English

 

السبت. يناير. 12, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أمريكية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عقدة الخوف.. مشكلة بوش الإسرائيلية *

إرا شيرناس

ترجمة - إبراهيم غالي

جورج بوش عاجز عن تجاوز نفسه
جورج بوش عاجز عن تجاوز نفسه

لا أحد يعرف ماذا يدور في عقل الرئيس بوش بالنسبة لإسرائيل والفلسطينيين. وحتى هو ذاته لا يعرف تحديدا لماذا يقوم بجولة لدى الطرفين. لكنه إذا كان قد ذهب حقيقة ليترك بصمة لميراث حكمه من خلال دفع الجانبين إلى السلام، كما يقول العالمون بالأمور، فإنه سيواجه مشكلات مختلفة من الطرفين.

على الجانب الفلسطيني، تشير آخر استطلاعات للرأي إلى أن 39% من الفلسطينيين يثقون بالرئيس عباس وحركة فتح، و16% يثقون بالمعارضة (حركة حماس)، بينما لا يثق 41% بأي من الفصيلين. وبالتالي إذا توصل عباس مع بوش والإسرائيليين لصفقة أو اتفاق ما فإنه سيكون القائد الذي لا ينظر إلا لمؤيديه القليلين فقط.

وحتى إذا تضمنت مثل هذه الصفقة واقعيا خلق دولة فلسطينية، ورغم اعتراض الكثيرين على خيار حركة فتح هذا، فإن أية صفقة سوف تقوم على خلق دولة مقطوعة (مقتضبة) وبأقل قدر من الاستقلالية لن تنجح بسبب اقتطاع مساحات كبيرة من القدس سيتم التخلّي عنها لإسرائيل، كما أن الفلسطينيين سينكرون دولة ليس لها تسليح جيد وليس لها السيطرة على مصادر إمدادات المياه. أضف إلى ذلك أن بوش أيد رفض إسرائيل لقادة حماس الذين انتخبهم الفلسطينيون ورفض دخولهم الحكومة، ولهذا سينظر الفلسطينيون إلى أي اتفاق على أنه بيع "غرر" وسيقاومونه.. ولكن كيف سيقاومون؟

لا أحد يستطيع التنبؤ، لكن من المتوقع أن المجتمع الفلسطيني سيكون أكثر تمزقا وستكون حكومته أقل قدرة على الحكم.

إن هذه الفوضى هي ما تريده الحكومة الإسرائيلية. ووفقا للعديد من التقارير، فإن إسرائيل قد ساعدت عبر وكلائها السريين في تقوية حركة حماس قبل سنوات خلت كي تقضي على الدعم الدولي الذي كان يحظى به ياسر عرفات. وقريبا قامت إسرائيل بتسهيل دخول ونقل الأموال (وربما السلاح أيضا) إلى حركة فتح خلال نزاعها المتبادل مع حركة حماس كي تزيد إسرائيل من حدة التوتر داخل مراكز السلطة الفلسطينية. وأكثر من ذلك أن الإسرائيليين قد استخدموا العنف بكثافة للقضاء على الاتفاق على حكومة الوحدة بين حركتي فتح وحماس منذ عام 2006.

وسوف تعمل الحكومات الإسرائيلية وفقا لإستراتيجية التقسيم بين الفلسطينيين حتى لو ولدت دولة لهم، فما يخشاه الإسرائيليون أكثر من أي شيء آخر أن يروا خصمهم موحدا. ومن جانب آخر فإن الخوف الإسرائيلي - أكثر من أي شيء آخر - هو العقبة أمام السلام، وهذه مشكلة جورج بوش الإسرائيلية.

سياسات الخوف

في الشهر الماضي، كتبت المتدينة اليهودية المعروفة "تيرزاه فيرستون" مقالا تحت عنوان "القضاء على الاضطراب العام"، حيث علقت بعد زيارتها للأراضي المحتلة بالقول: "واجهت الجهود الصادمة لتفشي الخوف لدى شعبي"، وأضافت: "غرس الخوف في أذهاننا نحن اليهود، وبات يعيش في خلايانا. والآن أصبح الخوف سلطة سيادية في حياتنا ويتحكم في أفعالنا".

وكما يعلق أحد المتخصصين النفسيين، فإن "تيرزاه" تعلم أن أناسا يشيدون أسوارا حول أنفسهم للأمن لن ينهوا خوفهم. وقد كتبت: "إن الجدار الأمني غير المعقول الذي أسسته إسرائيل في الضفة الغربية هو لحفظ حياتنا.. لكن مخاطر هذه الجدران أنها تقتل روح الحياة وتقضي على آدميتنا". وفي تعليقها على سبب هذا الخوف، تقول: "يأتي الخوف من تاريخ طويل حافل بالمعاناة وقرون من الاستبعاد والشتات والجيتوات والإبادة المنظمة".

الثيولوجي اليهودي صاحب النفوذ "إميل فاكينهايم" يعلق على ما ذكره متخصص نفسي إسرائيلي بأن معظم اليهود ساووا كل العرب بالنازيين لأنهم جعلوا المحرقة هوسا يهوديا، بقوله: "إن هذه الحجة لتبرير ادعائه باحتلال إسرائيل لفلسطين، وهو ما يستتبع العنف الذي لا مفر منه، فهو ليس أخلاقيا بل بمثابة قانون مقدس".

لقد قضت إسرائيل 60 عاما، تعرض مقولة أن اليهود لا يمكنهم فقط أن يشعلوا حربا أخرى بل عليهم جعل أنفسهم قوة لا تقهر في الشرق الأوسط. والآن فالحقيقة هي أن إسرائيل المؤمّنة تسليحيا لم تتخلص بعد من الخوف، وهذا أمر يدخل إلى عقول غالبية من اليهود في إسرائيل وغيرها.

ودليل على ذلك ما كتبه المعلق الإسرائيلي البارز "أوري أفنيري" لدى التعليق على تقرير الاستخبارات الأمريكية حول وقف إيران نشاطها لإنتاج أسلحة نووية، حيث كتب أفنيري: "إن الأنباء التي ترد بأن إسرائيل ليست في خطر جراء ضربة نووية ماحقة للبلد لن تعجب الكثيرين الذين سيعتبرونها مراءً".

ويكشف "أفنيري"، متهكما عن حقيقة الوسخ الذي أصاب الإسرائيليين، قائلا: "اليهود أصبحوا خاضعين للقلق. نحن نملك القليل من أضواء حمراء تنبيهية في رءوسنا تظهر لدى أي إشارة للخطر. وفي هذه الحالة نشعر أننا في الوطن ونعلم ماذا نفعل. لكن حينما تخفت أضواء الخطر ولا تظهر في الأفق، يتملكنا الشعور بأن شيئا ما مريبا قادم إلينا.. شيئا ما خاطئ بالتأكيد".

وبكلمات أخرى، أصبح الخوف مؤسسة وجودية للهوية اليهودية. وواقعيا معظم اليهود يحبون تعريف أنفسهم عبر مصطلحات مثل الاضطهاد والظلم والحاجة لمناهضة العداء للسامية. وبدون عدو يحاربونه يجدون أنفسهم أمام أزمة هوية.

الخوف كـ "سياسة خارجية"

وقد حولت الحكومات الإسرائيلية هذا الخوف إلى التأكيد الدائم بوجود العدو. هذا العدو كان كل العرب، ثم كل الفلسطينيين، ثم منظمة التحرير الفلسطينية، والآن حماس. ويملك الإسرائيليون تاريخا طويلا من تجاهل عروض حماس بالسلام، مؤكدين أن حماس تسعى لبناء ذاتها لتكون عدوا أكثر غضبا.

والآن يكرر الإسرائيليون الأمر ذاته. فقد اقترح قائد حماس "إسماعيل هنية" وآخرون عرضا بهدنة طويلة الأمد، وذكر البعض داخل الحكومة الإسرائيلية أن محادثات الهدنة قد بدأت، إلا أن رئيس الوزراء "إيهود أولمرت" اعترض دون أسباب واضحة على الفكرة، ثم بدأت إسرائيل على الفور هجوما ضد حماس التي تحكم قطاع غزة.

ومرة أخرى يسيطر الخوف بل ينتصر على الرؤية الإسرائيلية. ويعلق "أفنيري" بالقول: "لو كان الفلسطينيون أقوياء، فهناك خطر في صنع سلام معهم. ولو كانوا ضعفاء، نقول بأنه لا حاجة لصنع سلام معهم. ويبدو في كل الأحوال أننا نريد كسرهم. وإذا لم ينكسروا فستعمل إسرائيل على استخدام وتضخيم الانقسامات بينهم والتعامل مع جزء منهم فقط. إن الخوف الذي يقود الإسرائيليين يجعلهم دائما يريدون معادلة صفرية هم فقط الفائزون فيها".

ويساعد هذا الخوف ليس فقط في شرح لماذا تتسم معظم السياسات الإسرائيلية بالعنف (مقولة: هؤلاء العرب لا يفهمون إلا لغة القوة)، وإنما أيضا لتحديد مسار السلام اليوم.

لقد صدم "أولمرت" وطنه في مقابلة أجريت معه حديثا حينما ذكر أنه على الإسرائيليين أن يتعاملوا بجدية مع مقترح تقسيم القدس. ويشرح ذلك بأن لا شيء يمكن فعله مع الرغبة في إقامة علاقات أفضل مع الدولة الفلسطينية الوليدة. وبالمقابل، هو يرى أن مسئوليته كرئيس للوزراء هي تأكيد الانفصال عن الفلسطينيين.

إن حديث "أولمرت" المرن بشأن تقسيم القدس يبدو جريئا، فهو يعلم أن قدسا غير مقسمة تصبح الرمز الأول للشعب اليهودي لتقليل حالة الخوف من أعدائه. لكن قد تخبرنا "تيرزاه فيرستون" أو أي أخصائي نفسي جيد، عن قبول من يبنون جدرانا حول أنفسهم مثل هذه المرونة أو الإذعان لهذا التقسيم الذي لن يروا فيه إلا مزيدا من الشعور بالقلق النفسي.

ويعلم "أولمرت" أيضا أن قادة إسرائيل الذين لم يظهروا تصلبا تجاه تصريحاته سوف يقدمون الخوف قربانا وسيصوت الجمهور لإخراج أولمرت من السلطة. ولذا ففي الوقت الذي صدم فيه "أولمرت" الإسرائيليين بتلميحه حول تقسيم القدس، فإنه قد صدم الفلسطينيين كذلك بالإصرار على إكمال البناء في كبرى مستوطنات الضفة الغربية "معاليه أدوميم"، والتي يقول إنها ستبقى جزءا من القدس اليهودية. بينما يعلن أعضاء في حكومته عن بناء ألف وحدة سكنية جديدة في مستوطنة هارحوما بالقدس (حتى إن أعلن المدعي العام الإسرائيلي عدم شرعية هذا البناء) لتبقى أيضا ضمن القدس اليهودية. وحينما ذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس" أن "ذلك لا يساعد على بناء الثقة"، فإن هذا التصريح كان أضعف بكثير مما تقتضيه الحقيقة.

أكثر من ذلك، يعلم "أولمرت" شيئا واحدا هو الاستجابة للجناح اليميني الذي أجبره مؤخرا على إقرار قانون يقول بضرورة تصويت ثلثي أعضاء البرلمان الإسرائيلي على أي إجراء يتضمن تعديل حدود مدينة القدس. وهو بذلك ينقذ ائتلافه بسهولة، ويدرك أن مثل هذا الإجماع على التعديل لن يتم ولن يمكن تمريره.

التفاوض حول حل الدولتين

إن الاستقلال المحدود الذي ربما يعرضه الإسرائيليون يمكن أن يجد ترحيبا في فلسطين ويمهد الطريق لسلام حقيقي، إذا ما عاد الإسرائيليون لما انتهى إليه المسار في عام 2000، حيث كان الرئيس "بيل كلينتون" على وشك التوصل لاتفاق سلام نهائي. لكن عندما اقترب الاتفاق من التوقيع، قام الإسرائيليون، وليس الفلسطينيين، بالعدول عنه. فرئيس وزراء إسرائيل "إيهود باراك" سيطر عليه الخوف، ليس من الفلسطينيين هذه المرة، بل من خصومه السياسيين في اليمين، الذين كانوا يحذرون الإسرائيليين من إعادة ولادة نازي جديد بجوارهم إذا قامت دولة فلسطينية مستقلة.

وبعد ذلك مرت سبع سنوات من الحرب والاحتلال، وكانت سنوات رهيبة على الشعب الفلسطيني الذي لن يرغب إلا قليل منه في حل الدولتين الآن. فحركة الدولة الواحدة العلمانية القومية تجد لها مكانا أعمق اليوم وأرضية خصبة تزداد انتشارا بين الفلسطينيين ومؤيديهم.

ورغم ذلك لا يزال حل الدولتين هو الأوفر حظا لدى معظم الفلسطينيين، شرط تخلي الإسرائيليين عن كل (أو حتى قليل) من المستوطنات، ومنحهم سيطرة كاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة وكل القدس العربية، وعرضهم استقلالا حقيقيا يشمل جيشا مقبولاً وسيطرة كاملة على مصادر المياه. وعلاوة على ذلك يحكم الفلسطينيين الحكومة التي يقررون هم انتخابها، ويشمل ذلك الاعتراف الكامل بمسئولي حماس المنتخبين ديمقراطيا.

بيد أن مخاوف اليهود الإسرائيليين أقوى بدرجة كافية من أن تستطع أية حكومة إسرائيلية المضي قدما في إحياء صفقة من هذا النوع.. وهنا تتضح مشكلة بوش الإسرائيلية.

ولكن لماذا هذه مشكلتنا أيضا؟

استمع إلى "كارين هيوز" صديقة بوش المقربة والتي عملت سابقا مساعدة لوزير الخارجية لشئون الدبلوماسية العامة. اكتشفت "هيوز" بعد عامين من محاولة فهم كيفية تحسين صورة إدارة بوش في العالم الإسلامي، "أن حرب العراق عادة تأتي القضية الثانية بالنسبة لاهتمامات العرب والمسلمين بعد الصراع الطويل والممتد بين إسرائيل والفلسطينيين". وقد نصحت "هيوز" منذ عامين كلا من بوش ورايس بضرورة قيام أمريكا بالمساعدة في إنهاء ستة عقود من هذا الصراع مع إسرائيل، ولا يمكن أن يقدم شيء ما أعظم من أي عمل آخر لتحسين وضع أمريكا في كل مكان بالعالم.

إنقاذ سمعة أمريكا

وإذا ما أردنا أن لا يحول العالم الإسلامي غضبه في شكل تهديد لأمننا القومي، فإنه لا شيء يجعلنا أكثر أمنا من المساعدة في استحضار السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وهذا يتطلب سلاما عادلا، يخلق استقلالا حقيقيا لا صوريا، ودولة فلسطينية قابلة للحياة. وقبل ذلك لا بد لليهود من التغلب على خوفهم.

الأنباء الجيدة تتمثل في وجود يهود في إسرائيل وفي أنحاء العالم تخلّصوا من عقدة الخوف ووسخه. وهنا في الولايات المتحدة عديد منهم يلتحق بجماعات نشر السلام اليهودية. ورغم أن هذه الجماعات لا تزال صغيرة، فإن أعدادها في تزايد مستمر ويمكن أن يكون تأثيرها كبيرا. ومع نمو عددها سيصل صوتها إلى الملايين من يهود العالم الذين لا يثقون بمنبهات الخوف التي يبثها قادة جناح المؤسسات اليهودية اليمينية.

إن هناك الآن غالبية من اليهود تتحدث عن السلام العادل، وتعمل من أجل نشر هذا الخيار الشرعي لإحلال السلام داخل المجتمع اليهودي. وهذا هو المفتاح الرئيسي للقضاء على الخوف، الذي يتضمن أيضا السكوت. وبعد ذلك يمكن اتخاذ خطوات حقيقية تجاه السلام بين إسرائيل والفلسطينيين وأمن أكبر للولايات المتحدة.


أستاذ دراسات الأديان بجامعة كلورادو بالولايات المتحدة، ومتخصص في شئون الحرب والسلام والسياسة الخارجية الأمريكية. من مؤلفاته الحديثة "وحوش للتدمير.. الخطيئة وحرب المحافظين الجدد على الإرهاب".

* مقال نشر على موقع مركز "فورين بوليسي إن فوكس Foreign Policy In Focus (FPIP)"، تحت عنوان: "مشكلة بوش الإسرائيلية.. ومشكلتنا أيضا"، يوم 8 يناير 2008. ويعرف المركز ذاته بأنه مركز بحثي وفكري لا قيود أمام أفكاره وآرائه، ويهتم بتعزيز دور أمريكا العالمي بما يحقق الاستقرار والأمن العالمي ويحقق الشراكة الدولية لحل الأزمات العالمية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات