English

 

الاثنين. يناير. 7, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

لبنان.. فراغ رئاسي أم خواء في السلطة التنفيذية؟

أمين محمد حطيط

Image
العميد الدكتور أمين حطيط
كان الدستور اللبناني -قبل اتفاق الطائف- يكرس السلطة التنفيذية بشخص رئيس الجمهورية وحده يمارسها بمعاونة وزراء يختارهم هو ويعيّن من بينهم رئيسا في حكومة يمنحها مجلس النواب الثقة ليحكم الرئيس عبرها، ويبقى للرئيس أن يقيل الحكومة متى شاء من غير أن يضطر إلى تبرير؛ لأن الحكومة تعاونه، وهو السلطة التنفيذية، وكان رئيس الجمهورية هو الشخص الوحيد في السلطة في لبنان الذي ليس له بديل ينوب عنه فإن غاب توقفت أعمال السلطة التنفيذية وتجمدت حتى يعود، إذ ليس من حق أحد أن يدعو ويترأس مجلس الوزراء سواه، ولا يمكن أن يصدر مرسوم أو قانون إلا بتوقيعه.

"الطائف" يؤكد التوافق

بعد اتفاق الطائف انقلب الوضع وأصبحت السلطة التنفيذية حصرا في يد مجلس الوزراء الذي يُشكّل بعد استشارات نيابية يجريها رئيس الجمهورية الذي يكلف شخصا بتشكيل الحكومة، وهذا المكلّف يقوم هو باستشارات نيابية لاختيار الوزراء، ثم يصدر مراسيم التعيين مراعاة لمبدئين اثنين (أي أن الحكومة في لبنان معينة وليست منتخبة كما يروّج الأمريكيون) أما المبادئ فهي:

- إشراك جميع الطوائف في الحكومة ومناصفة بين المسلمين والمسيحيين، إذ لا شرعية للحكومة إن لم تراع المشاركة والعيش المشترك (البند "ي" من مقدمة دستور الطائف)

- والثاني المساواة بين الطوائف الثلاث الكبرى (الشيعة والسنة والموارنة) في عدد الوزراء.

وتكون الحكومة المنعقدة في مجلس للوزراء يدعو إليه رئيس الحكومة (بالاتفاق مع رئيس الجمهورية) ويترأسه عادة رئيسها هذا، تكون هي السلطة التنفيذية التي يجوز لرئيس الجمهورية أن يرأس مجلس وزرائها إن حضر (دون أن يكون له الحق بالتصويت)، وإن غاب ينعقد المجلس برئاسة رئيس الحكومة الشخص الوحيد الذي أصبح في نظام الطائف مركز الثقل السياسي والتنفيذي في الدولة والوحيد الذي لا بديل له ينوب عنه تماما، كما كان حال رئيس الجمهورية قبل الطائف، إذ لا مجلس وزراء بدونه كما لا يكون مرسوم من غير توقيعه عاديا كان أم متخذا في مجلس الوزراء، إذ إنّ الدستور الجديد تجاوز احتمال اعتراض رئيس الجمهورية على قرارات مجلس الوزراء وأعطى الأخير الحقّ بعد ردّ رئيس الجمهورية للقرار أن يصرّ عليه ويصدره من غير موافقة رئيس الجمهورية. وألزم رئيس الجمهورية بمهلة 15 يوما لتوقيع مراسيم اتخذت قراراتها في مجلس الوزراء بينما لم يلزم وزيرا أو رئيس وزراء بأي مهلة.

ضوابط "الطائف" للرئاسة

لكن ومع هذا القدر الكبير من الأهمية الذي أُعطي لرئيس الحكومة وضع الطائف ضوابط حتى لا ينقلب الحكم إلى استبداد أو حكم مطلق -يمارسه رئيس الحكومة أو الفئة التي ينتمي إليها- ومن أهم هذه الضوابط وعطفا على مبادئ تشكيل الحكومة كما ذكرنا أعلاه، جاء تحديد أكثرية الثلثين شرطا لانعقاد مجلس الوزراء ولدوام عمل الحكومة فإن استقال الثلث زائد واحد سقطت الحكومة وإن تغيب هذا العدد تعذّر اجتماعها. وبالتالي جاء نظام الطائف بضوابط للسلطة التنفيذية لتأكيد الحكم الجماعي ومنع تشكل حالات الاستئثار من قبل شخص أو فئة أو طائفة.

إضافة إلى ذلك كانت الضوابط في اختيار رئيس الجمهورية وانتخابه، كونه بعد الطائف بات حكما وليس حاكما والحكم يجب أن يكون مقبولا من الجميع، أي توافقيا، لذلك أبقى الطائف على بعض القواعد وأضاف بعضا آخر، ويستفاد من مجمل الوضع النهائي (المواد 49 و74 و62 بصورة خاصة) وبما أنّ الإجماع حلم لا يُدرك في أغلب الأحيان فقد وضع الدستور أصولا للتخفيف من وطأته كما يلي:

- إن الشروع في انتخاب رئيس الجمهورية يتطلب تحقق نصاب الثلثين من مجلس النواب، وذلك لمنع تفرّد المسلمين أو المسيحيين من اختيار الرئيس استقلالا فيما لو اكتُفي بالأكثرية المطلقة التي هي العدد الصحيح الذي يلي النصف، لأنّ مجلس النواب يشكل مناصفة بين المسلمين والمسيحيين فقد يتفق مثلا المسلمون على نائب مسيحي يجمعون عليه ويفرضونه رئيسا للجمهورية خلافا لإرادة المسيحيين ويقوم حكم الفئة وليس حكم الجماعة. وكان النص على الثلثين للشروع في الانتخاب نصا يفرض الوفاق ويحمي من التفرد والاستئثار طالما أنّ رئيس الجمهورية هو رمز وحدة الدولة، لذلك يجب أن يكون انتخابه ثمرة التوافق بين مكونات الشعب. (المادة 49 فقرة 2: ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويُكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي) وفي الإجازة الثانية للانتخاب بالأكثرية المطلقة يكون المشرع قد لحظ التوافق الذي مكّن من اكتمال نصاب الثلثين للشروع، فإن لم يكن توافق لا يشرع بالانتخاب ولا نصل إلى الدورة الثانية ذات الأكثرية المطلقة. قالتوافق هو المعبر الإجباري لانتخاب رئيس الجمهورية.

- أما إذا قُيّض وتعذر أو امتنع وجود رئيس للجمهورية لسبب أو آخر، أي في حال خلوّ سدة الرئاسة لأي سبب، فإن مجلس الوزراء المكوّن دستوريا والمراعي لقواعد العيش المشترك كما نص الدستور، هو الذي يمارس صلاحيات الرئيس وكالة (يمارس الصلاحية ولا يحل مكانه، أي ليس هو الحكم وليس هو رمز وحدة الدولة)، وعليه أن يسارع لتهيئة ظروف انتخاب الرئيس عبر مجلس النواب بأقصى ما يمكن من السرعة وأن يسير أمور الدولة في الحد الأدنى الذي يحفظ استمرارها ويحفظ مصالح الناس. (المادة 62 من الدستور: في حال خلوّ سدة الرئاسة لأيّ علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء).

هذه هي القواعد الدستورية، فكيف هو الواقع في لبنان اليوم؟

- بتاريخ 11\11\2006 استقال الوزراء الشيعة من الحكومة وامتنعوا عن حضور مجالس الوزراء التي يدعو إليها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، هنا وبحكم مسئوليته بالسهر على تطبيق الدستور، اعتبر رئيس الجمهورية -وهو محقّ في ذلك- أن مجلس الوزراء المنعقد في غياب طائفة كبرى فقد شرعيته الميثاقية والدستورية، وبالتالي فقد صلاحية ممارسة السلطة التنفيذية، وبما أنّ الأخيرة هي حصر بيد مجلس الوزراء، وأن هذا المجلس لا يعتبر شرعيا في غياب طائفة لتناقضه مع 3 مبادئ دستورية:

- مبدأ العيش المشترك (الفقرة "ي" من مقدمة الدستور).

- مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس الوزراء (المسيحيون اليوم هم 10 من أصل 17 وزيرا متبقين في الحكومة).

- مبدأ المثالثة بين الطوائف الكبرى (الشيعة خارج الحكم الآن).

ما يعني وفي ظل هذا الواقع أن لا سلطة تنفيذية شرعية في لبنان منذ 11\11\2006.

- بتاريخ 23\11\2007 انتهت ولاية رئيس الجمهورية العماد لحود دون أن يتمكن مجلس النواب (ولا زال) من انتخاب رئيس للجمهورية، هنا ووفقا لأحكام الدستور يجب أن تناط صلاحيات رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء (المادة 62) ولكن المعضلة الرئيسية هي أن مجلس الوزراء هو بوضع غير دستوري، وقد اعتبره كذلك كل من رئيس الجمهورية المنتهية ولايته ولم يسلّمه هذه الصلاحيات ولم يقبل أن يقرن توقيعه بتوقيع أي وزير في الحكومة المتبقية منذ أن خسرت الأخيرة شرعيتها وميثاقيتها، وكذلك فإن رئيس مجلس النواب يعتبر الحكومة بتراء فاقدة الشرعية ما حمله على عدم فتح باب مجلس النواب أمامها وعدم تلقي شيء منها بما في ذلك مشاريع القوانين.

البحث عن مخرج

على ضوء ما تقدم نقول:

إن لبنان اليوم دولة من غير سلطة تنفيذية، وإن المجموعة التي تمارس هذه السلطة اليوم تكون وفقا لأحكام الدستور منتحلة لصفة لا تتيحها لها طبيعتها التكوينية الحالية، الأمر الذي يطرح السؤال:

كيف للبنان أن يخرج من هذا المأزق ويعيد بناء سلطته التنفيذية تلك؟

هنا نعود إلى الدستور الذي ينص في المادة 74 على أنه: "إذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو سبب آخر فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس (النواب) فورا بحكم القانون"، وبما أن سدة الرئاسة خالية لسبب عدم الانتخاب (السبب الآخر في المادة) فإن المجلس يعتبر مدعوا للاجتماع بحكم القانون وبالتالي لا حاجة له لدعوة في دورة استثنائية أو غير ذلك.

والنصاب المطلوب هو الثلثان من الأعضاء أي 86 نائبا من أصل 128؛ لأن حاجة المرشح للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية هي الثلثان في الدورة الأولى، فإن لم يكن في القاعة الثلثان لا تجري دورة الانتخاب وإلا كان في الأمر حمق أن يُطلب من 85 نائبا وما دون توفير أكثرية 86 نائبا.

هنا تبرز المشكلة الأساس والتي تعيدنا إلى جوهر الديمقراطية في لبنان أو النظام التوافقي اللبناني، والذي يجسد رئيس الجمهورية مظهره الأول فلا رئيس إلا بالتوافق، أو إذا تمكن أحد الأطراف من امتلاك أكثرية الثلثين. وبما أن فريق 14 آذار لا يملك هذه الأكثرية فإنه ملزم بالتوافق مع المعارضة لتؤمن له النصاب، والمعارضة لا تفعل إلا إذا ضمنت مشاركتها في الحكم ليس شراكة مطلقة، بل على الأقل في القرارات المصيرية التي تفترض أكثرية الثلثين في مجلس الوزراء، لهذا فهي لن تؤمّن نصاب الشروع في انتخاب الرئيس إلا إذا ضمنت أن يكون لها في الحكومة الثلث زائد واحد لتضمن المشاركة وهذا ما ترفضه جماعات 14 آذار بدفع من أمريكا، لأن الأخيرة لا تقبل بدخول المعارضة وفي صلبها المقاومة إلى الحكم؛ لأن في ذلك خسارة للورقة اللبنانية من اليد الأمريكية.

والجميع الآن أمام الحائط المسدود، أكثرية 14 آذار لا تستطيع أن تأتي برئيس للجمهورية، والمعارضة لا تعترف بسلطة هذه الأكثرية.

وعلى هذا الأساس يقود المنطق السليم إلى القول إنه لا حلّ في لبنان إلا بالتوافق وقبول الآخر والمشاركة من غير استئثار، لكن المنطق مرفوض بالمصلحة الأمريكية -لذلك لم يُنتخب الرئيس ولن ينتخب طالما أن أمريكا هي الممسكة بقرار جماعات 14 آذار.

أما الحلّ على مدى أبعد فهو لا يعدو واحدا من ثلاث كما نرى:

- تراجع أمريكا عن التفرد بحكم لبنان عبر حكومة السنيورة، والقبول بحكومة الوحدة الوطنية التي يكون للمعارضة فيها الثلث زائد واحد لضمان عدم التفرد بالحكم.

- انتظار انتهاء ولاية مجلس النواب الحالي وإجراء انتخابات نيابية من قبل هيئة محايدة ووفقا لقانون عادل، وترك انتخاب الرئيس للمجلس النيابي الجديد مع تعهد من قبل الأطراف جميعا بقبول نتائج هذا الانتخاب.

- الاتفاق على إجراء انتخابات نيابية مبكرة، ثم بعدها انتخاب رئيس الجمهورية.

 

وخارج هذه السبل لا مخرج للبنان من ورطته، ويبقى أن نقول: إن تمسك فريق لبناني بدستورية أعمال مجلس الوزراء الحالي وهو مجافٍ لمبدأ المشاركة في الحكم، يعني وبكل بساطة أن اتفاق الطائف لم يحقق المشاركة الفعلية في الحكم ما يفرض إعادة النظر فيه (وفي الواقع بدأت الأصوات تعلو طلبا لذلك أو على الأقل تصحيح الطائف، وكان آخرها موقف عربي عبر عنه رئيس البرلمان العربي قائلا في بيروت في 31\12\2007 : "يحب أن يلتقي اللبنانيون في هيئة تأسيسية لإيجاد طائف جديد يحقق المشاركة"، وعليه نرى أنه يصح القول إنّ واحدا من اثنين قد سقط؛ إما حكومة السنيورة وإما اتفاق الطائف.

إذن الفراغ الحقيقي ليس في سدة الرئاسة في لبنان، بل في السلطة التنفيذية كلها، هذا إذا قلنا بصلاحية اتفاق الطائف لتحقيق المشاركة وخطأ الممارسة، وإن قلنا بصحة السلطة التنفيذية وسلامة الممارسة فهنا يكون الفراغ قد لحق بالنظام السياسي وأُفرغ الطائف من محتواه أو أنّ ما عُوّل عليه منه من عدالة ومشاركة ومساواة.. تبيّن زيفها إذ إنها غير متحقّقة الآن، خاصة في غياب الطائفة التي تشكل 42% من المقيمين في لبنان (الشيعة) وتهميش المسيحيين بأغلبيتهم، وهم يشكّلون 32% من اللبنانيين. ونحن الآن ننتظر تصحيح الممارسة أو تعديل النصوص، فأيّ الطريقين يُسلك قبل أن يفرض الشارع ما سيكون؟


أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية والإسلامية – خبير استراتيجي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات