|
| مَن يُقاتل مَن في العراق؟.. |
"مجالس الصحوة" في العراق موضع خلاف منذ ظهورها وتناقل الأنباء عن أعمالها، ويتحدث عنها الموضوع التالي بقلم الكاتب حسن البراري، وقد نشر في جريدة (الغد) الأردنية، وينسب الكاتب إلى بعض القائمين على مجالس الصحوة تعليلاتٍ ووجهات نظر من وراء تحرّكهم بدعم أمريكي، ويطرح موقع إسلام أون لاين هذا الموضوع على القرّاء، من خلال عدد من الأسئلة يجدها القارئ في ختام المقال.
صحوة أبو غريب و"الأسئلة الملغومة"
في نظام دولي يتميز بما يسمى بالفوضوية أو الأناركيا (غياب سلطة عالمية مركزية تجبر الدول على تنفيذ الاتفاقات وتنفيذ القانون وتمنعهم من الاعتداء على الآخرين)، فإنّ ما يحرك أي دولة أو لاعب أقل من دولة في اللعبة الإستراتيجية، على مستويي التكتيك والإستراتيجية، هو تحديد مصدر التهديد، وهذا بدوره يؤثر بشكل كبير على تحديد الدولة أو الجماعة لنمط وشكل التحالفات أو التفاهمات التي تقيمها مع لاعبين آخرين، سواء أكان هؤلاء اللاعبون دولا أو جماعات.
هذا تفكير إستراتيجي ناجع وكل دولة أو جماعة تخفق في فهم هذا المنطق وعدم التصرف بموجبه، فإن البيئة الإستراتيجية الفوضوية ستعاقبها. ويبدو أن هذا السلوك غريزي لدى الكثير من السياسيين ولا يحتاج الواحد منهم أن يكون ضليعا في فكر هوبز، وميكافيلي، أو حتى ثوسيديدس ليفهم عقلانية سلوك كهذا.
ضحية فوضى الاحتلال
أنتج الاحتلال الأمريكي حالة من الفوضى العارمة في العراق. وبهذا فقد تحول العراق ليكون مسرحا للصراع بين أكثر من لاعب إقليمي ودولي. وأقامت الجماعات العراقية نمطا من التحالفات مع القوى الخارجية والداخلية لتحقيق أهدافها بناء على طموحها أو تحديدها لمصدر التهديد.
من دون شك، فالخاسر الأكبر من الاحتلال الأمريكي هم العرب السنة. وانخراط قسم كبير من العرب السنة في مقاومة وطنية ضد الاحتلال الأمريكي لم تقوِّ من وضعهم في التعامل مع الجانب الأمريكي وبنفس الوقت صعدت القوى الشيعية (بخاصة المرتبطة بإيران) لتستأثر باللعبة السياسية والثروة معا. وأكثر من ذلك يشعر العرب السنة أن التغيير برمته جاء ضد مصالحهم لكنهم يستوعبون أيضا أنه لا يمكن لهم الاستمرار في "لعبة مقاومة الاحتلال الأمريكي نيابة عن إيران"، كما يقول أحد قادة المقاومة سابقاً والصحوة لاحقا.
خطر إيراني وخطر أمريكي؟..
فقد التقينا مؤخرا، وبعض الأصدقاء الأردنيين، مع "أبو عزام"، أحد قيادات الصحوات العشائرية في أبو غريب، وعرض علينا وصفا كاملا عن رؤيته لما يجري في العراق، وكيف يمكن حماية العرب السنة. قال، بالحرف الواحد، "إنّ مصدر التهديد الأكبر الذي يواجهه عرب السنة هو الاحتلال الإيراني ثمّ الاحتلال الأمريكي".
الاحتلال الأمريكي، وفقاً لـ"أبو عزام"، زائل على المدى المتوسط، أما إيران وأدواتها في العراق فهم باقون. وعليه فالمنطق يقول: إنّه إذا لم يكن باستطاعة العرب السنة مواجهة الأمريكيين والإيرانيين معا، كما أثبتت خبرة السنوات السابقة، فإنّ الحل هو التحالف مع الاحتلال الأمريكي من أجل تحسين موقف السنة وإلحاق هزيمة بالاحتلال الإيراني.
تحدث "أبو عزام"، أيضا، عن وجود آلاف المقاتلين في صحوة أبو غريب. فبالنسبة له فإن العدو ليس القاعدة بالدرجة الأولى، كما تذكر وسائل الإعلام، وإنما إيران وأدواتها. وبالتالي فالتحالف مع الأمريكيين وتلقي المساعدات العسكرية والمالية من الجانب الأمريكي هو في صالح العرب السنة لخوض معركة بغداد؛ إذ استغلت القوى الموالية لإيران وجود الاحتلال الإيراني للعراق والتفاهم مع الأمريكيين لتطهير بغداد من العرب السنة. ويتحدث السيد أبو عزام عن عودة الكثير من السنة إلى بغداد بفضل جهد الصحوة وأن الطريق ما يزال في بدايته.
صُدِمنا من حِديّة الطرح الذي يقفز على ما ارتكبته الولايات المتحدة في العراق. وقد تجادلنا معه حول أهمية التركيز على إخراج الأمريكيين من العراق. فكان جوابه أن العرب السنة لا يمتلكون القدرة على إلحاق هزيمة بالولايات المتحدة، بينما يتعرّضون للتطهير الطائفي وتصادر منازلهم وأحياؤهم بالكامل، إلى الدرجة التي تغيّرت فيها هوية بغداد نفسها.
وفقاً لـ"أبو عزام" فإنّ الصحوات هي نتيجة "مراجعة" قاسية وجذرية قامت فيها فصائل "المقاومة" العراقية بعد سنوات من القتال والصراع مع الأمريكيين، وصلت بعدها إلى أنّ المستفيد الرئيس من الحال الراهنة على المدى البعيد هو إيران، بينما يقع العرب السنة بين مخالب الإيرانيين والقوى التي تدور في فلكهم من ناحية والقاعدة وأيديولوجيتها العدمية من ناحية أخرى والمواجهة مع أقوى قوة عسكرية في العالم "الولايات المتحدة" من ناحية ثالثة.
بناءً على هذه المراجعة، كما يقول "أبو عزام"، قررت قوى سنية رئيسة العمل على تغيير المعادلات السياسية والأمنية والتعامل بنوع من الواقعية الحقيقية وتحكيم العقل بدلاً من الانجرار وراء شعارات كبيرة ستؤدي إلى خسارة العرب السنة بغداد وبيوتهم وأحياءهم، بعد أن خسروا الحكم بعد الحرب الأخيرة.
تحدّي الطرح الجديد
للأمانة؛ أثار هذا الحديث ووضوح الرؤيا لدى "أبو عزام" في شجوني جملة من التساؤلات. كيف لي كعربي مؤمن بعروبة ووحدة العراق ومعارض لأي احتلال في العالم أن أتفق مع من يقول بأن بقاء الاحتلال الأمريكي الآن هو في صالح العرب السنة؟! وفي الوقت نفسه أدرك أن الحديث باستخدام تعبيرات كبيرة مثل "مقاومة الإمبريالية" هو وإن كان سهلا وشعبويا إلا أنه لا يلتقط أين تكمن مصالح العراقيين. ثم هل يجوز لي أن أحدّد للعرب السنة في العراق أين هو مصدر التهديد الرئيسي بالنسبة لهم؟! وهل أُخوّنهم؟ وإذا فعلت الأخيرة.. فماذا بقي من تعدّديتي التي ما انفككت الحديث عنها كقيمة عليا وصحية لأي مجتمع!
الحقيقة أن الحديث مع "أبو عزام" مثّل تحدياً بالنسبة لجملة من المسلمات التي أؤمن بها، وعلى رأسها ما نسميه في العلوم الاجتماعية بـ"العلاقة السببية"؛ فالوضع العراقي هو نتاج غزو أمريكي أدى إلى تفكيك الدولة وأخفق في إعادة بنائها، ما فتح المجال أمام إيران للتغلغل والعبث في طبيعة العراق.
لو كنت إيرانيا لوجدت أن مصالحي تكمن في تقسيم العراق وإضعافه، حتى في ظل قيادة شيعة العراق؛ لأنّ ذلك يعطي إيران ميزة إستراتيجية هي أحوج ما تكون لها، أي النفوذ السياسي وتوظيف الدين في سبيله في المنطقة، بينما وجود عراق قوي وموحد، حتى وإن كان يحكمه الشيعة، فإنه على المدى البعيد يشكل منافساً لإيران، ويعيد الاعتبار لـ"شيعة العرب" في مواجهة القومية الفارسية، أو ما تمّ الاصطلاح عليه بـ"الصراع الخفي بين النجف وقم".
هل سيؤدي اندثار الاحتلال الأمريكي للعراق إلى جعل العراق في وضع أفضل أم أسوأ؟ بكل تأكيد، سيكون الجواب منسجمًا (مع) ومستمدًا (من) موقع المجيب. فبالنسبة للقاعدة، على سبيل المثال، فإن الوضع سيكون أكثر من ممتاز. أما إيران فستوظف القوى الموالية وتفوقها الإقليمي للمضي في أجندة لا تتحقق إلا على حساب السنة. أما بالنسبة لـ"أبو عزام" فإنّ الانسحاب الأمريكي حالياً، وإن كان مطلوبا، فلن يفيد عرب السنة. فالمطلوب هو "توظيف الاحتلال الأمريكي لسحق الاحتلال الإيراني وتثبيت عرب السنة في بغداد".
أتفهم جيدا ما طرحه "أبو عزام" وأعطيه الحق بتحديد مصادر التهديد التي يراها تحيق بالعراق وعرب السنة، لكن المشكلة في طرحه هي غياب المشروع السياسي والإستراتيجي، كما قال أحد الزملاء الحضور. فهذه الرؤية، وإن كانت تنطلق من معاناة واقعية يومية، كما يصف "أبو عزام"، فإنّها لا تجعل من "الصحوات العراقية" رافعة لعمل وطني لمقاومة الاحتلالين وبناء دولة بأسس حديثة، ولا تضمن في الوقت نفسه أن يكون توظيف الاحتلال الأمريكي لها أكبر في سياق الخروج من مأزقه الكبير في العراق، ذلك المأزق الذي فجّر الأسئلة الملغومة ليس في العراق وحده، بل في المنطقة بأسرها!.
شارك برأيك..
التساؤلات حول ما يسمّى "مجلس الصحوة" كثيرة، لا تنقطع، وتستحق التفاعل معها، ويهمّ موقع إسلام أون لاين أن يشارك القراء الأعزاء مشاركة واسعة في النقاش الدائر، ولا سيما أن آثار ظهور مجالس الصحوة بدأت تنعكس على واقع العراق، ويمكن أن تساهم في صياغة معالم مستقبله.
- ندعوكم للمشاركة من خلال الإجابة على الأسئلة التالية عبر خدمة: أضف تعليقك:
1 - هل تقبل بتعليلات قادة مجالس الصحوة لتسويغ تعاونهم مع الاحتلال الأمريكي؟ أم تراها مجرّد أداة تخدم مصلحته، ويمكن أن يتخلّى عنها بعد تحقيق غرضه منها؟..
2 - هل تابعت ما تقوم به "مجالس الصحوة" من عمليات؟ وهل ترى أنّها استهدفت مسلحي تنظيم القاعدة فقط؟ أم استهدفت تنظيمات المقاومة العراقية عموما؟..
3 - وفق ما جاء في المقال، هل تعتقد أنّ الخطر الإيراني أكبر على العراق من خطر الاحتلال الأمريكي؟..
4- هل تعتقد بأن ظهور مجلس الصحوة ساهم في تعديل التوازنات الطائفية العراقية في صالح السنة، وإذا صحّ ذلك فهل تعتقد أنّ هذه الميزة ستستمر إلى ما بعد إضعاف عمليات المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال الأجنبي؟..
5 - ما هي في اعتقادك موازين الربح والخسارة في العراق وأثرها على الواقع السياسي العراقي ومستقبله؟..
كاتب أردني
*نقلا عن جريدة الغد الأردنية في 3/1/2008م
|