|
| د. عبد الحميد الأنصاري |
شهدت الساحة المصرية على امتداد السنوات العشر الأخيرة سلسلة من عمليات المراجعات الفكرية والفقهية قامت بها الجماعات الأصولية المتشددة التي كانت وراء أحداث العنف على امتداد العقود الأخيرة من القرن الماضي في مصر، هذه المراجعات تعد بمنزلة اعترافات علنية صريحة من قبل هذه الجماعات بأنها ضلت الطريق، ولذلك فهي تريد تصحيح أخطائها الفكرية وتعلن توبتها على الملأ عبر عمليات المراجعة النقدية لطروحها الفقهية وسلوكياتها السياسية الخاطئة حول شرعية العنف والقتل والتكفير والحكم بجاهلية المجتمعات الإسلامية.
ولعلّ أولى تلك المراجعات الأصولية ما بدأته «الجماعة الإسلامية» التي كانت وراء سلسلة من عمليات العنف، أبرزها مقتل الرئيس السادات -رحمه الله- في 6/10/1981، فقد قام القادة التاريخيون للجماعة بإعلان مبادرتهم حول وقف العنف في 5/6/1997، من طرف واحد، وهم في أعماق السجون والمعتقلات، إلا أن هذه المبادرة الإيجابية لم تُحمل على محمل الجد ولم تحظ باهتمام واسع لا من قبل الإعلام المصري ولا السلطات، بل كانت هناك شكوك واسعة حولها.
ومع ذلك حظيت الجماعة ببعض التسهيلات داخل السجون وخارجها وأفرجت السطلات عن آلاف المعتقلين من الجماعة والمتعاطفين معهم الذين كانوا معتقلين بقانون الطوارئ من دون صدور أحكام قضائية ضدهم، وكان لابد من مرور عدة سنوات حتى تتأكد جدية التوبة وصدور قرار جماعي باعتماد المبادرة من قبل «مجلس شورى الجماعة» في24- 3- 1999 وقيام الجماعة بإصدار 7 كتب منها 4 باسم «تصحيح المفاهيم والمراجعات» عام 2002، و3 كتب بعد خروج أمير الجماعة «زهدي» وإطلاق سراحه في 9/29/2003 وتبع ذلك إطلاق سراح ألف من أعضاء الجماعة المقدّر عددهم بـ50 ألفا، منهم 14 ألفاً في السجون.
ثم كرّت السبحة الأمنية لتخرج حباتها المعتقلة تباعاً حتى تم الإفراج عن آخر الأسماء المهمة عام 2007 مع حلول الذكرى العاشرة لمبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة قبل عشر سنوات، وبذلك أقفل الملف الأمني للجماعة لتتحول إلى جماعة سياسية-اجتماعية-دينية سلمية تنبذ العنف وتقبل بالتعددية والحوار أسلوباً للمعارضة وتمارس العمل الدعوي والاجتماعي في إطار القانون والنظام العام.
وقد تكون هذه النتيجة الإيجابية هي التي أغرت الجماعية الأصولية الأخرى «جماعة الجهاد» لإعلان مبادرتها التي سميت «ترشيد الجهاد» على يد فقيه الجماعة «سيد إمام عبدالعزيز الشريف» المعروف بالدكتور «فضل» صاحب الكتابين المرجعيين للجماعة وهما «العمدة في إعداد العدّة للجهاد» و«الجامع في طلب العلم الصحيح» والغريب أنه طبيب جراح لكنه حفظ القرآن في الصغر واهتم بدارسة الفقه والتفسير.
وأصبح المنظّر الشرعي لجماعة «الجهاد» وأميرها، لكن مراجعات د. فضل التي جاءت في 111 صحفة تعتبر أهم مراجعات «الجهاد» على الإطلاق بعد 10 سنوات على مراجعات الجماعة الإسلامية، وجاء الإعلان عنها في ذكرى «مذبحة الأقصر عام 1997» بعنوان «ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم وفق الضوابط الشرعية» والتي أثارت موجة واسعة من الانتقادات والتلاسن الحاد بين قيادات الجماعة في الداخل والخارج خصوصاً من قبل «د. هاني السباعي» المقيم في بريطانيا الذي شكك وهاجم المبادرة، ومن قبل «مجلس شورى جماعة الجهاد في الخارج» الذي حذّر من سماهم شباب الأمة من الإصغاء لمراجعات خريجي السجن.
واتهم د.فضل بأنه «معول هدم وتثبيط للمجاهدين» وأوضح بيانهم المنشور في موقعهم الأصولي، وقد كتبته مجموعة «الجهاد» القديمة الموجودة مع الظواهري- الحليف الأول لـ«بن لادن»:
«نريد أن نبيّن للجميع أن ما ذكره الشيخ فضل من اتهامات لقيادات المجاهدين وتشكيك في نياتهم فإن الحقيقة تقتضي مسؤوليته الأولى عن كل ما حدث من أخطاء، كيف لا وقد كان الأمير الأول في الجماعة»، وعلى العموم وبغض النظر عن هذا الخلاف بين الداخل والخارج فإن الذين في الداخل، وعددهم ألفان وقّعوا على المبادرة ليتمّ الإفراج عن أغلبيتهم وليغلق الملف الأمني لـ«الجهاد» تبعاً للجماعة الإسلامية.
الآن دعونا نتعرف على أبرز الملامح الفكرية والسياسية للمراجعات لكل من الجماعة الإسلامية و«الجهاد»:
كما أسلفنا فقد أصدرت الجماعة الإسلامية 7 كتب لتشرح موقفها الجديد من تحولها الفكري من جماعة تعتنق العنف والتطرف إلى جماعة دعوية تؤثر السلام والنصح والدعوة بالتي هي أحسن.
وقد ترجمت الجماعة بعض تحولاتها إلى الإنكليزية ونشروا كتبهم على نطاق واسع وبدأوا بتدريس أبحاثهم الشرعية في سجون المحافظات المختلفة محدّدين الأسس الشرعية لتحولهم إلى العمل السلمي.
ومن أهم هذه التحولات أو التراجعات أنهم رأوا أن السادات قتل شهيداً كما قال زعيمهم «كرم زهدي» ويرى الشيخ «ناجح إبراهيم» -مفكر الجماعة- في كتابه «الإسلام وتحديات القرن 21» أن الصلح جائز مع إسرائيل مستشهداً بهدنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود، وأن «الجهاد» وسيلة وليس غاية، ولذلك ينتقد العرب لرفضهم قبول تقسيم 1948ويقول «لو قبل عرفات مقعد التفاوض الذي عرضه عليه السادات مع إسرائيل لكانت له دولة منذ عام 1977.
وإن سورية فوّتت على نفسها الفرصة، برفضها التفاوض في السبعينيات مع إسرائيل وتتمنى اليوم ما رفضته بالأمس»، وتنتقد الجماعة «طالبان» لأنها فرضت العزلة على نفسها، وحين تربعت على الحكم لم تعمل مصالحة وطنية، وكذلك الحركات الإسلامية لإغفالها خيار الصلح كخيار استراتيجي.
وبالنسبة لطروح سيد قطب يرى القادة التاريخيون للجماعة أن «قطب» أديب وليس بفقيه، وأنه من الخطأ التعامل مع مصطلحات الحاكمية والجاهلية باعتبارها من أصول الفقه، ولذلك يرفضون الحكم على المجتمعات الإسلامية بأنها ديار كفر لمجرد عدم تطبيق الشريعة، ويعذرون الحاكم في عدم تطبيق الشريعة بسبب التحديات العالمية، ولا يرون بأساً في الاحتكام إلى القوانين المدنية في ما يتعلق بالربويات والجنايات للضرورة... وأما الديموقراطية الغربية فإن فيها ما هو صالح ومتفق مع مبادئ الإسلام بما فيها فكرة الأحزاب.
وهنا نعرض آراء المراجعات للجماعة الإسلامية في ما يتعلق بأعمال «القاعدة» في العراق، فهم يرفضون ممارسات «القاعدة» وتوجهاتها، ويرون أن هدف «القاعدة» إبادة الشيعة والأكراد وليس تحرير العراق، وأن جماعة الزرقاوي لا تعرف معنى «الجهاد»، كما أدانوا تفجيرات الجزائر وقالوا: «متى يتعلمون حرمتها شرعاً؟»، كما أدانوا تفجيرات الرياض وردوا على الظواهري وفنّدوا مستنداته الفقهية، كما انتقدوا أنفسهم وقالوا إن العمليات التي حدثت في الماضي أخّرت الإسلام والمسلمين ولم تحقق الجماعة من ورائها أي مكاسب.
وأن التفجيرات الحاصلة في المجتمعات الإسلامية تستهدف ضحايا مسلمين ولا تصيب عدواً، وفي تعليقهم على تفجيرات «شرم الشيخ» قالت الجماعة الإسلامية وجماعة «الجهاد»: «القتل والتفجير ليسا جهاداً وما يحدث في العراق وفلسطين ليس مبرراً، وهي لا تخدم إلا الأعداء»، وبالنسبة للسياح قالت الجماعة الإسلامية: «السياح ليسوا محاربين وتأشيرة الدخول تقوم مقام الأمان». كما حرّموا الخروج المسلح على الحكام لأنه أضعف الدين، وهو من أعظم الأسباب لتدخّل الدول الكبرى في شؤون المسلمين.
وهاجموا «بن لادن» لأن فتواه تسببت في قتل الأبرياء، وقالوا: «المناداة بفتح باب الجهاد ضد إسرائيل مستحيلة وغير واقعية ولا يطلق لقب شهداء على المفجّرين غير الملتزمين بشروط الشهادة، والدعوة إلى الجهاد مقصورة على الأمة لا على الأفراد ولا على أي جماعة مهما كبرت، مع التحقق من أن الدماء لن تراق هدراً وأن العمل الجهادي لا يمس حاجات الناس وأرزاقهم ومرافق البلاد الحيوية».
وبالنسبة لـ11- 9فإنهم انتقدوا نظرية المؤامرة المسيطرة على أذهان كثير من المسلمين بأن هجمات 11سبتمبر لم تقم بها «القاعدة» إنما الموساد الإسرائيلي... وبالنسبة للمقاطعة قالوا: «الدول العربية ستكون هي الخاسرة الكبرى إذا قطعت علاقتها مع أميركا أو مع الدول التي تنتهك حقوق المسلمين واستنكروا استخدام المساجد كمخازن للسلاح أو المنشورات وطالبوا بتنزيه المساجد عن مثل هذه الأعمال حتى يحفظوا لها قدسيتها».
وقالوا عن عمليات خطف الرهائن وتهديدهم بالذبح أمام القنوات الفضائية «إنه يعطي أسوأ صورة عن الإسلام». وقالوا إن الحكم على الناس ليس من شأن الجماعات الإسلامية بل من شأن القضاة، كما انتقدوا الجماعات الجهادية في السعودية، وقالوا عن صدّام إنّ استراتيجيته تمثل قمة الغباء السياسي.
وبالنسبة لدارفور قالوا: «على الدول العربية أن تعتبر بما حدث في دارفور حتى لا تقع تحت أقدام المحتل الأجنبي»، وانتقدوا جماعة الإخوان المسلمين وقالوا «إنها هي التي وضعت فكر التكفير في السبعينيات، ونطالبها الآن بالسير على نهجنا السلمي»، كما دافعت الجماعة الإسلامية عن مبادرة جماعة «الجهاد» وطالبت أصوليي الخارج بوقف التشكيك فيها واعتبرتها إحدى ثمار مبادرتها لوقف العنف.
أما أهم ملامح مراجعات «الجهاد» فتقترب من مراجعات الجماعة الإسلامية في عدم الصدام مع الحاكم المسلم لتطبيق الشريعة وعدم تكفير المسلمين وعدم التعرض للسياح ولا يجوز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن الوالدين والدائن، وأن الجهاد ليس هو الخيار الشرعي الوحيد لمواجهة الواقع غير الشرعي، وأن أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم ليست حجّة، والفقيه من يختار أهون الشرين وأخف الضررين، وأن الفسق والمعاصي لا تخرج فاعلها عن الإسلام.
وغير صحيح قول الجهاديين «الرضا بالكفر كفر» وأن الأعمال التي اشتملت على سفك الدماء وإتلاف الأموال من الكبائر المحرّمة التي لا يجوز لمسلم أن يفرح أو يفتخر بها، ومن رضي بها كان عليه مثل ذنب فاعلها، إذ لا فخر بأعمال الغدر، ولا فخر بغزوات الغدر ، وإن ظنّها الجُهّال بطولات، واعلم أيها المسلم أنه لا يوجد شيء في الشريعة، قتل اليهود والنصارى كلهم الذين يسميهم البعض بالصليبيين -انتقاداً لـ«القاعدة»- كما أن اعتداء دول أجنبية على المسلمين وقتلهم من دون تمييز لا يبيح لنا الردّ بالمثل.
هذا بعض ما جاء في وثيقة د.فضل: «هناك تساؤلات أخيرة: ما أبرز الملاحظات على هذه المراجعات؟ وما مدى جديتها؟ وهل تمثل قطيعة معرفية مع جذور العنف أم أنها مناورة أو صفقة أمنية؟ وهل لها تأثير على وقف العنف في الساحة؟ وما أبرز دوافع التحول؟ هناك بطبيعة الحال من يشكك في حقيقة المراجعات ويعتبرها نوعاً من «التقيّة» لجأت إليها الجماعات الأصولية لتتجنّب مزيداً من القمع بعد المعاناة والتعذيب في السجون على امتداد أكثر من 3 عقود، فهي إذاً صفقة أمنية يجري بمتقضاها الإفراج عن المسجونين في مقابل التوقف عن النشاط أو الحركة من جانبهم، لكن أكثر المحللين يرفضون هذه الفرضية ويعتقدون أن «التوبة» حقيقية وأن تلك الجماعات قد قررت -صدقاً- بعد أن راجعت نفسها أن العنف لم يأتِ بخير بل سبب أذى كبيراً.
لذلك قررت تطليق العنف بلا رجعة والعودة إلى الدعوة السلمية، وأن هذه المراجعات الفكرية ما هي إلا انعكاس لتغيير جذري في بنيان تلك الجماعات، ولهذا يقول اللوء فؤاد علاّم «إن منهج الجماعات الأصولية يختلف بشكل كامل عن منهج الإخوان في مسألة (التقيّة) فالجماعة الإسلامية أو الجهاد لو تراجع أي منهما عن أفكاره فإنه يفعل ذلك عن إيمان بأخطائه، على عكس فكر الإخوان الذين يظهرون أشياء ويبطنون أشياء أخرى، كما أن الجماعات اعترفت بوضوح أنها أخطأت وتريد تصحيح أخطائها بعكس جماعة الإخوان والقوميين واليساريين الذين لم يعترفوا بأخطائهم حتى الآن، ولم تصدر منهم أي مبادرة للمراجعة الفكرية لطروحهم التي دمّرت العالم العربي وبددّت موارده. ذلك يؤكد أنّ تلك الجماعات وعلى امتداد الـ3 عقود لم تتبّنّ أي عمل عدواني.
يقول ضياء رشوان «إن الحديث عن صفقة لا يصمد أمام عدة حقائق، أولاها أن المبادرة قد صدرت بامتناع ذاتي داخلي في صفوف القيادات التاريخية للجماعة نتيجة لعوامل كثيرة مركبة ذاتية ومصرية وإقليمية ودولية، والحقيقة الأخرى التي تؤكد عدم وجود صفقة هي استمرار الدولة خلال الأعوام السابقة في عقد محاكمات واسعة لأعضاء الجماعة صدرت بحقهم خلالها أحكام الإعدام، ونُفّذ بعضها».
وأما عن تأثير المراجعات في تراجع العنف، فالتأثير الأهم هو في الساحة المصرية أما خارج الساحة المصرية فالأمر مرهون بقدرة الحكومات على تجفيف منابع فكر الكراهية: تعليماً وخطاباً دينياً وإعلامياً ويبقى أن نقول: مرحباً بالمراجعة ولو كانت لروح آثمة.
* كاتب قطري.
* نقلا عن موقع الوطن القطرية بتاريخ 7-1-2008 ، 8-1-2008 .
|