|
نحاول في هذا المقال مقاربة الأسئلة الأكثر إلحاحًا فيما يتعلق بالدولة في المنظور الإسلامي ونتساءل: هل هناك نظرية دولة في الإسلام؟ وماذا يقصد المفكرون الإسلاميون بالدولة الإسلامية؟ وعلى أي مادة يمكن الاعتماد في تصور وقعها التاريخي وتحليل آلياتها وجهازها؟ ثم كيف تفكر جماعات الجهاد المعاصرة في نموذج الدولة الإسلامية؟.
وبالرجوع إلى التاريخ الاسلامي نجد أن المؤلفين الإسلاميين يتحدثون عن الإسلام الحق، وعن النظام الذي يجب أن يكون حسب مقصد الشريعة الأسمى والذي لم يتحقق في نظرهم إلا نادرًا، وأن وصف الدولة الإسلامية صعب إن لم يكن مستحيلاً، والصعوبة لا تأتي من قلة المعلومات والمصادر بقدر ما تأتي من عملية تكّون الدولة ذاتها، نشأت بكيفية طبيعية في المجتمع العربي القبلي.
الدين والسلطة
قبل الإسلام بعدة قرون عرف العرب ملوكًا، عرفوا دولة طبيعية دنيوية دهرية هدفها في ذاتها، تتوخى المال والقهر. ظهر الإسلام في هذه الوضعية حاملاً أهدافًا مخالفة لتلك التجربة، والأهداف تؤثر بالضرورة في نظرة الفرد للسياسة والدولة، وبالتالي في سلوكه إزاء السلطة. قد تشابه ظاهريًّا دولة يثرب القيادية القبلية، لكن الهدف من الحكم يميز في كل حال النظامين، لا يمكن القول إن دولة المدينة زعامة قبلية مدعمة بدعوة دينية؛ لأن الدعوة مناقضة للزعامة المذكورة.
إن التصور العام لطبيعة سلطة الخلافة هو الذي يفسر الاتفاق العام في الرأي العام الإسلامي منذ القرون الأولى وحتى اليوم حول معنى التحول الكبير الذي حدث والذي أدى إلى زوال الخلافة الراشدة - أي اعتبار هذا الزوال بمثابة الانتقال القاطع من حالة إلى حالة مختلفة عنها كليًّا في تاريخ الإسلام، وهو السبب في تسمية الأولى بالراشدة بمعنى المهدية والهادية ذات الصلاح الديني، والثانية بالملك العضوض، أي دولة القهر وحكومة المصالح والتسويات السياسية بالمعنى الحرفي للكلمة.
هذا الفصل هو التعبير عن التميز الواضح بين الخلافة بمعنى الهداية الدينية وبين الدولة بما هي تعبير عن الولادة الجديدة للقوة الدنيوية الزمنية كمحور للاجتماع المدني.
الشرع لا يعني الخلافة
ومن الصعب أن يحدد المرء موقف الفقهاء إزاء الدولة والسلطة في الإسلام رغم ما كتب في الموضوع منذ قرون، والصعوبة تأتي من كون الفقهاء يتكلمون عن الخلافة التي لم تطبق إلا في فترة قصيرة مقارنة بتاريخ الإسلام الطويل، في حين أنهم يعيشون تحت نظام لا يمت لها بأي صلة.
إن الوعي بأن الخلافة هي نظام أسمى لا تتحمله الإنسانية هو الذي دفع الكثير من الفقهاء إلى إهمال مسألة إحياء الخلافة، فالملاحظ أن ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لا يتكلم عن الشريعة بقدر ما يهتم بتطبيق الشرع، يعني بالدولة الإسلامية دولة الشرع ولا شيء سواها.
يتضح إذن أنه حتى في حالة تطبيق الشرع لا يكون النظام الناجم عن ذلك خلافة، يتفق الجميع أن معالم الشرع كانت قائمة في زمن معاوية ومع ذلك لا يسمونه خلافة، ما هو إذن الشرط الذي يرتقي به الحكم إلى مرتبة الخلافة وبدونه يبقى إمارة حتى لو كان عادلاً ورافعًا لراية الشرع؟.
يرى المفكر المغربي عبد الله العروي أن البعض رأى أن إحياء فريضة الجهاد كافيًا لقلب الملك إلى خلافة، وينتقد ذلك بقوله: لو كان ذلك صحيحًا لكان معظم الأمويين في الشرق والغرب خلفاء، قد يجدد ملك معالم الشرع لأسباب عقلية، ليحفظ الأمن ويشجع على العمل والإنتاج، وبالتالي يزيد من عمر دولته، في حين أن الخلافة هي تطبيق الشرع لتحقيق مقاصده، وما هي تلك المقاصد؟ إنها مكارم الأخلاق كما في الحديث الشريف.
لا لفصل الدين عن الدولة
إذن الدولة التي تطبق الشرع حرفيًّا ليست خلافة؛ لأنها تهدف وراء ذلك التطبيق إلى الراحة والاستقرار أي إلى غاية دنيوية، أما الخلافة فهي الحكم الذي يهدف من وراء المصلحة الدنيوية المحققة إلى مقصد الشرع، إلى مكارم الأخلاق. لا يكون الحكم خلافة إلا إذا نظر إلى ذاته كأداة في خدمة هدف أعلى. تحت ظل الملك تخدم الشريعة أهداف الدولة وتحت ظل الخلافة تخدم الدولة أهداف الشريعة.
هكذا إذن ولدت الدولة في الإسلام من إعادة ترتيب القيم على حساب تراجع أسبقية إسلام التبشير والهداية، وقد ولدت دولة عضوضًا، أي سلطانًا سياسيًّا قائمًا على القسر والقوة أكثر في اعتماده على التضحية والإيمان، إن هذا الذي حدث لم يكن فصل الدين عن الدولة، ولا القضاء على الفكرة الدينية في السياسة، لكنه إخضاع الدين لمنطق السياسة وتوظيفه فيها، وهذا هو الفرق الجوهري مع الخلافة كوراثة للنبوة، حيث كل شيء فيها موظف لخدمة العقيدة وإظهارها.
إذا عدنا إلى العصر الحالي فنجد أنه بدءًا من حسن البنا إلى أبو الأعلى المودودي إلى سيد قطب، مرورًا بمحمد عبد السلام فرج صاحب "الفريضة الغائبة" إلى سيد إمام الشريف - تكونت عناوين عريضة لمفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة التي ترتكز على مفهوم الحاكمية والعودة بالأمة للخلافة الراشدة.
تتضمن الحاكمية -وهي المفهوم المحوري لجماعات الجهاد عن طبيعة السلطة والدولة في الإسلام- رفض حاكمية البشر والثورة عليها، فالمودودي يعبر عن الحاكمية والخلافة بقوله: "إن تصور الإسلام عن الحاكمية واضح، فهو ينص على أن الله وحده هو خالق الكون وحاكمه الأعلى، وأن السلطة المطلقة له وحده، أما الإنسان فهو خليفة هذا الحاكم الأعلى. والنظام السياسي لا بد أن يكون تابعًا للحاكم الأعلى، ومهمة الخليفة تطبيق قانون الحاكم الأعلى في كل شيء، وإدارة النظام السياسي طبقًا لأحكامه.
وأكد الأنبياء على ثلاثة حقائق وهي أن السلطة العليا هي لله، وحتمية طاعة النبي بوصفه ممثلاً للحاكم الأعلى، والقانون الذي يحلل ويحرم هو قانون الله وحده الناسخ لكل قانون بشري، تتمثل الحاكمية البشرية في النظم العلمانية، القومية، الديمقراطية. وهي نظم ترفض الحاكمية لله، وبالتالي تجعل المجتمع خاضعًا لأهوائه ومصالحه.
فالدولة الإسلامية ليست دولة ثيوقراطية؛ لأنها ليست دولة رجال الدين، وليست ديمقراطية؛ لأن الحكم ليس للشعب، لكنها دولة ثيوديمقراطية، الحاكمية فيها لله طبقًا لاختيار الشعب. وهي دولة لا تقوم على جنس أو عنصر أو مصلحة، بل هي دولة مبادئ وغايات".
نجد نفس الفهم لدى سيد إمام منظر جماعة الجهاد في مصر الذي يبشر بعودة الخلافة، حين يقول في كتابه الأخير "ترشيد الجهاد في مصر والعالم" (وقد أوجز النبي التاريخ السياسي للأمة في حديث صحيح ذكر فيه تسلسل مراحله من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض إلى الملك الجبري إلى خلافة على منهاج النبوة، وعصرنا الحاضر هو عصر الملك الجبري في معظم بلدان المسلمين، فلا بد أن تعقبه خلافة على منهاج النبوة لا شك في قدومها)، أي أن الدولة الإسلامية هي دولة الخلافة.
هذا أيضًا ما صرح به محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب "الفريضة الغائبة" هذا الكتاب كان بمثابة دستور جماعات الجهاد، يرى فرج أن إقامة الدولة الإسلامية فرض عين على كل المسلمين، فلا تحقيق للحاكمية إلا بالدولة وما يتم به الواجب فهو واجب طبقًا للقاعدة الأصولية. والدولة الإسلامية هي نواة الخلافة، وبالتالي فإن الخلافة أيضًا فرض على المسلمين يجب العمل على إعادتها، فإمام المسلمين هو قائدهم وخليفتهم ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
والدولة الإسلامية نواة للحكم الإسلامي العام. وعلى رأس الدولة النواة يوجد إمام المسلمين الذي يرمز لوحدة الأمة ووحدة عقيدتها ويحمي الحمى ويذب عن البيضة ويرسل السرايا ويفتح البلدان. بعد هذا التوصيف يذهب صاحب الفريضة إلى الاستنتاج: أن الدولة التي يعيش فيها المسلمون اليوم ليست دولة إسلامية، فمن ضمن شروط الدولة الإسلامية أن تعلوها أحكام الإسلام، وتتحول إلى دار كفر في الحالات الآتية أن تعلوها أحكام الكفر، وذهاب الأمان عن المسلمين، والمتاخمة والمجاورة لدولة الكفر.
لكن الحكم يكون صعبًا لدار يعيش فيها مسلمون وكانت تعلوها أحكام الإسلام، ثم تحول الحكم فيها بغير الإسلام، هل هي دار الإسلام أم دار الكفر؟ يلحق فرج هذا القسم الثالث بدار الكفر كما فعل ابن تيمية في فتواه عن بلدة ماردين. في هذا القسم الأخير واضح أنه يندرج تاريخ الإسلام كله بعد الخلفاء الراشدين عندما تولى أمر المسلمين أناس لا يحكمون بكتاب الله.
الجهاد وعودة الدولة
هكذا فإن تيار الجهاد يتبنى مفهوم دورات التاريخ الذي له أبلغ الأثر في حركات الإحياء والنهضة وفي الثورات الدينية، عندما يتحد نشاط الجماعة بإحدى مراحل الدورة وهي في الغالب مرحلة البداية الجديدة والعودة إلى المرحلة الأولى -مرحلة البداية ونهاية مرحلة الانهيار-، وبالتالي يكون وجود الجماعة ونجاحها بوابًا لحركة التاريخ.
بشكل عام يركز الفكر الجهادي بصفة أساسية على أولوية الكيف على الكم والقلة على الكثرة، مما يجعل التغيير الاجتماعي مرهونًا بالصفوة المؤمنة دون حاجة إلى قاعدة شعبية، كما يعبر عن ظهور مشروع نضالي يقوم على القضاء على النظم اللاإسلامية وكبديل عن غياب مشروع قومي، ثم ظهور الراديكالية في الممارسة ضد الأساليب السائدة ورفض فكرة الانتظار لعمليات تربوية طويلة تقوم على الاختلاف أو تكون الحزب السياسي الطليعي أو الهجرة كرد فعل على مثل هذه الدعوات، أخيرًا ظهور الجهاد كهجوم لا كدفاع وكمبادرة لا كرد فعل.
إن الجدب الفكري لجماعات الجهاد حول التنظير لمفهوم الدولة الإسلامية يعود إلى انتصار السياسي على أيديولوجيتها، فهي لا تهتم بالفكر، بل بالعمل على الأقل كأولوية، خاصة أن العمل يقاس نجاحه بالنتائج التي حققها وليس بعقلانيته أو أخلاقيته المطلقة.
فالعلاقة بالفكر أو المعرفة لدى مثقفي الجهاد تبين مدى التطابق بين المآزق التي يصعب على هذه الجماعات الخروج منها، نعني بذلك التفاوت بين ثقافتين وأحيانًا لغتين والتناقض بين الأصل الاجتماعي للمثقف نفسه والأصل الأسطوري للمجتمع الذي يحلم به، ثم بين معرفة لا يتحكم بها وبين المقولات التي يفكر هذه المعرفة بواسطتها، وبين الصورة التي يحملها عن ذاته كمثقف وبين مجتمع مبتلى بالعديد من التمايزات الطائفية والثقافية، إن نقل المعرفة بالنسبة للجهاديين لا يتعلق بمؤسسة شأنه في ذلك شأن مكان الاكتساب، فكل البشر قادرون عليه ومأذون لهم به.
إن جماعات الجهاد في مصر أو في العالم العربي ليست عاملاً جيوإستراتيجي فإذا وصلت إلى السلطة فإنها سوف تستعيد أساليب ممارسة السلطة ومطالبيها الإستراتيجية وستتقولب بقالب الحزب الواحد. عليه يمكن القول إن حركات الجهاد لا تحمل تصورًا لنمط مجتمعي جديد: إنها لا تكرس عودة إسلام مظفر واثق من نفسه، بل تعبر عن إخفاق نموذج الدولة وتجمع من أغفلهم التحديث الفاشل، وتعمد إلى تعبئتهم حول العودة للدولة الإسلامية والخلافة.
بهذا المعنى فإن هذه الجماعات عامل تكامل وإدماج للفئات الاجتماعية التي أنتجتها واستبعدتها في آن معًا، عملية التحديث المتسارعة في الدول العربية والإسلامية.
وما من نمط سياسي خاص بجماعات الجهاد، فوصولها للسلطة يعني أنها ستنظم سياسات الأسلمة من فوق، وسيكون الشعار هو الشريعة ولا شيء سواها وهو موضوع لا يمس شبكات العصبية التقليدية، كما لا يمس الاقتصاديات القائمة، ويتبنى النمط السياسي المتعلق بالحزب الواحد.
إن الدولة الإسلامية كما عند جماعات الجهاد لا تطرح القضايا المهمة والجوهرية، فأسئلة التقدم والتنمية وتداول السلطة وحل مشكلات الفقر والبطالة لم تطرح بجرأة ولم يتم التفكير فيها، بل إن شغلها الشاغل هو تصحيح عقيدة المسلمين. فقد غابت عن هذه الجماعات أهم شروط الإحياء الديني المتمثلة في إعادة قراءة تراث السابقين وفرزه بالكامل؛ لاستخراج ما يصلح منه وتطوير غير الصالح.
مرجعية القرآن
كذالك إعادة اكتشاف الرؤى المنهجية في النصوص المرجعية وهي هنا القرآن، وبرغم ما احتوته مسائل من نوع اختلاف السياق والمضمون بين القرآن المكي والمدني وتدرج التشريع والنسخ، وبرغم ما انطوت عليه هذه الأمور من رؤى وأدوات منهجية تقدم أفقًا واسعًا لأي حركة إحياء ديني فقد جرى إهدارها بالكامل والنظر إليها بشكل سطحي. كذلك ضرورة الخبرة بأوضاع المجتمعات ومتغيراتها، وأهملت دلالات وصف القرآن أوضاع مجتمع المدينة واهتمامه ببيان الفئات الاجتماعية التي تعيش في المدينة.
ويؤكد ذلك أن هذه الجماعات لم تجد في جعبتها ما تتعامل به ومعه في الحياة المعاصرة إلا استدعاء الفكرة القديمة عن تقسيم العالم إلى دارين: دار الإسلام ودار الحرب، بل راحت تضيق من دار الإسلام حتى كادت تقصرها على أعضائها وأنصارها.
نخلص إلى أن التفكير في الدولة في المجال الإسلامي من أكثر الموضوعات تعقيدًا، فعبارة "دولة إسلامية" ملتبسة ما دامت الدولة الإسلامية في الحقيقة هي الخلافة، عبارة دولة شرعية أصح، إن الخلافة هي طوبى الفكر السياسي الإسلامي؛ لهذا السبب بالذات لا يمكن القول إنها الدولة الإسلامية.
تشير الدولة إلى مستوى ويشير الإسلام إلى مستوى آخر. تستقيم العبارة (دولة - إسلامية) الإسلام هنا ليس صفة لاصقة خارجيًّا بالدولة، بل هو لبّها وأصلها. في ظروف طبيعية، حيث يصبح الإنسان غير الإنسان، حين تتغير القواعد العامة للسلوك البشري فتتحول الدولة إلى لا دولة ويذوب هدفها المحدد في الغاية العظمى للأمة جمعاء. أما الدولة في الظروف العادية فتبقى غايتها الغلبة والقهر والاستئثار، فلا يمكن أن تتحول تلقائيًّا إلى أداة تتوخى مكارم الأخلاق.
مقاصد الشريعة تعلو الدولة
هكذا فإن التاريخ الوقائعي لم يعرف دولة إسلامية باستثناء فترة الوحي والإلهام، كذلك لم تظهر في التأليف الإسلامي (الجهادي وغيره) نظرية دولة إسلامية، ونجد فيه نظرية الدولة الطبيعية مقابل فكرة الخلافة: الواقع وقانونه العادي في جانبه الطوبي وقيمتها الأخلاقية في جانب آخر. أما الدولة الشرعية وهي الدولة الطبيعية التي تتخذ الشريعة قانونًا لها فإنها ليست دولة إسلامية بمعنى دقيق. ذلك أن النظرة إلى الدولة في الإسلام تجعل مقاصد الشريعة فوق أهداف الدولة فتبقى هذه في نطاقها الطبيعي بدون مبرر أخلاقي.
الخلافة الصحيحة هي النظام الذي يتميز بأن الوازع فيه ديني؛ لذلك لا أحد يظن أن الدولة الطبيعية يمكن أن تتحول بالطرق الطبيعية إلى خلافة؛ لأن النظامين ينتميان إلى عالمين متناقضين: عالم الطبع وعالم الأمر، هكذا يتضح أن الفكر الإسلامي حول الدولة متجذر في الطوبى التي كانت ضرورة معايشة الدولة السلطانية رغم إهمالها مقاصد الشريعة.
إن الكيفية التي يتصور بها المفكرون المسلمون، والجهاديون على وجه الخصوص، الدولة مؤشر على جوهر واقعها. الفردانية ثمرة الاستيراد وثورة سلبية عليه، إن جوهر التجربة السياسية الإسلامية منذ مقتل علي بن أبى طالب، هي التناقض بين السلطة العمومية أو العامة وسلطة الفرد على نفسه. الفرد داخل الدولة مستبعد فلا يعرف الحرية إلا إذا خرج منها أو عليها.
نختم بالقول إن مفهوم الدولة مفهوم مفارق لمفهوم الخلافة، فالدولة الحديثة ذات وظيفة سياسية بحتة ورهاناتها متعلقة بمصالح الجماعة "الأمة" في إطار جغرافي محدد، وعلاقتها مع المجتمع علاقة تعاقدية لتحقيق مصالح الأمة، وعليه فإن الفكر الجهادي عليه أن يطور من طرائق تفكيره حول الدولة الإسلامية والإجابة على أسئلة العصر المعقدة تجاه الفارق الزمني الذي يزيد عن القرون الأربعة منذ تأسيس أول دولة إسلامية
* باحث في العلوم السياسية من السودان.
|