|
| جواد الخالصي |
أمر يبعث على الدهشة.. الجهاد المصرية والطليعة الإسلامية في السبعينيات كانوا يترقبون زحف آيات الله على عرش الشاه.. ويحسبون ذلك من الإضافات لرصيد الإسلاميين في العالم، ولم تسلم من هذا الإعجاب بعض الجماعات السلفية وأطلق اسم خالد الإسلامبولي قاتل الرئيس السادات على أحد الشوارع في طهران، ولكن المشهد الآن جد مختلف فقد افترق الثوريون والراديكاليون.. الشيخ المرجع الشيعي جواد الخالصي زعيم التيار الخالصي العراقي يرصد حالة اللقاء والاحتراب بين هذه التيارات والجماعات السنية والشيعية، ويرصد في هذا الصدد مبادرة ترشيد الجهاد، ويتوقع الخالصي أن تكون لتلك المراجعات انعكاساتها على الساحة العراقية.
نص الحوار:
- كممثل لأحد التيارات المهمة في العراق وهو التيار الشيعي الخالصي، هل تراقب ما يجري على مستوى المراجعات والتقييم للجماعات الجهادية المصرية؟ وكيف ترى امتداداته الإيجابية للمشهد العراقي؟ بمعنى أكثر مباشرة: هل للحركات الجهادية العنيفة في مصر تأثيراتها وامتداداتها على الحركات الجهادية في العالم العربي وفي العراق خاصة؟
المشهور أن تنظيم القاعدة قد تفرع من تنظيم جهادي في مصر، والقاعدة تنظيم نشأ في أفغانستان ومر بمرحلتين؛ الأولى: ضمن مقاومة الاحتلال الروسي الشيوعي لأفغانستان وخلال هذه المرحلة جرى نوع من التعاون بين القوى الجهادية والقوى الغربية في مقدمتها الولايات المتحدة. ثم المرحلة الثانية: والمواجهة بين الولايات المتحدة وبين العالم الإسلامي وتصاعد الأحداث حتى الحادي عشر من سبتمبر.
الوضع العام في العراق لم يكن جزءا من هذه التفصيلات، لكن عندما جاء الاحتلال الأمريكي وجاءت قوى مقاومة للاحتلال، جاء اسم القاعدة وانعكاس حالة القاعدة ومواقفها في العراق، وهو ما جعل بعض العراقيين يعودون إلى ذكريات الحركة الإسلامية للتنظيمات الجهادية في مصر، وهي المنبع، خاصة فترة الخمسينيات والستينيات حيث ولّد الضغط الذي جرى على حركة الإخوان المسلمين عناصر متطرفة في هذه الحركة، وهذا من أهم أخطاء الحكام عندنا، فهم بظلمهم وتشددهم مع الناس جعلوا بعض الناس يتطرفون، وهو أمر متوقع ومحتمل. هذه الأفكار تلاقت مع أفكار الحركة السلفية المتطرفة في أصولها القديمة، وكأن التطرف الناتج من الضغط العملي في المواجهة التقى مع التطرف الناتج من الأفكار السابقة فولّد هذه الحالة العنيفة والمتشددة التي أضرت بصورة الإسلام ووحدة المجتمع الإسلامي، وهي قد ظهرت بداية في مصر والأردن والسعودية ثم صلت إلى العراق.
الثورة الملهمة
- في السبعينات رأى البعض أن الثورة الإيرانية كانت ملهمة للحركات الإسلامية في مصر وكانت الحركات الجهادية تستلهم مبادئها من ثورة الشيعة في إيران حتى أن ذلك سبب لها العديد من المشاكل مع نظام السادات وموقفها من استضافة الشاه؟
قد يبدو في الظاهر تناقض بين الأمرين، لكن من قال إن الثورة الإسلامية ليس فيها أصول سلفية؟ فالسلفية هي اتباع السلف الصالح، ماذا يقول الشيعة في اتباع أهل البيت فيما يرونه في الكتاب والسنة؟ وآل البيت هم السلف الصالح.. التلاقي كان جيدا لولا الخطأ الفكري المتعمد الذي أوقع فيه البعض الثورة في إيران، فهي حركة تحررية جهادية جيدة كان من الممكن أن تلتقي مع الحركات الجهادية والإسلامية بشكل أعم، ليس مبدأ تفجير المجتمعات من الداخل وإنما على بناء المجتمعات وتوحدها تحت لواء الإسلام لتنشأ لدينا حالة من التماسك بين إيران والعراق وسوريا ومصر والسعودية، كان من الممكن أن تكون حالة تعادل جيد، وقد أيدت الثورة ليس الحركات الجهادية في مصر فقط، ولكن الحركة السلفية في العالم، كلها أيدت ثورة إيران بمن فيهم الشيخ عبد العزيز آل الشيخ إمام الحرم المكي آنذاك، لكن تعلم أن السياسة خشيت من هذا اللقاء والثورة في إيران لم تستوعب هذا اللقاء، ثم جاءت الحرب الإيرانية العراقية التي أشعلتها أمريكا لتزيد الهوة فيما اعتبر شرخا من جديد.
- ولهذا أطلق اسم القائد الجهادي خالد الإسلامبولي على أهم شارع في طهران؟
الشعب الإيراني كان معجبا جدا بخالد الإسلامبولي وضد السياسة التي اتبعها الرئيس أنور السادات، مع تحفظنا على ذلك لكن نحن نتحدث عن الواقع ولسنا بصدد التقييم الآن..
- المثير للدهشة أن إيران كانت في حالة عداء مع تنظيم الجهاد ومع هذا أسمت شارعا باسم أحد عناصره؟
الشعب الإيراني بعد قيام الثورة توجه توجها جهاديا نحو فلسطين ولولا الحرب التي أججت مع العراق لكان من الممكن أن يلتقي الإيرانيون والعراقيون في مواجهة متوازنة القوى مع العدو الإسرائيلي، لكن المخططون فهموا ذلك وأججوا نار الحرب، الآن الشعب الإيراني في أغلبيته الساحقة معجب بحماس، وأعجب وساند وشجع حركة فتح عندما كان عرفات رئيس فتح، واستقبل عرفات بالملايين عندما جاء لزيارة طهران، وقتها لم ترفع سوى صورتي الخميني وعرفات، وعندما ذهب إلى هناك استقبلته الطائرات الأمريكية الإيرانية.
- دعني أرتب الفكرة، حيث ترى أن الجهاديين المصريين، هم رعاة بذرة القاعدة الأفغانية، التي استنسخت بدورها في عدة دول عربية ومنها العراق.. هل هذا صحيح؟؟
نعم، ولكن سمعنا أن القيادات الرئيسية التي كانت قد أسست القاعدة طالبت قيادات القاعدة العراقية الأساسية بحل بيعة التنظيم في العراق، لأنه قام بأخطاء جسيمة ناتجة عن اختراقه في العمق، والواقع أن التنظيم أو من يسمى بهذا الاسم قد قاموا وتبنوا أمورا شكلت الغطاء لتمزيق الوحدة الوطنية في العراق، خاصة فيما يتعلق بتصفية الشيعة على أساس أنهم روافض أو متعاونون مع الاحتلال، وكان هذا من الأسباب الرئيسية لحصول حالة التمزق والتشرذم الداخلي التي أدت إلى الفتنة الحادثة الآن.
وقد استنكر الظواهري هذه القضايا واستنكرها بن لادن أخيرا وطالب بالاعتذار عن الجرائم التي اقترفت وفي رأينا هذه الجرائم لم تقترف عن أخطاء لأنها واضحة الضرر.
- لكن قبل الاحتلال هل كانت توجد تيارات جهادية؟
كانت توجد تيارات جهادية لكن لم يكن لها علاقة بالخارج أو بالتنظيمات الجهادية في مصر، مثلا كانت هناك جماعات جهادية تقاتل النظام السابق، وكانت هذه الحركات الجهادية تقاوم النظام لأنه متغرب وله ارتباط بالمشروع الغربي، وقبل ذلك كانت هناك جماعات تمثل الإخوان المسلمين وتفرعاتهم، لكن الآن أصبح أغلبهم ضمن الحزب الإسلامي داخل العملية السياسية ولم يعودوا محسوبين على الجهاديين، والمثير بين تيارنا والقاعدة أنه عندما أسقط المشاركين في العملية السياسية نحن أيضا أسقطناهم، لكن هم أسقطوهم دما وعنفا ونحن نسقطهم من الناحية السياسية والمبدئية.
- ثمة تناقض.. تقول: إن الحركات الجهادية موجودة وكانت تجابه الحاكم، لكن التي تجابه الاحتلال مستوردة؟
الحركات الجهادية الكثير منها بدأ في استقطاب أبناء العراق في مرحلة تالية، لكن في أصولها وبداياتها من الخارج، وكان لدينا حركات استشهادية لكن قليلة جدا، أما هذه الحالة التي استباحت العمليات الاستشهادية والانتحارية بهذه الكيفية وضد أبناء العراق فهذه لم تكن موجودة أصلا.
- لماذا تم استهداف الشيعة الآن بعد الاحتلال؟
هناك خلل فكري وقع فيه البعض نتيجة فتاوى تكفير الشيعة استغل من خلال الاختراق لهذه الجماعات ليساق المجاهدون إلى اتجاه خاطئ في توجيه البوصلة.
- على مستوى التيارات الشيعية ألا توجد تيارات جهادية كما في السنة تأخذ موقفًا من أهل السنة وتكفرهم؟
لا توجد جماعات شيعية تتخذ هذا الموقف من أهل السنة وإنما حصل في الفترة الأخيرة أن الأحداث التي جرت باسم الجماعات الجهادية السنية على الإعلان الذي نرفضه سمحت لقوى مشبوهة أن تؤسس جماعات للانتقام من هؤلاء والذين قاموا بجرائم ضد أهل السنة لا تقل عن الجرائم التي ارتكبت ضد الشيعة.
- نعود للمراجعة الجهادية المصرية وتداعياتها وانعكاساتها على العراق؟
لا شك أنه سيكون لها انعكاس إيجابي، وأي موقف يتخذه العلماء أو قادة الحركات الجهادية يدعو للوحدة سيساعدنا على إيقاف الفتنة وبحر الدم في العراق، فسيد إمام دعا إلى الالتزام بأمرين: رفض قتل الشيعة وتكفيرهم، وقضية الامتناع عن استهداف السائحين لأنهم مستـأمنون بدخولهم إلى بلاد الإسلام، من خلال أخذهم تأشيرات، وأنا أجزم أن هذه المراجعة مهمة للعراق وتمكننا من تطويق التوجهات المتطرفة العنيفة داخل الحركات الجهادية، والتي أدت إلى الفتنة الداخلية التي استباحت دماء الناس، وستساعدنا على توحيد الشعب في مواجهة الاحتلال الأمريكي.
- لماذا لم يقم مراجع الشيعة بمراجعة الأفكار والأسس النظرية للجماعات الجهادية؟
الحقيقة لعدم وجود احتكاك قوي ولحساسية الموقف، أجل نقاشها لمراحل تالية حيث ناقشناها بشكل خفيف وفق الحاجة الخفيفة، لم نكن نتحسس الخطر بهذا الشكل الذي حدث والذي جاء بعد الاحتلال، ودعني أوضح أن هذه الأفكار مثل فكرة الحاكمية لم تكن واسعة الانتشار في المجتمع العراقي حتى تحتاج إلى تفرغ واهتمام لكن لما جاء الاحتلال ظهرت ونحن نؤولها وفق نظرية المؤامرة وأن الذين قاموا بهذا العمل وبث هذه الأفكار اخترقوا بعض التنظيمات الجهادية ووجهوها توجيها خاطئا، وهم جهات أجنبية مرتبطة بالاحتلال ونحن نعتقد أن بعض الأعمال والجرائم التي نسبت للحركات الجهادية قامت بها في الأصل بعض شركات الأمن الخاصة التي جاءت مع الاحتلال، والبعض منها خُدع بها المجاهدون فقاموا بها مما أدى لتمزيق الصف الوطني العراقي.
- لكن ثمة من يكفر السنة من الشيعة..
ليس لدينا جهات واسعة تؤمن بتكفير أهل السنة حتى نحتاج لمجابهتهم، حتى الأصوات الشاذة نقف في مواجهاتها وحتى مراجع الشيعة التقليديون وقفوا في مواجهتها.
لكن هناك جماعات شيعية قامت بجرائم ضد السنة مدفوعة بمنظور عقائدي، بمعنى أن الفكرة الجهادية تسربت إلى بعض التيارات الشيعية وذات الموقف من المجتمع والحاكم..
الموقف من المجتمع والحاكم لم يكن موجودا ولم يتسرب،وما تسرب حال التهييج ورد الفعل على ما جرى مثلا حصل تفجير في سامراء.. من قام بالتفجير؟ أنا شخصيا أعتقد أن من قام بالتفجير هو الموساد الإسرائيلي لكن ماذا كان رد الفعل الشيعي على أهل السنة هو التفجير وأهل السنة حزنوا وأصابهم أذى من تفجير المرقدين بقدر الأذى الذي أصاب الشيعة، وأهل السنة هم من حرسوا المرقدين خلال ألف ومائتين سنة فلا يعقل أن يقوم أحد من أهل السنة بهذا العمل ولا حتى الجماعات المتطرفة منهم.
- ما هو تعريفكم للتيارات المتطرفة العنيفة؟ وما هي أهم ملامحها؟
أهم ملامحها أنها من الناحية العملية تستبيح دماء من يخالفها في قضايا خلافية، وهذا أخطر ما فيها، لن يكون الأمر بهذه الخطورة لو وقف عند حد التكفير.. فأنا شخصيا أؤمن أن الحاكم يجب أن يحكم بما أنزل الله، وإذا لم يحكم بما أنزل الله فالآية تقول فأولئك هم الكافرون، لكن لا اعتبره كفرا وارتدادا عن الدين، وإنما الحاكم ينصح ويوجه ويتفاعل معه ليطمئن، ويطمئن حتى لا يندفع بعيدا عن الأمة فيقع أكثر في أحضان الأعداء، إذا قلت هذا لأحد المتطرفين هو لن يتوقف على استباحة دم الحاكم هو سيستبيح دمي أيضا.
الجانب الآخر جانب الاستباحة على أساس طائفي عندنا في العراق أصدرت بعض التنظيمات الجهادية فتوى باستباحة دم الروافض وهم الشيعة، يعني نصف المجتمع، وهم في الوقت نفسه لا يعرفون ماذا تعني الكلمة لا في التاريخ ولا في المعاصر،وهم أيضا يستبيحون دم من يشارك في العملية السياسية نحن ضد العملية السياسية ونرفض الاشتراك فيها.. لكن لن نستبيح دم من شارك في العملية السياسية، على هذا الأساس فالجماعات العنيفة تستبيح دم الشيعة لأنهم روافض، وهذا أدى إلى الفتنة الكبرى، وتستبيح دم الأغلبية من السنة لأنهم لم يشاركوهم أفكارهم، هذا أخطر ما في هذه الجماعات.
- كيف يمكن الاستفادة من المبادرات والمراجعات التي تقوم بها الحركات الإسلامية في مصر لديكم في العراق؟
أنا أدعو للقاء إسلامي، ليس بين السنة والشيعة فقط... بل بين السلفية الحركية المتطرفة عند السنة والأصولية الشيعية، يجب أن يلتقي هؤلاء جميعا ليؤكدوا وحدتهم اليوم وليبحثوا الجذور الفكرية التي أوقعتهم في الأخطاء، والمراجعة الفكرية في مصر هي خطوة جيدة جدا نشجعها ونباركها ونتمنى أن تؤثر على القاعدة في كل مكان لكي يتشددوا في نقد التصرفات الخاطئة في العراق.
- لماذا لا تستفيدون منها عن طريق طبعها ونشرها وتعميمها مثل كتب (إعداد العدة) في محاولة لمحاصرة هذا الفكر.
للأسف لم أحصل على شيء مكتوب حتى الآن، لكن بمجرد الحصول عليه سوف نعمل على توسيع الاستفادة منها ومناقشتها لأنها تعد خطوة جيدة، فنحن نؤكد أن كل مسلم معصوم الدم والمال العرض، وكل إنسان مصون في المجتمع المسلم لأننا نعتبر الإنسان قيمة عليا لا يجب الاعتداء عليها.
- على مستوى الأصولية الشيعية هل أنتم بصدد إنتاج نصوص تحاول تخفيض مستوى العنف دخل هذه الجماعات؟
نحن في مدرستنا مارسنا هذا الدور منذ 100 سنة في التشدد مع التطرف الشيعي لتهذيبه وتوجيهه، ووصلنا في هذا الصدد إلى كم لا بأس به من الانتقاد اللاذع والحرب المعلنة وغير المعلنة؛ لأننا في الحقيقة بدأنا في الوسط الشيعي، ولتهذيب حالة التطرف الشيعي دعونا للوحدة وعدم التفرقة لا في المسجد ولا في صلاة الجمعة ولا في الجماعة، وهو منهج المدرسة ولم يعارضنا فكريا أحد من علماء الشيعة لكن بعض المندسين والمتسترين العلماء الصغار.
- وتيار الصدر ألم يكن معارضا؟
بالعكس تماما التيار الصدري كان من أقرب المقربين لهذا الخط، والسيد محمد الصدر والد السيد مقتدى هو من تبني هذه الأفكار ونشرها
- بالنسبة لجيش المهدي أليس له أسس عقائدية للقتال؟
ليس هنالك سيطرة على هذه القوى المسماة بجيش المهدي، فلا يوجد إطار نظري، على العكس توجد فوضى نظرية، والعدو اخترق هذا الأمر ووجهه توجيها خطأ، والمخطئون القتلة يعتبرون حالة شاذة في جيش المهدي في نظر العلماء الصالحين.
- لكن هؤلاء لم يدانوا..
لا.. أدينوا بشكل علني ولمرات عديدة
|