English

 

الأحد. يناير. 6, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

"الصحوة" والتحالف الجديد.. مسكنات لأزمة العراق

رجائي فايد

مجالس الصحوة..هل ستسهم في وأد العنف الطائفي العراق؟
مجالس الصحوة..هل ستسهم
في وأد العنف الطائفي العراق؟
من يتابع تداعيات الملف العراقي سيكتشف حتما مسألة هامة وهي أنه كلما يتطلب الأمر معالجة إحدى الحالات التي تطرأ على هذا الملف وتؤدي إلى تأزيم مشهده، فإن أصحاب القرار (الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها خارج وداخل العراق) يلجئون إلى أسهل الحلول، وهو الحل الآني الذي يؤتي نتائجه سريعا، بصرف النظر عن أن هذا الحل ربما تكون له عواقب على المدى الأبعد أخطر بكثير من المرض الذي عولج.. تماما مثل مريض يعالج من الإنفلونزا بدواء يؤدي إلى إصابته بالسرطان فيما بعد.

هذا الأمر ينطبق تماما على حالتين ظهرتا في الشهور الأخيرة بوضوح على الساحة العراقية.

الحالة الأولى: تشكيل مجالس للصحوة من عشائر غرب العراق (العرب السنة) وتسليحها لمواجهة أمرين:

الأول: المواجهة المسلحة لتنظيم القاعدة في العراق والقضاء عليه.

الثاني: خلق حالة من التوازن مع الصعود الديني الشيعي في العراق.

الحالة الثانية: التحالف السياسي الذي أعلن عنه مؤخرا بين الجانب الكردستاني ممثلا في الحزبين الكرديين الرئيسيين: الحزب الديمقراطي الكردستاني (مسعود البارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال طلباني)، وبين الحزب الإسلامي العراقي (طارق الهاشمي)، وهذا التحالف موجه بالدرجة الأولى إلى الائتلاف الموحد الشيعي (حزب الدعوة – المجلس الأعلى للثورة الإسلامية – التيار الصدري.. إلخ) والأخير يتداخل ويتقاطع مع النفوذ الإيراني المتصاعد داخل العراق.

صعود شيعي ونفوذ إيراني

ونعود لقراءة الأمر الأول (تشكيل وتسليح مجالس للصحوة من عشائر غرب العراق) فبعد سقوط النظام السابق صعد التيار الديني الشيعي بقوة وأصبح أصحاب العمائم السوداء هم أهل الحل والعقد والأمر والنهي على الأقل بالنسبة لجماهير عريضة من العراق وبالتالي للقرار السياسي إلى حد ما. وشكّل صعود هؤلاء مأزقا واضحا للولايات المتحدة وبالتالي راحت تبحث عن حل يحجمهم دون أن تفقد تعاونهم أو ولاءهم لها. ومما زاد من خطورة الأمر بالنسبة للولايات المتحدة أن معظم هذا التيار وكل قياداته على وجه التقريب كانت تعارض النظام العراقي السابق من إيران، وعاشت فيها ردحا طويلا من الزمن، ممّا أدى إلى تشرّبها بالثقافة الإيرانية، بل بالولاء لإيران في أغلب الأحوال.

هذا الوضع كان قد حذّر منه بعد السقوط مباشرة وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كيسنجر عندما قال: "إذا أسفرت العملية السياسية في العراق عن صعودٍ للتيار الديني الشيعي، فإن من صالح الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل على تشجيع قيام كيانات ترتبط ببعضها برباط هش". وهذا الطرح يتطابق إلى حد كبير مع توصيات لجنة الكونجرس الأمريكي منذ شهور مضت.

وكان لا بدّ أن يتواكب مع هذا الصعود نفوذ متنامٍ لإيران في العراق، فالعلاقة بين الصعود الشيعي والنفوذ الإيراني في العراق علاقة طردية، إلى حد أنّ البطاقة التي يكتبها الوافد إلى العراق من بوابة صفوان الحدودية بين العراق والكويت باللغتين الإنجليزية والفارسية، ولا مكان للغة العربية!

في المقابل كان العرب السنّة بالذات في غرب العراق يعيشون في حالة من القلق على المستقبل، فهم لا يعرفون بالضبط ماذا يفعلون وأي مصير ينتظرهم. لقد كانوا حتى وقت قريب أصحاب السلطة، أو على الأقل الأقرب إلى أصحاب السلطة، وفجأة وجدوا أنفسهم وقد فقدوا كل شيء، بل وجدوا أنفسهم في قفص الاتهام متهمين بالمشاركة في أحداث الماضي، لأن أركان الدولة منذ تأسيس دولة العراق، بل قبل ذلك خلال العهد العثماني كانت منهم، وأجهزة النظم السابقة القمعية كانت في معظمها منهم (أمن واستخبارات)، والقيادات الحزبية والإدارية منهم أيضا، لذلك لم يكن أمامهم من سبيل سوى المقاومة، فكانت منهم معظم التنظيمات المسلحة التي تقاوم المحتل الأمريكي وتقاوم أيضا العملية السياسية والقائمين عليها، وقوى الأمن العراقية التي تتشكل. وكان على الطرف المقابل (الولايات المتحدة وأعوانها) أن يوجهوا ضربات قاسية إلى هذا التيار (أحداث الفالوجة على سبيل المثال) ولم يتوقف الأمر على توجيه الضربات، بل تعداه إلى العملية السياسية ذاتها، والتي أدّت إلى تهميش هذا التيار بفعل عداء الجانب الآخر المسيطر والصاعد من ناحية، وبفعل مقاطعة التيار السني للعملية السياسية في بداية الأمر.

وأصبح المشهد العراقي يتلخّص في صعود متنامٍ للتيار الديني الشيعي مع بروز واضح لنفوذ إيراني متعاظم يقابله تهميش للتيار العربي السني في العراق. ومما زاد من قساوة هذا الوضع أن بعض التفجيرات التي اتُّهم فيها العرب السنة طالت إحدى العتبات المقدسة لدى الشيعة في كافة أنحاء العالم، وهو المرقد العسكري في سامراء، وكان ردّ الفعل سريعا ورهيبا ضدّ السنّة العرب، بحرق العديد من المساجد السنية في مدن عراقية عديدة.

لولب العنف.. وآخر الحلول لمواجهته

ورغم قبول جزء من العرب السنّة بعد ذلك بالأمر الواقع ومشاركتهم في العملية السياسية وبروز بعض الأسماء على الساحة فإن هذه المشاركة قوبلت بريبة من الطرف الآخر، إلى درجة أصبحت فيها القيادات السنية العربية التي لا تشارك في العملية السياسية موضعا للاتهامات، حتى إن حياة بعضهم أصبحت في خطر بالغ، فحارث الضاري زعيم جبهة علماء المسلمين مثلا اضطر إلى مغادرة العراق، مفضلا أن يمارس نشاطه السياسي عن بعد. كما أنّ زعيما سياسيا بارزا منخرطا في العملية السياسية مثل عدنان الدليمي جرّدوه من حراسته، بزعم اتهام هذه الحراسة بالقيام بأعمال إرهابية، وعيّنوا له طاقم حراسة من قبلهم، جعلته في حقيقة الأمر يعيش ويمارس نشاطه السياسي والحياتي في سجن متحرك.

فيّ ظل تيار العنف المتصاعد والذي كانت تقوم به بعض فصائل التيار الشيعي، وتيار الجانب الآخر والمتهم بجلب تنظيم القاعدة إلى العراق وتوفير الملاذ الآمن لها، نشأت الحاجة الملحة لوقف هذا العنف بأي طريقة. لكن هنا نقطة هامة ينبغي التوقف عندها، فالولايات المتحدة يهمّها بالدرجة الأولى ملاحقة تنظيم القاعدة في العراق أكثر من غيره من التيارات والتنظيمات؛ لأن حربها ضد تنظيم القاعدة هي حرب كونية، لا تنحصر في مكان واحد بعينه، أما التيارات الأخرى فهي محصورة في العراق فقط، لذلك لجأت إلى أمرين:

1- توجيه ضربات إلى جيش المهدي التابع للتيار الصدري، وفي نفس الوقت دفعه إلى إعلان هدنة عن العمل المسلح لفترة، وقد حدث هذا بالفعل وبالتالي جُمّد العنف الشيعي على الساحة إلى حد كبير.

2- الاجتماع بعشائر غرب العراق من السنة وعقد مؤتمرات لهم تتحدّث عن القاعدة وخطرها على العراق، وضرورة مواجهتها وحرمانها من الملاذ الآمن، وتمخّض كل ذلك عن تشكيل مجالس الصحوة وتسليح ميليشياتها، والتي دخلت في مواجهات مسلّحة ضدّ تنظيم القاعدة في العراق ونجحت في تحجيمه إلى حد كبير.

هذا الحل رغم تحقيقه نجاحات ملحوظة بالهبوط بالعنف بدرجة ملحوظة، فإنه لم يكن حلا يتواءم مع الدولة العصرية وعصر الحداثة، لقد كان حلا عشائريا، وفي نفس الوقت فإن هذا الحل عالج أعراض المرض، ولم يعالج المرض في حد ذاته، لذلك فإن الأسباب المسببة للعنف ما زالت قائمة، وعلى استعداد لتفجير هذا العنف من جديد وفي أي وقت.

علاج الأعراض.. علاج مؤقت

إن أسباب العنف المعروفة للكافة تكمن أساسا في غلبة الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني وهشاشة فكرة المواطنة، وهي مسألة جذورها بعيدة، تضرب في عمق التاريخ، ولا مجال للتعرض لها الآن. وكان من الواجب معالجة هذا الأمر من جذوره بأسلوب الحداثة والدولة العصرية، من خلال تشكيل حكومة من التكنوقراط لا يُعرف عن أفرادها أي انتماء طائفي، تتعامل مع كافة طوائف الشعب على قدم المساواة، على طريق تنمية فكرة المواطنة لديهم، وهذا لم يحدث في العراق حتى الآن.

أمّا ما حدث فقد كان العلاج أبعد ما يكون عن الحداثة، فالصعود الديني الشيعي عولج بتسليح ميليشيات عربية سنية لإحداث توازن مسلح على الساحة، فتشكلت مجالس الصحوة في غرب العراق وتم تسليح ميليشياتها، لكن من الذي يضمن أن يظلّ الأمر في إطار التوازن فقط ولا يتحول إلى صراع مسلح؟

وهذا الاحتمال ليس ببعيد طالما أنه لم يقترب أحد بالعلاج للحالة الطائفية وهي المرض الأصلي المسبب لكل تلك الأعراض.

لقد أدى هذا العلاج إلى وجود عشائر شيعية مسلحة على الساحة تقابلها عشائر سنية مسلحة أيضا، في الوقت الذي لم يقترب فيه أحد من المسألة الطائفية وكيفية علاجها، وإذا كان جيش المهدي على سبيل المثال قد جمّد عمله المسلح لفترة، بأمر من قائده مقتدى الصدر، فإن هذا الجمود لن يستمر طويلا، فالفترة التي حددها الصدر قاربت على الانتهاء، وجيشُ المهدي لن يصبر طويلا على الضربات التي توجّه من حين لآخر إلى كوادره، مع امتلاكه القوة والقاعدة الجماهيرية العريضة التي تمكّنه من الردّ وبقوة، لذلك فإنّ المشهد المستقبلي يبدو مأساويا.

ونحن نجزم بأن الولايات المتحدة تدرك ذلك جيدا، لكنها ربما لجأت إلى هذا الطريق لتلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها في العراق ثم بعد ذلك ليحدث ما يحدث.

رحيل حكومة المالكي؟

ونأتي إلى الأمر الثاني -وهو متقاطع مع الأمر الأول- التحالف السياسي الجديد بين التيار الكردستاني والحزب الإسلامي العراقي. كانت البداية زيارة طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية للمنطقة الكردية، وإبان الزيارة ذهب إلى حلبجة وأمام النصب التذكاري للضحايا تحدّث حديثا مؤثرا عمّا حدث لهذه المدينة المنكوبة، وكأنه بهذا الحديث يعلن براءة العرب السنة من هذه الجريمة، بل وضعها موضع إدانة من جانبهم، لأنّ النظام السابق وحده هو الذي يتحملها. بعدها جرت عدة اجتماعات بينه وبين الزعيمين الكرديين جلال طلباني ومسعود بارزاني، أسفرت عن عقد تحالف أُعلن عنه في مؤتمر صحفي مشترك. هذا التحالف نستطيع أن نطلق عليه التحالف العراقي السني لأن كافة أطرافه -عربا وأكرادا- من السنة.

والملاحظ أن التيار الكردستاني ولأسباب عديدة هو القاطرة التي تقود العملية السياسية في العراق حاليا، أو على الأقل الأكثر تأثيرا فيها، فأي تحالف ينشأ في العراق محكوم عليه بالفشل إن لم يكن الأكراد طرفا فيه، وقد ثبت أنه في غيابهم يصعب أن تعقد جلسة واحدة للبرلمان العراقي، أو أي مؤسسة سياسية أخرى، ونعتقد أن دخول الحزب الإسلامي في هذا التحالف هو بداية يعقبها التحاق تيارات وأحزاب سنية أخرى به، مثل تيار الدليمي والمطلك، ومن بعده يدخل التحالف تيار إياد علاوي، والذي من المرجح أن يصبح رئيسا للحكومة العراقية خلفا لنوري المالكي، الذي أثبتت الأحداث عدم مقدرته على قيادة العملية السياسية في العراق، حتى ولو من الناحية الشكلية، لأنه كان على الأغلب رئيسا طائفيا لحكومة طائفية. أي أنّ المشهد العراقي في طريقه للانقلاب من جديد، فمن صعد عليه أن يهبط ومن كان هابطا ومهمّشا فإن الطريق أعدّ له كي يصعد من جديد.

ومع هذه التطورات الانقلابية التي قرأتها إيران جيدا والتي استشعرت بها تصب في اتجاه تهميش دورها في العراق هي الأخرى، حاولت البحث عن إجابة للسؤال الهام: ما العمل؟

وفي محاولة لإثبات مكانتها من خلال الإجابة عن هذا السؤال، تقدّمت بعدة مقترحات لحل الأزمة العراقية، لكنّها لم ولن تلقى اهتماما من النخبة العراقية ومن الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن المطلوب تهميش إيران وليس العكس.

كل المؤشّرات تؤكد أنّ حكومة المالكي تعيش أيامها الأخيرة، والمالكي سافر إلى خارج العراق مؤخرا، وقيل لإجراء فحوصات طبية، لكن ربما كانت هناك أسباب أخرى وراء هذا السفر المفاجئ، ربما ما يتردّد عن حكومة جديدة مقبلة.

ومما يؤكّد أن هناك حكومة جديدة قادمة بالفعل إلى العراق ما أعلنته دوائر مقرّبة من الرئيس جلال طلباني من أن هناك حكومة جديدة سيعلن عنها الرئيس في الأيام القادمة.

ويظلّ المشهد العراقي على حاله، صعود تيار على حساب تيار آخر، ومن بعد ذلك تأخذ الأدوار اتجاها معاكسا للاتجاه الأول، تسليح عشائر في مواجهة عشائر أخرى في ظل مأزق طائفي مستحكم وما يشكل ذلك من خطورة على مستقبل العراق، وكأن من بيدهم الأمر يتبنون الحكمة التي تقول (أحيني اليوم وأمتني في الغد).


  كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات