English

 

الخميس. يناير. 10, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

جولة بوش.. النفط ثم النفط.. فالنفط!

محمد جمال عرفة

Image
النفط في حقيبة بوش
مع أنها وصفت بـ "زيارة الوداع" ومحاولة أخيرة من بوش لإظهار أي إنجازات لإدارته التي حلت عليها اللعنات منذ توليه الرئاسة وتخلى عنه خلالها كل أنصاره وقفزوا من السفينة الغارقة، فقد جاءت زيارة الرئيس الأمريكي بوش الأولى من نوعها منذ توليه الرئاسة قبل 8 أعوام تقريبا للشرق الأوسط للتأكيد على أهم المصالح الأمريكية العليا في المنطقة وهي البترول أولا وأخيرا، وما عدا ذلك من وعود بدولة فلسطينية أو تهديدات لإيران أو تحالفات مع دول نفطية عربية فيصب في هذا الهدف الأكبر.

ونلاحظ هنا أن البيت الأبيض أعلن أنه سيتم خلال الزيارة التأكيد على التزام واشنطن بـ"أمن الخليج" المصدر الرئيس للبترول الأمريكي، ومساعدة دوله على محاربة "الإرهاب والتطرف"، كما أن الخطبة الوحيدة التي سيلقيها الرئيس الأمريكي خلال الجولة في أبو ظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، ستتمحور حول الأمن وآثاره المترتبة على الاقتصاد والتطور السياسي!!

فليس سرًّا أن ارتفاع أسعار النفط العالمية مؤخرا، وتزايد الاعتماد الأمريكي والغربي عموما على بترول الخليج -مع توقع نضوب بترول دول أمريكا اللاتينية– وتأثير هذه الزيادات على تضخم العوائد النفطية الخليجية من جهة، وتغيير هيكل حياة القارة الأمريكية الواسعة المعتمدة على المواصلات رخيصة الثمن بسعر نفط منخفض، والأهم المخاوف الأمريكية من تصاعد أصوات في الخليج تطالب بالاعتماد على العملة الأوروبية (اليورو) بدلا من الدولار في أسعار النفط.. كلها كانت على رأس جدول أعمال بوش في المنطقة.

والملفت أن جدول الأعمال الفعلي هذا غير ظاهر أو معلن، ولكنه محسوس وملحوظ من ترتيبات الزيارة.

جدول أعمال ثانوي

وهناك جدول أعمال آخر ثانويا، يتعلق بحل القضية الفلسطينية ودعم الرئيس أبو مازن في مواجهة حماس، ومشكلة رئاسة لبنان وما يسمى "التهديدات الإيرانية النووية"، حظي بالزخم الإعلامي، وكان المقصود هو التعمية عن أهداف الزيارة الإستراتيجية الحقيقية بقنابل الدخان التي تتحدث عن الخطر الإيراني أو حماية الأمن الإسرائيلي، والذي لا يمكن إغفال حقيقة أنه كان على رأس جدول أعمال الزيارة، ولكن من زاوية تأثيره على المصالح الأمريكية وتدفق النفط.

يكفي أن نلحظ هذا الاهتمام بحلف "المعتدلين العرب" - خصوصا النفطيين - من جدول زيارة بوش الذي يقتصر على فترة زيارة لمصر -في نهاية جولته- لا تزيد عن خمس ساعات تقريبا مقابل يومين لكل من الكويت والبحرين والإمارات والسعودية وإسرائيل، ما يعتبر دليلا واضحا على مكانة الدول النفطية وأهميتها في أجندة إدارة بوش بالمقارنة بمصر مثلا، التي يدل قصر فترة زيارتها على بضع ساعات على مدى التوتر في العلاقات بين البلدين، وهو مؤشر سلبي على قدر الاهتمام الأمريكي بزيارة مصر والتجاهل للدور المصري مقابل السعودي مثلا.

وهنا نلحظ مغزى حادث التحرش الإيراني بخمس سفن سريعة لثلاثة بوارج أمريكية على مدخل مضيق هرمز يوم 7 يناير 2008 والذي تسيطر عليه إيران ويعتبر الطريق الرئيسي لشحن النفط من الخليج،فالتحرك الإيراني جاء قويا وغير مبالٍ لأن طهران تسيطر على المضيق ومن شأنها غلق المدخل الشمالي للخليج (مضيق هرمز) الذي يمر منه خُمْسُ تجارة النفط العالمية، وتعطيل الملاحة هناك، كما أن إغراق أي مركب في هذا المدخل كفيل بغلقه، أيضا يمكن استهداف القطع البحرية الأمريكية الموجودة في منطقة الخليج، وربما قواعد أمريكية في دول الخليج، وهذا أمر ميسور في ظل امتلاك طهران صواريخ مداها 1200 كم.

وهذا الاهتمام من جانب إدارة بوش بنفط الخليج قديم، ولكنه تعاظم مع تزايد أسعار النفط لمعدلات فلكية، وتضرر الاقتصاد الأمريكي والمخاوف من تدهور هذا الاقتصاد لو حوّلت دول الخليج بيع النفط من الدولار لليورو؛ إذ تزايد هذا الاهتمام الأمريكي بمناطق البترول والثروات الطبيعية الأمريكية في عهد الحكومات الجمهورية الأمريكية (الحزب الجمهوري) بسبب سيطرة قادة هذا الحزب ومموليه على أسواق النفط في العالم وترؤسهم لشركات النفط الأمريكية الكبرى المتعاملة مع هذه الدول.

وزاد الاهتمام أكثر في عهد حكومة بوش الابن الحالية التي ضمت غالبية رؤساء شركات النفط الأمريكية السابقين، بدءا من بوش وتشيني ورامسفيلد، وانتهاء بوزراء المالية والطاقة وغيرهم، فالرئيس بوش كان مساهما في شركة "هاركن إينيرجي كوربوريشن" النفطية، وكان يرأس شركة بترولية أفلست وباعها، ووالده كان مستشارا للعديد من شركات النفط الأمريكية، كما أن نائب الرئيس الأمريكي "ديك تشيني" كان رئيسا لشركة "هاليبرتون" الكبرى للخدمات المرتبطة بصناعة النفط التي تتخذ من تكساس مقرّا لها.

مصر وأمريكا.. فتور الضعف

لأنها ستكون هي المحطة الأخيرة في جولة بوش، فقد تكون هي المحطة الأهم، والأكثر اختلافا عن باقي المحطات بسبب حالة الفتور والتوتر في العلاقات.. من الجانب الأمريكي الذي لا يعطي مصر وزنا كبيرا في المنطقة ويسعى لنقل مركز ثقلها لدول الخليج خصوصا السعودية (وهو ما وضح في قضيتي العراق وفلسطين)، وكذلك الجانب المصري الذي يدرك بدوره أن إدارة بوش تلملم أوراقها قبل الرحيل وأنه لا أمل منها وأنها أكثر احتياجا لمصر وهي ضعيفة بأكثر من حاجة مصر لأمريكا، ولهذا سعت (مصر) بالمقابل لإظهار عدم اهتمامها بالزيارة أو بتخفيض المعونة، واقتصر الأمر على إعداد ملفات عن الجهود المصرية فيما يخص قضية ضبط الأنفاق بين مصر وغزة والتي بلغت 160 نفقا أغلقتها مصر.

وأبرز أسباب هذا الفتور في العلاقات مع إدارة بوش يرجع لرفض مصر غالبية الخطط الأمريكية المتعلقة بحصار إيران والسعي لتشكيل تحالف عسكري عربي ضدها، والسعي لفضح الملف النووي الصهيوني والتحذير من مخاطره كخطر حالي موجود بالفعل، بعكس الخطر الإيراني المستقبلي غير المنظور سوى في عقول ساسة تل أبيب وواشنطن، والأهم هو عدم التجاوب المصري بنسبة 100% مع الخطط الأمريكية لحصار الفلسطينيين خصوصا في غزة وحركة حماس.

وبالمقابل اهتمت مصر أكثر بدور الكونجرس (ذي الأغلبية الديمقراطية) والصاعد على حساب إدارة بوش، وتمثل هذا في "غزو" من أعضاء الكونجرس الأمريكي على شكل مجموعات متنوعة من الوفود، وصلت إلى مصر قبل زيارة الرئيس الأمريكي بوش، واختلفت جداول أعمالها بين زيارة الحدود مع إسرائيل لبحث الشكاوى الإسرائيلية على الطبيعة، وزيارة وزارة الري لمناقشة تفاصيل فنية تتعلق بتطوير هندسة الري المصرية، وثالث إلى وزارة الصحة.

وكان من المفلت تركيز مسئولي وزارة الخارجية المصرية على إظهار عدم اهتمامهم بتقليص المعونة الأمريكية لمصر، مؤكدين نفس المعنى الذي قاله الرئيس المصري قبل يومين من أنه لو تم خفض المعونة فسيقول للأمريكان "شكرا"، وحرصوا على تذكير الأمريكان بأن المعونة الخاصة بمصر تخدم أمريكا أيضا وليس مصر فقط.

فالقاهرة تدرك أن مسئولية الهجوم عليها وتقليص المعونات تقع على عاتق تل أبيب أولا ثم الكونجرس الذي انساق وراء "منظمات يهودية متطرفة وتيارات يمينية أمريكية" تحاول تعكير صفو العلاقات الأمريكية مع العرب عموما وليس فقط فيما يتعلق بالمصالح المصرية.

احتواء النفوذ الإيراني.. الغاية والوسيلة

من الطبيعي أن يكون العنوان الأبرز لجولة بوش هو مواجهة واحتواء النفوذ والخطر الإيراني في المنطقة، وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها، بل إن بوش ربما يستهدف من جولته السعي لمحاولة إقناع دول الخليج بعمل عسكري تشارك فيه مستقبلا ضد إيران بعدما رفضت هذه الدول مرارا -آخرها في القمة الخليجية الأخيرة- فكرة الخيار العسكري مع إيران، وقد أكد هذا بوش في مقابلة تلفزيونية مع وكالة رويترز للأنباء بقوله: إن الزيارة "ستبحث الجهود الرامية لاحتواء ما وصفه بالنفوذ الإيراني في المنطقة"، خصوصا أن إيران لا تزال تشكل خطرا.

والغريب هنا أن تصدر تصريحات من مسئولي إدارة بوش -مستشار الأمني القومي ستيفن هادلي- تستبعد تحقيق أية نتائج من الزيارة قبل إتمامها، سواء في فلسطين أو إيران، وهو أمر غير معقول، ما لم تكن هناك أهداف أو أجندة أخرى سرية كما ذكرنا لن يجري النقاش حولها بشكل مباشر، وإنما تهدف الزيارة لتعزيزها، وهي تهدف للحفاظ على المصالح البترولية والسعي لحث هذه الدول على ضخ المزيد منه لتخفيض السعر، ومنع دول الخليج من التفكير في التحول لليورو بدل الدولار.

وإن كنّا لا نستبعد أن تتضمن الأجندة غير المعلنة التي ستهيمن على اجتماعاته خلال الجولة، كيفية التصدي لتنامي نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة لأن تحجيم النفوذ الإيراني معناه ضمان تدفق النفط الخليجي بصورة أفضل للغرب دون مشاكل، فضلا عن حفظه المصالح الأمريكية المرتبطة بالدولة العبرية.

أي أن تحجيم النفوذ الإيراني هنا ليس سوى وسيلة لتحقيق غاية أمريكية تتمثل في استمرار السيطرة على دول الخليج وبترولها، دون أن نغفل حقيقة أن هناك أهدافا أمريكية في الترويج لهذا البعبع الإيراني كي يسهل تخويف دول الخليج بهذا الخطر، ومن ثم تمتين دعائم هذا الحلف العربي الأمريكي (تحالف المعتدلين) في الخليج.

وربما لهذا لا يتوقع أي مراقب للجولة أن يحصل بوش على أي تأييد لشن ضربة عسكرية ضد إيران خلال زيارته لدول الخليج الأربعة، فبرغم المخاوف لدى دول الخليج من برنامج إيران النووي، إلا أن هناك مخاوف أشدّ إذا حدث عمل عسكري؛ لأن الولايات المتحدة قد لا تنهي إيران كقوة عسكرية، وعلى العكس قد تشعل المنطقة ككل، وقد تردّ إيران بغضب على دول الخليج وبترولها.

ورغم الحشد العسكري الأمريكي وعقد صفقات سلاح مع دول محور الاعتدال الخليجية (بيع صواريخ باتريوت للإمارات والكويت وأنظمة للإنذار المبكر بقيمة عشرة مليارات دولار وبيع السعودية نظام "آواكس" للإنذار المبكر بقيمة 400 مليون دولار)، فلا تزال المخاوف الخليجية قائمة ورافضة، ولا يزال الموقف الأمريكي مكبّلا ومائعا تجاه طهران.

الطبق الرئيسي على مائدة جولة بوش العربية سيكون بالتالي هو النفط أولا، والنفط ثانيا، والنفط ثالثا، أما أزمة فلسطين أو لبنان أو العراق، وحتى الخطر الإيراني فالحديث عنها يدور بمقدار ما يخدم المصالح النفطية الأمريكية في المقام الأول.


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات