English

 

الاثنين. ديسمبر. 31, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » شؤون إسلامية

 
أهم الأخبار  

الأقطار الإسلامية بين عام مضى وعام قادم

اختراق حواجز العدوان رغم الأزمات

نبيل شبيب

Image
العالم الإسلامي

اضغط للتكبير

من الأخطاء الشائعة في التأريخ محاولة استقراء ما مضى واستشراف ما سيأتي بالتركيز فقط على أحداث تستأثر بالاهتمام وتلفت الأنظار إليها بطبيعتها، كالحروب وتبدّل أنظمة الحكم وسقوط زعماء حقيقيين أو مستبدّين، وظهور آخرين، بينما الثابت في علوم التاريخ والاجتماع أنّ جميع ذلك ظواهر تفرزها تحوّلات وتطوّرات أخرى في خضم مسيرة الحياة البشرية، وهذه تصدر عن المجتمعات نفسها، وتشمل نوعية تفاعل الأفراد والمجموعات مع المتبدّل الآنيّ من مكوّنات الأحداث والتطوّرات التي يعايشون ومعطياتها، وكذلك مع ثوابتِ معطياتٍ كونية ومكوّنات معرفية ممّا يتوافر لهم في الوسط المسخّر لهم من حولهم.

إنّ عملية التفاعل الفردية والجماعية داخل المجتمعات مع المتغيّرات الطارئة والثوابت الدائمة على السواء، هي التي تحدّد طبيعة التغيير، وتقرّر وجهته، وتفرض سرعته، وقد تصنع آنذاك الأحداث من قبيل الحروب وتبدّل أنظمة الحكم وظهور قيادات جديدة إلى أهداف جديدة.

وهذا بعض ما ينبغي أن يبقى نصب أعيننا عند إلقاء نظرة على مجرى الأحداث، في كلّ وقت، وكذلك في لحظة آنية تفصل ما بين عام وعام أو مرحلة ومرحلة.

هجمة شاملة وتفرقة قاتلة

الأحداث التي عصفت بالأقطار الإسلامية خلال عام 1428هـ، الذي تقاربت بدايته ونهايته مع عام 2007م، أحداث اتخذت بمجملها مظهرا سلبيا وإن تفاوتت درجاته وتباينت معالمه، من ذلك:

1- أحداث مأساوية مثيرة للتساؤل المرير المعبّر عن الحيرة واللهفة من قبيل "متى يأتي نصر الله؟" كما هو الحال مع بؤر المعارك المفروضة على الساحة الإسلامية ما بين أفغانستان وباكستان، وفلسطين والصومال، والشيشان والعراق..

2- أزمات شبه مزمنة وكأنها لا تريد أن تجد نهاية لها، ولكنها في مرحلة انتظار على ما يشبه كثبانا متحرّكة من الجمر أو ما بين جدران مرجل يهدّد بالانفجار في أي وقت، كما في السودان ولبنان وكوسوفا وكشمير..

3- أحداث يختلط فيها العنصر الداخلي بالمؤثّرات الخارجية في اتجاه صنع أزمة أو تأجيج صراع، كما هو الحال مع إيران وملفها النووي، وتركيا وتعاملها مع قضية الأكراد، ومصر وسوريا وعدم ظهور بصيص أمل لإصلاح العلاقة بين حاكم ومحكوم، ودول المغرب العربي مع ازدياد احتمال تفجّر أزمة الصحراء مجدّدا وازدياد خطر هجمات العنف المسلّح نوعا وكمّا.

في مثل هذه النظرة العامّة ما بين عامين على مجرى الأحداث يتوارى كثير من التفاصيل على أهميتها، وتغيب معالم مميّزة لكلّ حدث على حدة، هي التي تحدّد صورته الفعلية بوضوح، وهذا ما يفرض في الأصل متابعة كل حدث على حدة، ممّا يتجاوز حدود المعتاد (والممكن) في إطار نظرة عامّة في لحظة آنية تنقلنا بين عامين، هذا مع ضرورة عدم إغفال السيولة الزمنية في مجرى الأحداث دون توقف عند أيّ نقلة من هذا القبيل، على أنّنا نحتاج إلى هذه النظرة العامّة واستحضار إطارها الشمولي على الدوام، فهي بالغة الأهمية لسببين متوازيين متكاملين:

السبب الأوّل: العوامل الخارجية التي تساهم في صنع الأحداث أو توجيه مسارها، مثل عسكرة الهيمنة الأمريكية وتراجعها، أو مفعول صراع التنافس والنفوذ بين أقطاب الساحة الدولية، أو انتقال العمود الفقري لصناعة الأحداث من عامل المادة الاقتصادية إلى عامل العنف العسكري وبالعكس.. هذه العوامل الخارجية وأمثالها، لا تصدر عن صانعيها في مراكز صنع القرار انطلاقا من نظرة جزئية إلى كلّ قطر إسلامي أو قضية إسلامية على حدة، بل من نظرة شمولية/إستراتيجية تتحدّد في نطاقها مواقع تلك الأقطار والقضايا ومواطن التأثير عليها، فلا ينفصل تحرّكٌ على صعيد أحدها عن آخر، ولا موقف عن موقف، ولا إجراء عن إجراء، ولا جولة عن جولة.

السبب الثاني: هو افتقاد تلك النظرة الشمولية وما ينبغي أن ينبني عليها في المنطقة الإسلامية المستهدفة، مقابل غلبة النظرة القطرية جغرافيا، أو الانتمائية توجّها، أو الآنية زمنيا، فينعدم أو يتقلص التفاعل ما بين المواقف والجهود والممارسات في قضيتين متلاصقتين جغرافيا، مرتبطتين ببعضهما ارتباطا جوهريا وثيقا في الحاضر والمستقبل، كقضيتي فلسطين والعراق، أو سوريا ومصر، أو أفغانستان وباكستان، أو إيران والخليج، أو الأكراد والسودان.

المثال الأول على ذلك: نرصد التحوّل الذي شهدته أفغانستان بين ما رافق بداية العام من تحرّك القوات الأمريكية الغازية والأطلسية المساندة مع إعلان العزم على تدمير البقية الباقية من "القوى الإرهابية" متمثلة في طالبان والقاعدة، وبين ما آلت إليه التصريحات والممارسات مع نهاية العام، ومحورها الرئيسي استحالة إنهاء "الأزمة" عبر الحلّ العسكري، والاضطرار للدعوة إلى التفاوض مع "العدوّ الإرهابي"، مع التحذير من أن يوصل مجرى الأحداث هزيمة غربية "تاريخية" بعيدة التأثير.

فهل نرصد أثر ذلك على التعامل الذاتي، مع القوى الغازية والمساندة نفسها في ساحة أخرى، مثل ساحة لبنان مثلا، أو السودان مثلا آخر؟

أم هل نرصد على الأقل إعادة النظر في باكستان المجاورة في مسيرة المشاركة الذاتية في حرب إرهابية أمريكية بدلا من العضّ بالنواجذ على استمرار الارتباط بها ولو وصل الحريق إلى أعوانها وأتباعها أنفسهم؟

المثال الثاني: نرصد كيف باتت مسألة تراجع الهجمة الأمريكية الهمجية على العراق، مسألة وقت وكيفية، أي هل يتحقق قبل انقضاء عام 2008 ومعه نهاية عهد بوش الابن، أم بعده بفترة وجيزة، وهل يأخذ شكل انسحاب عسكري ومحاولة زرع قواعد عسكرية في الأرض العراقية، أم يأخذ شكل تأجيج صراعات إقليمية وقطرية لتكون "الفوضى الخلاقة الهدّامة" بعد الانسحاب فرصة زمنية إضافية لتثبيت الهيمنة بأساليب أخرى.

ولكن هل نرصد أثر ذلك على التعامل الذاتي، أي تعامل الحكومات والقوى الإقليمية ومراكز البحوث وأصحاب الأقلام الفكرية والإعلامية، مع ما يعنيه انهيار الأحلام الإمبراطورية الأمريكية أو كوابيس عسكرة الهيمنة الأمريكية، بالنسبة إلى ساحة أخرى، كساحة قضية فلسطين، بدلا من التحرّك نحو "أنابوليس"، والاهتمام به سلبا أو إيجابا، تأييدا أو رفضا، وفي الحالتين: في اتجاه يتناقض مع أبسط صور السياسة الواقعية؟

ويجدر التنويه هنا أنّ من العسير في اللحظة الآنية ما بين عامين أن نحكم على مستقبلِ تحرّك أمكن رصده مؤخرا، ويبدو إيجابيا للوهلة الأولى، ويمكن بالحرص على استقلاليته إقليميا واستمراريته زمنيا وتنميته نوعيا، أن يكون له أثر مستقبلي كبير، والمقصود هو التواصل المباشر على مستويات رسمية عالية، بعد انقطاع طويل، ما بين إيران وعدد من الدول العربية، لا سيما الخليجية ومصر.

عدوان خارجي يترنّح

إن مجرى الأحداث "الساخنة" التي تهيمن على التفكير عند التساؤل عن "مجرى التغيير" تاريخيا، لم يكن "سلبيا" في عام راحل، من حيث مفعول العوامل الخارجية الضاغطة:

شرعة الغاب بكل قذائف تدميرها الشامل، كالقنابل العملاقة التي أصمّت الآذان وغشت الأبصار في بداية الحروب الأمريكية صنعت "ضحايا" ولم تصنع "تحريرا مخادعا"، وزرعت دمارا ولم تزرع "تقدّما مزعوما"، ووجدت تمرّدا يتنامى ولم تجد "خنوعا" يتجدّد تسويقه كما كان من قبل.

والعجرفة العدوانية التي رافقت عسكرة الهيمنة لم تستطع السيطرة على توجيه عجلة صناعة التاريخ، بل تحوّلت أو نكصت على أعقابها للبحث دون جدوى عن أسلوب ما للتغطية على "صغار" التراجع في معركة غير متكافئة بين طرفين، أحدهما عملاق ناء ظهره ماليا وسياسيا وأخلاقيا بثقل أسلحته، وأقعده عجز الشيخوخة عن التمييز بين الصواب والخطأ والحق والباطل، والطرف الثاني مقاومة فتية ناشئة، قادرة على التحرّك، وتصويب مسارها بنفسها مرحلة بعد أخرى، ولم تعد تجدي أساليب البطش الإجرامية -وإن كانت من قبيل جوانتانامو وأبو غريب أو الطعنات المحلية في الظهور- في الحيلولة دون نمائها، أو في القضاء على مصادر القوة في سواعد من يمارسها ويساندها.

لكنّ مجرى الأحداث "الساخنة" سجّل بالمقابل في العام الراحل نفسه، أنّ ما صنعته مراحل ترسيخ التجزئة والتفرقة والأنانيات الشخصية والقطرية على مدى عدّة عقود ماضية، ما زال يحول لدى الطبقات الحاكمة وكثيرا من طبقات "النخب" أكثر مما يحول عند عامّة الشعوب دون الرؤية الثاقبة الشمولية الضرورية على المستوى الرسمي وما يرتبط به "فكريا" وإعلاميا، في معظم الأقطار الإسلامية إن لم نقل فيها جميعا.

بدلا من استقراء المعالم الكبرى المشتركة في مجرى الأحداث، بقي الرهان على "الفرس الأمريكي الخاسر"، واستمرّت أساليب التقهقر في كلّ موقع على حدة من مواقع الحدث، واستمرّ معه توظيف القوى الذاتية فيما يخدم النزع الأخير في هجمة الهيمنة، بمزيد من المشاركة في "حراسة أمن العدوّ" وحصار المقاومة. وليس المقصود هنا هو المقاومة المسلّحة للاحتلال والعدوان فحسب، كما في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والصومال، بل المقصود أيضا المحاولات المستميتة لوقف عجلة التغيير الحتمي الذي يأخذ مجراه عبر الإرادة الشعبية، في كل قطر على حدة وفي جميع الأقطار الإسلامية معا، ولهذا وجدنا الاستبداد يغتال القضاء أو يطعنه كما في باكستان ومصر كيلا يؤثّر على استمرار عنفوان قبضته، ووجدنا التزييف يركب موجة "تشريعات" تقنينية مشبوهة للحيلولة دون التعبير عن الإرادة الشعبية الحقيقية عبر صناديق الاقتراع كما في المغرب والأردن والجزائر وأوزبكستان، ووجدنا الغرور باحتكار أسباب القوّة أو التحصّن وراء دعم "الآخر" الأجنبي المعادي، يعمل لتدمير الأرضية الشعبية والفكرية والسياسية المشتركة مع "الآخر" في الوطن المشترك، مهما بلغ حجم الأخطار الخارجية، كما في سوريا ولبنان والصومال وحتى في فلسطين نفسها.

لا يستهان بما تصنعه العوامل العدوانية الخارجية، ولم ينقطع مفعولها في الماضي، ولن ينقطع في المستقبل المنظور، إنّما تشهد حصيلة عام راحل على أنّ هذا المفعول يهترئ تدريجيا، وبالمقابل لا ينبغي إغفال أنّ القسط الأكبر من بقاء الحصيلة سلبية كامن فيما تصنعه عوامل التفرقة والاستخذاء والأنانيات الذاتية.

وهنا يطرح السؤال نفسه: أين هي القوى المتحرّرة من مفعول معادلة الهيمنة الخارجية والتبعية الداخلية، أو مفعول معادلة الاستبداد الدولي والاستبداد المحلي؟

أين نظرتها الشمولية التي يُفترض أن تدفعها دفعا إلى التلاقي من وراء الحدود والحواجز ومن وراء إرث جولات صراع العقود الماضية، لتتحوّل إلى قوّة فاعلة في صنع الحدث؟

لن نجد جوابا مرضيا وإن وجدنا قوى متفرّقة، نرصد مواقفها الإيجابية في بيانات ومؤتمرات ونداءات، ولكن لا نرصد من ورائها تطوّرا حاسما في اتجاه نظرة شمولية وتخطيط جماعي مدروس، وتوجيه للفعاليات، وتنفيذ مشترك لها، وتقويم متجدّد للإنجازات، ليتحقق التصحيح الدائم والتطوير المتواصل باستمرار، كي نرصد -آنذاك- "إنجازا تاريخيا جماعيا كبيرا" وليس "إنجازات" محدودة عديدة ومؤقتة، هنا وهناك.

اختراق الحواجز

النظرة الجزئية في إطار عام واحد لا تسمح برؤية معالم تغيير جذري كبير في حياة الأمم من طبيعته أن يحصل ما بين جيل وجيل بما يستوعب معنى (حتى يغيّروا ما بأنفسهم).

وثقلُ المآسي الآنية وسط الدماء والدمار يحول في كثير من الأحيان دون إلقاء نظرة بعيدة المدى تستوعب معنى (ولكنكم تستعجلون) في مرحلة بلال وآل ياسر وإخوانهم والحصار في الشعب والهجرة إلى الحبشة، أو معنى (ألا إن نصر الله قريب) في لحظة من لحظات التاريخ تزلزت فيها الأقدام وبلغت القلوب الحناجر.

ولكن لا بدّ من استيعاب هذه المعاني استيعابا حيّا موضوعيا عقلانيا، لا وجدانيا فحسب -وحياة الوجدان أساس لا غنى عنه- لرؤية معالم طريق التغيير، والثبات عليها، ولتحقيق القدر الأكبر والأمثل في "عام آخر" يضيف إلى "عام سبق" ما أمكن صنعه، وإن بدا متفرّقا جغرافيا ونوعيا، ولم يظهر حجمه كمّا وتأثيرا.

ونقف وقفات سريعة موجزة غاية الإيجاز عند بعض ما كان في عام سبق، ومنه على سبيل المثال دون الحصر:
1- قبل عام واحد كانت المقاومة في وجه الاحتلال والعدوان عنصرا مؤثّرا يوصف بأنه ورقة مستعصية لا يمكن تجاوزها، وأصبحت المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان والصومال عنصرا "فاعلا" -وليس مجرّد ورقة من الأوراق- يساهم في صناعة الحدث مباشرة، وأصبح الحديث الغالب حولها مع نهاية العام أنّ ازدياد وحشية ضربات العدوّ وازدياد وحشية الحصار المحلي، بات من أسباب نماء المقاومة واستمرارها بدلا من القضاء عليها.

لم يسقط الهدف العدواني ولن يسقط، ولم تتوقف الممارسات العدوانية ولن تتوقف، ولكنّ العام المقبل -لهذا السبب وفق المعادلة المذكورة وسواه- سيشهد ازدياد مفعول المقاومة في صناعة الحدث، وربما امتداده جغرافيا أيضا، ومن الواقعية القول: إنّ هذا لا يعني "الانتصار" مع نهاية عام مقبل، ولكن يعني خطوة أخرى على هذا الطريق. 

2- في العام الراحل بلغت اللعبة الدولية مداها في اتجاه تعميم "الفوضى" جغرافيا، كما في الصومال، ومضاعفة أخطارها قطريا كما في باكستان، واستغلالها في محاولة اصطناع أوضاع بديلة عن أوضاع مهترئة كما في لبنان، وتوجيهها في عمليات قيصرية لتوليد محاور جديدة على خلفية تغذية صراع إقليمي، كما في العلاقة بين الدول العربية وإيران.

وستستمرّ هذه اللعبة الدولية ربما بجهود مضاعفة، قد لا تخلو من عمليات عسكرية أخرى في عام مقبل ضدّ بعض الأقطار، كالسودان وسوريا، ولكنّها لم تعد في صيغة "مؤامرات خفية تجري من وراء ستار" ممّا كان يسمح للركائز المحلية أن تسوّقها وأن تشارك فيها دون أن تجد مقاومة كبيرة، بل على النقيض من ذلك، أصبحت علنيتها من أسباب ازدياد الوعي شعبيا بأخطارها وغاياتها، وربما وصل ذلك إلى مستوى المسئولين كما شهد التطوّر الحديث – وهو في بدايته- في التعامل مع إيران، وربّما يترك ذلك أثره على التعامل مع سوريا والسودان ولبنان، بعد أن أصبحت أشدّ استهدافا من سواها، وأصبحت المخاطر "الجماعية" المرجّحة ظاهرة للعيان، ويبقى الأمل في أن يأخذ التطوّر مجراه في العام المقبل، في اتجاه تحوّل سياسة صراع المحاور نفسها إلى سياسة التلاقي على أرضية مشتركة، وإن كانت البوادر إلى ذلك غير واضحة للعيان بعد، ولن يظهر بوضوح قبل التغلّب على تبعية يصنعها الاستخذاء وهيمنة أجنبية تصنعها مخاوف تضاعفها التفرّقة والتجزئة.

3- إذا تركنا ساحة الأحداث الساخنة كأمثلة، وألقينا نظرة على عوامل التغيير الشعبية والاجتماعية والفكرية، وإن كان مفعولها المباشر لا يظهر بوضوح ما بين عام وآخر، بل ما بين جيل وجيل، يمكن القول إنّ الأرضية التي تعطي العوامل الأعمق والأثبت في صناعة الأحداث، في عام قادم، أصبحت أشدّ صلابة وأوسع انتشارا ممّا كانت عليه في عام راحل، وهذا ما يتطلّب اهتماما أكبر ونظرة أدقّ.

مرتكزات التغيير المرجو

1- على مستوى الفكر والتصوّرات والتيارات المتعدّدة ظهر في العام الراحل ما يمكن وصفه دون تردّد بمحاولات النزع الأخير لإحياء ما اندثر من تعصّب وتعنّت، في اتجاهات فقدت القدرة على التواصل مع الشعوب، لا سيما ما يوصف بالليبرالية العربية الجديدة المندمجة ببقايا شيوعية ماركسية قديمة، ولكن الجديد في العام الراحل، أنّ هذه المحاولات أصبحت تجد الرفض من داخل صفوف التيارات التي تزعم تمثيلها، أو التحدّث باسمها، فلم يعد منتظرا في عام مقبل أن تتنامى هذه المحاولات المعزولة وتتكرّر، بل قد تسبّب ردود فعل مرجوّة في الاتجاه الصحيح، أن يتلاقى العقلاء (أو الواقعيون العقلانيون حقا) من التيارات المتعدّدة على ما يقرّب بينهم، ويوجد قواعد ثابتة للتعامل في مرحلة تاريخية حاسمة، تتميّز بضرورة الإعداد لبناء مستقبلي مشترك جنبا إلى جنب مع التعاون على دفع أخطار خارجية تواجه الجميع دون استثناء.

2- على مستوى التيار الإسلامي تخصيصا، واجهت الجماعات والأحزاب الإسلامية بغض النظر عن تقويم كل منها على حدة، نكسات في جولات انتخابية عديدة، ما بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه، ولكن بات ظاهرا للعيان أنّ هذه النكسات صنعت صنعا، فإلى جانب أخطاء ذاتية تحتاج إلى مراجعة وتصحيح، كانت القوى الإسلامية مستهدفة بأساليب ملتوية عديدة، أدناها تحويل القانون الانتخابي إلى أداة مفصّلة على هوى السلطات ومقاس بقائها بأي ثمن، وأبعدها حملات الاعتقال والتضييق والمحاكمات التعسفية.

قد لا تنقطع هذه الممارسات في عام قادم، ولكن الثابت أنّ الاضطرار للجوء إلى تلك الأساليب قطريا وتأييدها علنا أو ضمنا من جانب القوى الدولية، يؤكّد أنّ شعبية التيار الإسلامي بلغت ما لم يبلغ مثله تيار آخر في الأقطار الإسلامية جميعا، حتى في أوج ما كان يسمّى العصر الذهبي للتيارات الأخرى.

لقد أصبحت معادلة التغيير الحتمي هي الاستبداد المدعوم خارجيا مقابل التيار الإسلامي المدعوم شعبيا. ولا يمكن أن تسفر هذه المعادلة في "الأعوام القادمة" إلاّ عن تغيير جذري، يرجى أن يبقى انسيابيا سلميا، مهما عملت القوى الدولية والاستبدادية المحلية أن ينطوي على مواجهات وصدامات تعرقله.

والأمل كبير في أن يشهد العام القادم خطوة أو خطوات أخرى في الاتجاه الصحيح، وهذا ما يعتمد اعتمادا كبيرا على أن يكتسب التيار الإسلامي المزيد من القدرة على الاستمساك بالثوابت، من حيث التصوّرات والوسائل، وعلى الرؤية الشمولية، وعلى طرح المبادرات الإيجابية، في وقت واحد.

3- على مستوى الصحوة الشعبية التي كان وما يزال العنصر الإسلامي الوسطي هو المحرّك الأكبر لها، كان العام الراحل مكملا لما سبقه، وكان من عناوينه الحجاب، والمساجد، والشبكة العالمية، والإعلام، والفنون، وقد يكون من الضروري إلى حدّ بعيد في العام الجديد أن يضاف إلى ذلك عدد من عناصر التغيير الإيجابي الضرورية، ممّا لا يقتصر على المطلوب في عام دون آخر، وفي مقدّمتها:

- رفع مستوى التوعية بمختلف الوسائل، وعلى مختلف الأصعدة، في مواجهة المفعول الخطير لمشاريع الانحراف بالمناهج التربوية والتعليمية بدلا من إصلاحها.

- التصدي المباشر لتقويض موقع اللغة العربية في عملية بناء المستقبل، علميا وتقنيا وإبداعا وجدانيا على مختلف المستويات، من خلال حملات عملية تتجاوز الحواجز الجغرافية والاعتبارات التنظيمية والشكليات الرسمية، ولا تقتصر على فئة من الأعمار أو فئة اجتماعية دون أخرى.

- إعطاء البحوث الشمولية/الإستراتيجية والدراسات الاستشرافية المستقبلية والمشاريع العلمية المنهجية مكانة متقدّمة من الاهتمام، لتعزيز الرؤية الشاملة المشتركة، والكشف عن عناصر الضعف والنقص وبيان عوامل القوة الذاتية وكيفية توظيفها في معركة تحرير الإرادة والإنسان والأوطان وبناء مستقبل التقدم الحضاري على أسس العدالة والحق وسائر القيم الإنسانية المشتركة بين مختلف التيارات، وفي مقدّمتها ما صنعه الوحي الرباني ليس في حياة المسلمين فقط، وإنّما في مسيرة الأسرة البشرية جمعاء.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات