في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية، واتفقت مع السعودية والإمارات الخليجية على صفقات تسلح جديدة قيمتها 20 بليون دولار لتعزيز قدرات الردع الخليجية لمواجهة التوسع الإيراني (كما يقول نيكولاس بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية). وعلاوة على ذلك تعمل إدارة بوش على إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أملا في توجيه طاقات حكومات المنطقة لمواجهة التهديد الإيراني.

وبالطبع فإن قصة احتواء إيران ليست جديدة، فمع ظهور النظام الإسلامي اتبعت الإدارات الأمريكية، الجمهورية منها والديمقراطية، سياسات مختلفة لمواجهة هذا الخطر الثيوقراطي. لكن الجديد هو تلك المنافع التي تتوقعها إدارة بوش من هذا الاحتواء؛ إذ ترى أن احتواء إيران هو الحل لمشكلات الشرق الأوسط المختلفة.

ومن منظور إدارة بوش، فإن مساعدة الدول العربية السُّنية لإعادة بناء حكومة عراقية قابلة للحياة خشية تحول العراق لبلد منهار يمثل حاجزا لمنع التأثير الإيراني بالعراق. وذهب الافتراض إلى أن شبح المد الشيعي سيجعل السعودية ومصر يعملان على احتواء قوة حزب الله. وأبعد من ذلك تذهب النظرية إلى أن مصلحة العرب وإسرائيل التي ظهرت فجأة لمواجهة نفوذ إيران ومن تحميهم في المنطقة سيدفع هذه الدول إلى قبول شروط اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني، وأن هذا سوف يحول اهتمام دول الشرق الأوسط عن القضية الفلسطينية المزعجة للتركيز أكثر على التهديد الإيراني. ويبدو أن مسئولي إدارة بوش قد رأوا أن الوضع الفوضوي سيولد فرصة لتشكيل المنطقة بحيث تسهل الهيمنة الأمريكية والتفوق الإسرائيلي.

بيد أن هناك مشكلة؛ إذ تبدو إستراتيجية واشنطن غير ذائعة الصيت كما لا يمكن تنفيذها، وربما ستجعل الأمور أسوأ مما هي عليه؛ لأن مقومات نجاح هذه الإستراتجية غائبة. ويمكن القول إن إصرار واشنطن على دفع الدول العربية للعمل ضد إيران سوف يزيد عدم الاستقرار في منطقة قابلة للتفجير عمليا.

بطلان سياسة الاحتواء

وعلى الرغم من أن إيران تطلب قدرات نووية وتتدخل سلبيا في العراق وترفض عملية السلام فإنها لا تمثل مشكلات حاضرة للولايات المتحدة، والقضية الكبرى هي خطأ عقيدة إدارة بوش التي تقوم على أن إيران لا يمكن أن تكون فاعلاً بناءً في شرق أوسط مستقر، وأن سلوكها البغيض لا يمكن تغييره عبر الدبلوماسية الخلاقة. وواقعيا، فإن إيران، وعلى نقيض روسيا والصين، تسعى لخلق فوضى في المنطقة تنفيذاً لوعد ديني، وهي لا تريد أن تكون قوة غير محدودة الطموح، بل تنمي قوتها لتكون دولة محورية في المنطقة.

والخطأ الآخر هو أن إدارة بوش تتعامل مع إيران بتطبيق نموذج الحرب الباردة في الشرق الأوسط.. صحيح أن إسرائيل والحكومات العربية تضغطان على واشنطن لاحتواء طموح إيران النووي، وأن الطرفين زادت تخوفاتهما من متانة العلاقات بين طهران وحزب الله بعد حرب لبنان 2006، وصحيح أن الحكومات العربية قد دعمت حكومة فؤاد السنيورة في لبنان، لكن هذه الحكومات ذاتها كان لها وجهة نظر مختلفة تجاه الحكومة العراقية برغم شكواها من نفوذ إيران هناك؛ إذ تركت لإدارة بوش كيفية العمل في العراق وحفظ الاستقرار للجبهة الأمامية للمواجهة الأمريكية الإيرانية، وحتى وإن سعت الحكومة العراقية لبناء تحالف مع هذه الدول العربية السنية، فإن العرب فضلوا الخصوم السنة على هذه الحكومة.

الخطأ الثالث هو فشل إدارة بوش في استكشاف تباين الرؤى العربية حول كيفية التعامل مع إيران، وإذا كانت الأنظمة العربية قلقة فعلا من إيران، فإن هناك اختلافا في الأسباب وفي المصالح أيضا؛ ففي الوقت الذي تخشى فيه السعودية والبحرين من التمدد الإيراني وتدخل طهران في شئونهما الداخلية، فإن مصر والأردن يخشيان على وضعهما الإقليمي وتأثير النفوذ الإيراني على القضية الفلسطينية، وحتى بين الدول العربية الخليجية لا يوجد إجماع على طبيعة العمل ضد طهران.. وخلافا للبحرين والسعودية والكويت، فإن قطر والإمارات، وهما دولتان ليس بهما مشكلة أقلية شيعية ويقيمان علاقات اقتصادية متميزة مع إيران منذ منتصف التسعينيات، لا يريدان مواجهة مباشرة بين أمريكا وإيران ويخشيان من تداعيات تصاعد التوترات بين الدولتين، وعلى مستوى الدول الحليفة لواشنطن، فإنها تستخدم قدراتها لمواجهة النفوذ الإيراني، ولكن لها أيضا مصالح خاصة بها تفهمها أكثر من الآخرين.

ومن هنا، فإن افتراض إستراتيجية الاحتواء بوجود تماسك عربي واسع ورؤية مشابهة لإيران لا وجود له إلا في النظرية فقط.

لقد رأى العالم العربي لمدة تقارب نصف قرن أن قوة العراق العسكرية تمثل حماية في الخليج، ومع تفكك هذه القوة في عام 2003، أصبحت أمريكا هي القوة الوحيدة الموجودة في المنطقة التي يمكنها احتواء إيران عسكريا.. وتقتضي فاعلية هذه القوة وجودا عسكريا أكبر في المنطقة، لكن هناك اتجاها يسود دول الخليج ضد الأمركة، وربما لن تسمح أي من الدول الخليجية -باستثناء الكويت- بنشر مزيد من القوات الأمريكية على أراضيها؛ ولذا تعتمد أمريكا اليوم على حلفاء ضعفاء لاحتواء صعود إيران، الدولة الكبرى سكانا واقتصادا. ولن تفيد مبيعات الأسلحة لهذه الدول في التغيير من واقع هذه الحقيقة.

وبالمثل، يتضمن الاقتراب الأمريكي القائم على إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط كإحدى أدوات احتواء إيران مشكلات كبرى؛ فقد افترضت إدارة بوش أن استخدام الدبلوماسية بين إسرائيل وجيرانها سينعكس على الشارع العربي ويدفع الحكومات خلف واشنطن ويقود لأرضية عمل مشتركة لجبهة عربية إسرائيلية ضد إيران.. هذه الآمال لا تأخذ بعين الاعتبار الوضع الحالي لكل من رئيس وزراء إسرائيل "أولمرت" والرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، فكلاهما أضعف داخليا من أن يقوم بمساومات أو تقديم تنازلات مؤلمة أمام شعبه، بل لا يتوقع القادة العرب أن يقوم الطرفان بالبدء في مناقشة قضايا الوضع الدائم، وحتى كوندليزا رايس قد تحدثت فقط عن خلق لحظة مواتية نحو السلام.

وحتى إذا ما نجحت جهود إطلاق عملية السلام، فإن الافتراض بتحول رؤية العرب واعتبارهم أن إيران تمثل التهديد الأكبر بعد عقود من الصراع العربي الإسرائيلي هو افتراض خاطئ. ولا يزال الإعلام والرأي العام العربيان يعتبران إسرائيل الخطر الأكبر، ويفهم الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" ذلك جيدا، ويرفع حرارة القضية الفلسطينية في أحاديثه ويستغل مساعدات إيران لحزب الله وحماس في تغذية الشعوب العربية بل ويعلم أن الشعوب لن تشارك حكوماتها مشاعر الخطر والتهديد الإيراني.

وواقعيا، تتمتع طهران اليوم بقوة ناعمة متميزة في الشرق الأوسط، بينما تفترض واشنطن أن مقترحاتها فيما يخص عملية السلام سوف تجعل أي فرد يوجه الخطر تلقائيا نحو إيران، فيما إيران تعتقد أن هذه الجهود لن تلبي المطالب العربية.. وباختصار، فإن قراءة متأنية للتنافسات القائمة بالمنطقة تؤكد أن إيران تقف على أرضية صلبة أكثر من الولايات المتحدة.

والحقيقة أن القضية الفلسطينية ليست هي التي تقرر توازن القوى في الشرق الأوسط، لكن مصير الدول الفاشلة في أفغانستان والعراق ولبنان، حيث وجد الإيرانيون الباب مفتوحًا للتمدد.. صحيح أن القضية الفلسطينية تظل مهمة لأمن إسرائيل واستقرار المشرق العربي وتحسين صورة أمريكا في المنطقة وكبح النزاعات الإقليمية أيضا، لكنها ليست السبب الأصيل في هذه الصراعات والمباريات الإقليمية، كما أنها لن تقرر مخرجاتها.

لقد فشلت واشنطن، وهي تواجه قوة إيران المتنامية، في استكشاف مركز الثقل الجديد في المنطقة والذي تحول من المشرق إلى الخليج. وربما حان الوقت الذي يمكن القول فيه إن السلام والاستقرار في منطقة الخليج هو ما يجلب السلام والاستقرار للمشرق وليس العكس.

وبالنسبة لحكومة تسترجع الماضي لتشكيل سياساتها، فإن إدارة بوش يجب ألا تتعلق بخبرة التاريخ الأحدث للمنطقة، فالمرة الأخيرة التي اعتمدت فيها واشنطن على العالم العربي لاحتواء إيران كانت في الثمانينيات، وانتهى الأمر إلى مزيد من الثقافة السياسية السنية الراديكالية التي خرج منها تنظيم القاعدة بعد أن انتقل التنافس السعودي مع إيران إلى جنوب ووسط آسيا. والآن فالنتيجة ستكون أسوأ؛ إذ ستقود جهود واشنطن لاحتواء إيران إلى المزيد من التعبئة الأيديولوجية للسلفيين الراديكاليين الذين يريدون انتقاص الشعبية التي تمتع بها حزب الله بعد الحرب الإسرائيلية اللبنانية عام 2006. وبالتالي فإذا كان احتواء الشيوعية خلال الحرب الباردة يعني ترويج الرأسمالية والديمقراطية، فإن احتواء إيران الآن يعني هزيمة واشنطن لنفسها؛ لأنها ستروج للمتطرفين السنة.

والحاصل من ذلك أن الحقائق في الشرق الأوسط تؤكد أن جهود تكوين تحالف كبير أمريكي عربي إسرائيلي لاحتواء إيران سوف تتحطم، ولن تقود إلا إلى فوضى أكبر في أفغانستان والعراق ولبنان، وتوريط أمريكا في البقاء المكثف والطويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط.

نحو نظام جديد

تتميز منطقة الشرق الأوسط بانقسامها الدائم على نفسها. ففي الستينيات نازعت الأنظمة العربية الراديكالية قوة وشرعية الدول الملكية التقليدية. وفي السبعينيات رفضت الأصولية الإسلامية النظم العلمانية وعملت على تطبيق شريعة الله. وفي الثمانينيات دعم معظم العرب صدام حسين لمواجهة نظام إيران الثيوقراطي. ويبدو الشرق الأوسط اليوم منقسمًا بأكثر مما عرفناه من قبل، عبر خطوط طائفية ومذهبية، وصخب سني لكبح الصعود الشيعي.

ومرة أخرى وأخرى، وتحت مسمى حفظ توازن القوى، تأخذ أمريكا جانب أحد المتنازعين، وهذا يشعل التوترات ويوسع دائرة الانقسامات القائمة، وفيما عدا الصراع العربي الإسرائيلي، لا تعرف السياسة الأمريكية التوسط في النزاعات وحل الصراعات أو جمع المتخاصمين على طاولة واحدة.. وسابقا وقفت أمريكا مع الملكيات التقليدية ضد الجمهوريات العربية الاشتراكية، وأذعنت لهذه الملكيات في الإخماد الوحشي لمعارضة الدول العلمانية، ودعمت قوة السعودية وآلة الحرب العراقية لمواجهة الثورة الإسلامية لآية الله روح الله الخميني، والآن تدفع مرة أخرى الأنظمة السنية للتحالف ضد إيران وحلفائها الشيعة وتتورط أمريكا في تنافسات داخل الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي سيجعل الاستقرار الأمريكي المنشود بعيد المنال.

وبدلا من التركيز على استعادة توازن القوى السابق، يجب على واشنطن أن تعمل بحكمة لهدف التكامل الإقليمي والإسراع بوضع إطار عمل جديد يُمكّن كافة القوى المتنافسة من الاشتراك في استقرار الأوضاع بالمنطقة.. صحيح أن إيران تمثل تحديا غير عادي للمصالح الأمريكية، لكن احتواء إيران من خلال الانتشار العسكري والتحالفات العدائية ليست إستراتيجية يمكن الدفاع عنها أو التمسك بها. فإيران، وبرغم التصور العام السائد، لا تعد قوة خلاصية منتظرة تسعى للسيطرة على المنطقة تحت مسمى "النضالية الإسلامية"، لكنها قوة برجماتية تنتهز الفرص لتأكيد الهيمنة الإقليمية في جوارها القريب؛ ولذا فمهمة واشنطن هي أن تخلق الوضع الذي تجد فيه إيران منافع كي تحدّ من طموحاتها وتبقى في إطار الأعراف والمعايير الدولية.

الحوار، والتسوية (التفاهم) والتجارة.. وأيا ما تكون الصعوبة المحتملة، فهي وسائل إقناعية.. إن معرفة الحكومة الأمريكية بأن لإيران حقا مصالح مشروعة واعتبارات خاصة في العراق هي ما يجعل الدولتين تدركان في النهاية أن لهما أهدافا متشابهة: كلتاهما تريد حفظ تكامل الأراضي العراقية ومنع نشوب حرب أهلية قد تنتقل إلى منطقة الشرق الأوسط كلها.

إن البدء في إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية بين أمريكا وإيران، إلى جانب التعاون بينهما في العراق، سيكون المادة التي يبنى عليها اتفاق نهائي يعالج برنامج إيران النووي ويجعله يعمل تحت معاهدة منع الانتشار النووي، وإذا ما حظيت إيران بروابط اقتصادية وأمنية مع أمريكا، وأعطيت دورا في منطقتها، فهذا ربما يكبح طموحها النووي.

إن الارتباط بإيران لا يحتاج أن يأتي على حساب علاقات الولايات المتحدة مع جيران إيران العرب؛ فبدلا من عسكرة منطقة الخليج وتكوين تحالفات في المحيط الإيراني، يجب على واشنطن أن تتحرك لبناء نظام أمني إقليمي جديد، تشارك في خلقه كافة القوى المحلية حتى يستقر، ويتضمن ذلك: اتفاقية تضمن حرمة انتهاك الحدود في المنطقة، ومعاهدة لضبط التسلح تستبعد فئات تسليحية محددة، وسوقا مشتركة ومنطقة للتجارة الحرة، وآلية للتحكيم في النزاعات.

وبالنسبة لدول الخليج، هذا النظام الجديد يدخل الدول ذات الأغلبية الشيعية (العراق وإيران) داخل مشاركة بناءة، مما يقلل مخاطر النزاع الطائفي، كما أن هذا النظام يمثل فرصة لإيران لشرعنة قوتها وتحقيق أهدافها عبر التعاون لا المواجهة، وهذا يسمح للحكومة العراقية، التي يقلل من شأنها الجيران السنة، أن تنفي شائعة تبعيتها لإيران، كما يجعل القوتين الكبريين في المنطقة، السعودية وإيران، تتحركان بعيدا عن المنافسات صفرية الطابع في العراق وتضغطان على حلفائهما هناك لعمل ميثاق وطني جديد يراعي حقوق ومصالح الأقليات السنية والكردية في العراق.

ولن يتم ذلك بالطبع دون مشاركة ودعم أمريكي، فالدول الخليجية تحتاج إلى طمأنة وضمانة لتأمين دفاعها في هذا النظام الإقليمي الجديد، وإيران، التي تمثل لها الولايات المتحدة المنافس الإقليمي، لن تجد سببا للمشاركة في هذا النظام إذا لم ترتبط به واشنطن، ومن جانب أمريكا يجب عليها أن توضح أنها لا تسعى لاستعادة توازن القوى بل تعقد اتفاق ترتيبات إقليمية يلتحق به كافة الأطراف.

إن هذه الإستراتيجية تقلل من التناقضات الظاهرة وتعظم المنافع، وهي ما يجعل الدول الخليجية تتعاون ليس مع بعضها البعض فقط بل تشجع بقاء الحضور الأمريكي في المنطقة، ومن جانب آخر، تخدم هذه الإستراتيجية مصالح حلفاء أمريكا الأوروبيين وكلا من الصين وروسيا، فجميعها تريد استقرار المنطقة وضمان تدفق الإمدادات النفطية.

إن الارتباط بإيران وإدماج قوتها الصاعدة داخل ترتيبات إقليمية واضحة هو الطريق الأمثل لاستقرار العراق، وتهدئة مخاوف حلفاء أمريكا العرب، والمساعدة في عملية السلام بين العرب وإسرائيل، وقبل ذلك يعطي مؤشرا جديدا للتفاوض حول برنامج إيران النووي؛ ولأن هذا النظام يشمل جميع الأطراف فإنه سيكون الأكثر بقاء واستمرارا، والإستراتيجية الأقل ضريبة وتكلفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.


فالي نصر: أستاذ السياسة الدولية بمعهد فليتشر للقانون والدبلوماسية، وباحث في دراسات الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ومؤلف كتاب "الإحياء الشيعي.. كيف سيشكل الصراع داخل الإسلام المستقبل؟".

راي تاكيا: باحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ومؤلف كتاب "إيران المتخفية.. مفارقة التناقض والقوة في الجمهورية الإسلامية".


*ترجمة موجزة لدراسة نشرت في دورية "فورين آفيرز Foreign Affairs" الأمريكية، تحت عنوان: "تكاليف احتواء إيران.. الحسابات الخاطئة لسياسة واشنطن الجديدة في الشرق الأوسط"، عدد يناير/فبراير 2008.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات