|
| الطريق واحدة.. والأهداف ثابتة |
كما كان مؤتمر أنابوليس لقاء توديعيا للإدارة الأمريكية الحالية بحضور جملة من قادة الدول ووزراء خارجيتها، تبدو زيارة الرئيس الأمريكي الذي تنتهي ولايته عما قريب "جورج بوش" للمنطقة العربية مثيرة للكثير من التساؤلات العفوية حينا، والمثيرة للشك والريبة أحيانا أخرى.
ترى هل بوش قادم لِجَسْر الفجوة القائمة بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين التي تتسع يوما بعد يوم، وبالتالي ممارسة ضغوط حقيقية وجدية على تل أبيب لوقف سياستها الاستيطانية التي تجعل من أنابوليس شيئا لم يكن، أم أنه يسعى لإعادة تسخين المنطقة المشتعلة أصلا بإعطاء ضوء أخضر جديد لتصعيد الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة، أم يا ترى تأتي الزيارة الأولى والأخيرة من نوعها للرئيس الأمريكي الأكثر إثارة في تاريخ الإدارات الأمريكية، لإعادة اللحمة من جديد للتحالف العربي الأمريكي ضد "محور الشر" الذي تتزعمه إيران، بعدما بدا من تشقق في الجدار الذي دأب بوش على بنائه طوال السنوات الماضية ضد طهران ودمشق وحزب الله وحماس؟.
مدى قدرة بوش
لم يعد سرًّا أن المفاوضات التي انطلقت فور انفضاض مؤتمر أنابوليس تواجه اليوم أزمة حقيقية تكاد تعصف بها من أساسها، فقد وصلت مباحثات الجانبين إلى نقطة مسدودة تتعلق أساسًا بمواصلة تل أبيب للبناء الاستيطاني دون التفات لأي انتقادات دولية و"تحفظات" أمريكية، مما يجعل من استمرار هذه المفاوضات أمرًا أقرب للعبثية ومضيعة الوقت، وهو الذي صرح به جملة من المفاوضين والمقربين منهم، بل وصل الأمر بالرئيس محمود عباس للتهديد بإمكانية التوقف عنها ومقاطعتها.
وبغض النظر عن جدية تلك التهديدات، فقد بدا واضحا لواشنطن أن مساعيها التي بدأت قبل شهور معدودة، بعيد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، تواجه عقبة كأداء من شأن استمرارها تفجير الموقف كليا، بحيث يثبت للجميع صوابية مواقف القوى التي تناصبها الإدارة الأمريكية العداء الواضح، وعلى رأسها حركة حماس! وهذا بالتأكيد أمر غير مسموح به على الإطلاق "أمريكيا" على الأقل.
إذن، ما الذي يملكه بوش لعدم وصول الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لنقطة اللاعودة؟
من الواضح أن هناك ضغوطًا سيمارسها الرئيس بوش على مضيفه رئيس الحكومة الإسرائيلية "إيهود أولمرت" تطالب بضرورة وقف أي مشاريع استيطانية قادمة، وإزالة البؤر المسماة "غير القانونية"، ومع ذلك وإن سلمنا جدلا بـ"صدق" النوايا الأمريكية في هذا المجال، فإن معوقات جدية تحول بين بوش وبين استجابة أولمرت لضغوطه، تبدأ بالمعوقات الأمريكية ولا تنتهي بالعقبات الإسرائيلية، كيف ذلك؟
أ- أمريكيا ، لم يعد خافيا أن الحزب الجمهوري اليوم -كما الديمقراطي- ليس بمقدوره ممارسة أي ضغوط على تل أبيب التي تستقوي سرًّا وعلنا باللوبي الصهيوني في واشنطن، حيث يخطب المرشحون الأمريكيون وده ليل نهار، وبالتالي كيف باستطاعة رئيس ذي ولاء غير مسبوق لإسرائيل أن يمارس أي ضغوط جدية على تل أبيب من جهة، وهل سيسمح اللوبي المؤيد لها بأن يمرر تلك الضغوط في هذه المرحلة الانتخابية الساخنة من جهة أخرى؟
ب- إسرائيليا ، أصبح من المسلم به أن "أولمرت" يخضع لابتزاز حزبي واضح دون مواربة، سواء من قبل شركائه في الائتلاف من اليمين الصهيوني "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، والأحزاب الدينية "شاس" بزعامة إيلي يشاي، أو من قبل حزب العمل الذي ينتظر "على أحرّ من الجمر" صدور تقرير فينوغراد الذي سيحمّل أولمرت مسئولية الفشل في حرب لبنان الأخيرة، فضلا عن حملة التحريض التي يقودها اليمين المعارض "حزب الليكود" بزعامة "بنيامين نتنياهو" الذي يتهم رئيس الحكومة بالتفريط والتنازل لقيادة فلسطينية متهمة بالضعف ممثلة في "أبي مازن"!
علما بأن تسريبات صحفية صدرت عن مكتب أولمرت أشارت إلى مطالبة الأخير من ضيفه تصريحا رئاسيا يعبر فيه عن اعتراف واشنطن بمصالح تل أبيب الحيوية في الضفة الغربية.
هدية بوش لإسرائيل: تفوق نوعي دائمًا
تبقى إسرائيل الشغل الشاغل لجميع الإدارات الأمريكية، فكيف والأمر متعلق بزيارة يتيمة يقوم بها الرجل الأمريكي الأول؟ بالتأكيد ستحظى تل أبيب "الثكنة العسكرية الأمريكية المتقدمة" بالكثير الكثير من العطايا والهدايا، مما أفسح المجال للتحضير جيدا لهذه الزيارة من قبل الدوائر الإسرائيلية المعنية، فقد قام "يورام بن زئيف" نائب مدير وزارة الخارجية لشئون أمريكا الشمالية بتنظيم سلسلة من النقاشات والمشاورات لخلق اتفاق جديد يعمل كـ"مظلة" إستراتيجية تجمع ما ورد بمذكرة التفاهم الأمريكية-الإسرائيلية، لتعطى المزيد من الحيوية والتجدد للطبيعة الخاصة التي تميزت بها العلاقات الثنائية.
في حين يرى "رون بروسور" المدير العام السابق لوزارة الخارجية، أنه بدلاً من صياغة اتفاقية إسرائيلية-أمريكية واسعة النطاق، فمن الأفضل دفع بوش لإعطاء أوامر واضحة لأجهزة إدارته بضرورة تقديم الدعم الكامل لإسرائيل في عدد من القضايا والمسائل الحساسة في علاقاتها مع أمريكا.
أكثر من ذلك، تعززت تسريبات في الأوساط السياسية والإعلامية تشير لاحتمالات مطالبة الإسرائيليين الرئيس بوش بالمزيد من التعاون في الجوانب النووية، فضلا عن إعدادهم قائمة بالمطالب الإضافية المتعلقة بضرورة أن يعمل الرئيس خلال العام القادم المتبقي له لتزويد إسرائيل بالقدرات التكنولوجية العسكرية المتطورة، كعمليات الجمع الاستخباري وتوجيه الأسلحة الذكية.
وقد طالب أحد كبار المسئولين في المؤسسة العسكرية بأن تبذل تل أبيب قصارى جهدها لزيادة حجم المعونة العسكرية الأمريكية، خاصة أن اتفاقية المعونة المعمول بها حاليًّا تنتهي صلاحيتها العام القادم، وطالما أن بوش سيبقى موجوداً في البيت الأبيض، فمن المناسب استغلال فرصة وجوده والعمل على إنجاز اتفاقية جديدة تتضمن المزيد من المزايا الإيجابية الجديدة لصالح إسرائيل.
حماس.. الهدية الأثقل وزنًا؟
على صلة وثيقة بما ذكر آنفا، فلم يكن صعبا الربط بين التحضيرات الجارية لزيارة بوش وما صرّحت به بعض الدوائر الاستخبارية والسياسية الإسرائيلية عن أن الاستعدادات والترتيبات العسكرية للدخول في مواجهة دامية وحملة عسكرية ضد حركة حماس في قطاع غزة انتهت منذ أشهر، وأن الجيش يحاول اليوم المحافظة على المستوى التدريبي والعسكري الذي اكتسبه خلال التدريبات الأخيرة، والمحافظة على تأهيل الوحدات والفرق العسكرية المختارة والاعتماد عليها في العمليات العسكرية، عبر إشراكها في التوغلات شبه اليومية.
في حين رأت مصادر إسرائيلية وصفت بـ"المطلعة" أن الجيش لن يقدم على العملية الكبرى إلا بعد توفر جميع الظروف والوسائل التي يحتاجها لإنجاح العملية، وأهمها الهامش الزمني والموافقة الأمريكية، ولا سيما أن هناك جهودا إسرائيلية ستبذل لإقناع الزائر بوش بضرورة القيام بعملية عسكرية واسعة ضد حماس، وسيقوم بدوره على توفير الهامش الزمني المطلوب للعملية، كما وفّر هذا الهامش للحرب على لبنان.
ولعل ذلك مرتبط بما سربته مصادر استخبارية عن إعطاء بوش الضوء الأخضر لاغتيال إسماعيل هنية، بل وأبدى تحمّسه للقرار الإسرائيلي، مشترطا في الوقت ذاته أن يتم الاغتيال بعد انتهاء زيارته للمنطقة.
هل تراجع عن ضرب إيران؟
وجه تقرير مجمع الاستخبارات الأمريكية بشأن وقف إيران لبرنامجها النووي صفعة مدوية لإسرائيل التي ما زالت تمارس ضغوطا على واشنطن، ليس للقضاء على طموحات طهران النووية فحسب، بل لإزالة النظام الإيراني من الوجود، مما يضع علامات استفهام جدية أمام توقف الإدارة الأمريكية الحالية عن توجهاتها المعادية لإيران.
وبالرغم من الكثير مما قيل عن محدودية إلزام التقرير الاستخباري للبيت الأبيض والبنتاغون، فإن التصريحات التي صدرت في أعقاب صدوره عن رموز الإدارة الحاكمة تشير إلى أن التعنت هو سيد الموقف، وأن التمسك بخيار "الضربة" ما زال يتقدم على خيار "الصفقة" بين واشنطن وطهران، مما يعزز التوجهات الإسرائيلية التي شنّت هجومًا غير مسبوق على لسان المحلل الأكثر بروزا "يوئيل ماركوس" حين قال: "لمخابرات أمريكا تاريخًا لا بأس به من الإخفاقات: فهي لم تتوقع سقوط الشاه الفارسي وسيطرة الخمينية على إيران في السبعينيات، ولم تتوقع العملية في البرجين التوأمين التي خططت لها القاعدة لسنوات في الولايات المتحدة، وفشلت في تقدير السلاح النووي والبيولوجي الذي زعم أنه يوجد تحت قصور صدام حسين"، وزاد عليه رئيس الموساد السابق "إفرايم هاليفي" لصحيفة النيويورك تايمز حين أكد "أن إسرائيل يجب ألا تثق إلا بمعلوماتها".
بمعنى أكثر وضوحًا، فإن بوش يزور المنطقة وهو متمسك بمواقفه التقليدية من إيران، أكثر من ذلك، فإن وصوله إلى تل أبيب سيترافق مع إعداد ملفات إسرائيلية "ناضجة" عن جهود إيران النووية في محاولات جادة لإبقائه في ذات المربع المرجح لخيار إجهاض تلك الطموحات النووية في مهدها.
خريطة التحالفات والخصومات
تأتي الزيارة المرتقبة لبوش وسط جملة من التحالفات والخصومات الإقليمية في المنطقة، لعل أهمها:
- ما يمكن أن يسمى "تقاربًا" إيرانيًّا عربيًّا على أكثر من صعيد، خليجيًّا، سعوديًّا، مصريًّا، أعقب صدور التقرير الاستخباري "الصدمة" للرئيس وإدارته! مما سيضع على أجندة الرئيس الأمريكي مع الزعماء العرب تحفظا واستدراكا لهذا التقارب.
- تعزيز التحالف الإيراني السوري من خلال تعيين نائب "أحمدي نجاد" سفيرا لطهران في دمشق.
- "مصالحة" طال انتظارها ستنغص على بوش زيارته، عبر اللقاء الذي جمع وزيري الخارجية السعودي والسوري بعد فتور "نال رضا" واشنطن، طبع العلاقة بين دمشق والرياض خلال العام والنصف الماضيين!
- التوتر الذي يسود العلاقة المصرية الإسرائيلية من خلال جملة من التراكمات المتبادلة منذ مدة، وما نجم عنها من تجميد أمريكي لبعض المساعدات المالية المقدمة للقاهرة، والضغوط المرتقبة التي سيمارسها بوش حتما على نظيره المصري، ولعل ما كشف النقاب عنه في الأيام القليلة الماضية من اكتشاف لعدد من الأنفاق بين غزة وسيناء يعتبر تمهيدًا لزيارة تحسب لها القاهرة حسابات كثيرة!
ولعل في هذه التطورات والتغيرات التي طرأت على خريطة العلاقات الدبلوماسية بين تلك الدول، ما يمكن أن تجعل الرئيس بوش يسعى لعودة التحالفات والخصومات إلى سابق عهدها، تحالفات أمريكية إسرائيلية عربية ضد "محور الشر" الذي يبدأ في طهران، وينتهي بغزة مرورا ببيروت ودمشق، وخصومات عربية حقيقية مع أطراف هذا المحور، وسيأتي ذلك ترغيبا للدول المتعطشة للمساعدات الأمريكية، وترهيبا لأخرى قد ترى أن الخطر الإيراني لا يقل عن نظيره الإسرائيلي!.
أخيرا..
تلك ملفات ساخنة ستكون على أجندة الرئيس الأمريكي مع نظرائه في المنطقة، بعضها يقترب من الانفجار، فهل ستشهد الزيارة التي يترقبها الكثيرون إطفاء لحرائق على وشك الاشتعال، أم تراه سيشعل عود الثقاب فور مغادرته؟..
السيرة الذاتية للضيف الذي بدأ بجمع أمتعته والرحيل من البيت الأبيض مخيبة لآمال الكثير من الراغبين والداعين لحل الأزمات القائمة ضمن أجواء من الحوار الهادئ.
كاتب وصحفي فلسطيني.
|