English

 

الجمعة. ديسمبر. 28, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » أفغانستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

فلول طالبان وجحافل الأطلسي

بقلم - نبيل شبيب

Image
من لقاءات القمة الأطلسية
خلال أيام معدودة استقبلت كابول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي، ورئيس الوزراء الأسترالي كيفين رود، وبعد أيام طرد الرئيس الأفغاني حامد كرزاي دبلوماسيين غربيين على مستوى رفيع، يمثلان الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والتقى الرئيس الباكستاني برويز مشرف ليستعرضا معا ثبات تلاقيهما على ما يسميانه الحرب على الإرهاب وفق "الرؤيا" الضبابية الأمريكية، ورافق هذا النشاط السياسي عدد من التصريحات والبيانات، منها تأكيد قادة القوات العسكرية الأجنبية في أفغانستان أنهم يتوقعون في عام 2008 انفراجا في الوضع العسكري المتأزم بعد أن كان عام 2007 أكثر "دموية" من سواه، بالمنظور الغربي للكلمة، فقد سقط خلاله وفق البيانات الرسمية زهاء 330 قتيلا من الجنود الأجانب، وليس مجهولا أنه العام الأكثر دموية بالمنظور الأفغاني، فقد سقط فيه أكثر من ستة آلاف ضحية من المدنيين، وشهدت أفغانستان ما يزيد على ذلك في السنوات الست الماضية على بداية الغزو الأمريكي، وقد سقط خلالها ألوف مؤلفة من الضحايا الأفغان، وشُرد مئات الألوف.

حرب يائسة لكسب الوقت

صحيح أن الزعماء السياسيين الغربيين حريصون عند حلول أعياد الميلاد ورأس السنة أن يترددوا على جنودهم في ساحات الحروب التي يخوضونها، فيما يشبه المواساة لِما يعانون من جراء قراراتهم السياسية التي تقف وراء خوض تلك الحروب، ولكن من المؤكد أن موجة الزيارات الغربية والتصريحات السياسية التي شهدتها كانت أقرب إلى طمأنة النفس وربما مخادعتها منها إلى مواساة الجنود والتخفيف عنهم.

ففي مثل هذه الأيام عند حلول عام 2007 لم ينقطع الحديث في الأوساط السياسية والقيادات العسكرية للدول الأطلسية عن العزم على القيام بحملة عسكرية كبرى، مع حلول ربيع 2007، لاستئصال من لا يزالون منذ ست سنوات يصفونهم بفلول طالبان والقاعدة في أفغانستان، بينما ظهر منذ عام 2006 أن هذه "الفلول" استعادت الكثير من قوتها، وطورت عملياتها، وباتت قادرة على بسط سيطرتها عسكريا، ليس على الأراضي الشاسعة والجبال الوعرة والطرق البرية في مجموع الأراضي الأفغانية فحسب، بل على بعض المدن والقرى الكبيرة أيضا، وهي التي تتركز فيها القوات الأمريكية والأطلسية فيما يشبه "الحصون والبروج المشيدة"، علاوة على اعتماد طالبان سياسة الهجوم والسيطرة فالانسحاب بعد الاشتباك، مما يعني إنهاك القوات المعادية المتفوقة عتادا، وجرها من ساحة إلى أخرى من ساحات المواجهة، كما أصبحت العاصمة كابول نفسها مسرح عمليات عسكرية متتالية، بعد أن اعتُبرت في الغرب هي على الأقل "تحت السيطرة" عسكريا وسياسيا، بينما يوجد من الغربيين من لا يستبعد أن تطرق "فلول" طالبان أبواب العاصمة خلال عام 2008.

لا غرابة إذن أن يقول وزير الدفاع الأسترالي جويل فيتزجيبون "نحن نكسب المعارك لا الحرب، وليس لتطهير بعض المناطق من طالبان أثر إستراتيجي". وكلامه ينصرف على قوات متحالفة من 38 دولة، أو أن يدعو رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون علنا إلى التفاوض مع طالبان، وهو ما صنعته المخابرات البريطانية بالفعل جنوب أفغانستان، أو أن تتحدث نيويورك تايمز عن سيطرة طالبان على عدد من المحافظات، أو أن يقول تقرير مركز "سينليس كاونسل" للبحوث إن أكثر من خمسين في المائة من الأراضي الأفغانية تحت سيطرة طالبان.

وفي جميع اللقاءات على المستوى الجماعي والثنائي لدول حلف شمال الأطلسي لم تنقطع المطالبة الأمريكية بأن ترسل الدول الأوروبية مزيدا من القوات والعتاد إلى أفغانستان، وأن يوسع الموجود منها هناك دائرة نشاطاته العسكرية، ولا يكتفي بعضها بقاعدة عدم إطلاق النار إلا دفاعا عن النفس، أو تجنب مخاطر التحرك في جنوب البلاد وشرقها على وجه التخصيص، حيث فقدت القوات الأمريكية والأطلسية سيطرتها واقعيا، وإن لم تفقد قدرتها الضاربة، ولم تتورع عن استخدامها مع المخاطرة بوقوع المزيد من المدنيين ضحية لها، حتى ثارت ثائرة منظمات حقوق الإنسان الغربية، بل صدرت الاحتجاجات عن كرزاي نفسه، وهو الذي يدين بوجوده في منصب الرئاسة واستمرار سيطرته على المنصب لأسلحة التدمير الوحشية الأمريكية والأطلسية.

وعندما تصل احتجاجات كرزاي الآن إلى مستوى طرد دبلوماسيين غربيين وتعليل ذلك باتصالاتهم "المحظورة" بطالبان، جنبا إلى جنب مع ما سبق أن تردد على لسانه هو من عروض للتواصل مع طالبان وسواها والتفاوض على مخرج من الأزمة، فإن في هذا الحدث على الأقل ما يكشف عن أن حلف شمال الأطلسي يدرك حجم الورطة العسكرية التي أوقعته فيها المغامرة الأمريكية تحت عنوان الحرب ضد الإرهاب، ويدرك عسكريا على الأقل استحالة الخروج منها بنصر عسكري، بل دون محاولة التفاوض مع "العدو"، أي مع من يسميهم "فلول طالبان".

هزيمة لها ما بعدها

عندما هزمت منظمات المجاهدين قبل أكثر من عشرين عاما قوات الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، لم تصل بقوتها إلى العاصمة موسكو، ولم تقض على القوة الضاربة للجيش السوفييتي، ولم تدفع بقادته إلى اتخاذ قرار بانسحاب كيفي، كما يحدث في حروب نظامية بين الجيوش والدول، إنما كانت معالم الهزيمة واضحة للعيان، في الاضطرار إلى الانسحاب تدريجيا، والتخلي عن الأتباع في الحكومة التي نصبتها قوات الاحتلال في كابول آنذاك، بل كانت الهزيمة العسكرية على أرض أفغانستان بداية النهاية للإمبراطورية السوفييتية نفسها.

ونقلت وكالة رويترز في 20/12/2007 عن الخبير الغربي في الشئون الأفغانية، كيس ريتفيلد، قوله: "الوضع الآن مثل ما كان عليه عامي 1984 و1985، فقدنا الريف، والأفغان لا يعملون معنا لأن ذلك يشكل خطورة كبيرة عليهم، وخلال عامين ستبدأ الدول المتحالفة في الانسحاب وستكون النهاية"، ويقول آخرون إنها أصبحت حربا لكسب الوقت، فمن المستحيل حسمها عسكريا.

إن ما شهده عام 2007 وما يمكن أن يشهده العام التالي على الأرجح، يمثل هزيمة عسكرية للإمبراطورية الأمريكية التي حاول بوش الابن إقامتها عبر عسكرة مسيرة الهيمنة عالميا، وهزيمة عسكرية أيضا للحلف الغربي الذي تحول بتغيير مهامه الرسمية عام 1999 من حلف دفاعي في حقبة الحرب الباردة، إلى أداة قمع وردع على المستوى الدولي، مستبيحا لنفسه التحرك العسكري لقواته خارج نطاق المجال الجغرافي لدوله الأعضاء.

وليس من السهل على دولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية ولا على حلف من مستوى حلف شمال الأطلسي الإقرار بهزيمة عسكرية، فما ينبني عليها عالميا أوسع نطاقا من مجرد التخلي عن هدف السيطرة العسكرية على بلد يعتبر من أفقر بلدان العالم وأضعفها وأشدها تعرضا للحملات العدوانية على امتداد أربعة عقود مضت، ويكفي هذا لاعتبارها "هزيمة نكراء مدمرة"، فمن معالمها:

1- العجز عن الوصول بحملة عسكرية إلى أغراضها في مواجهة عدو لا مجال للمقارنة إطلاقا بين قوة الغزو المعادية وقوته الذاتية الدفاعية، يعني العجز عن أداء أي مهمة عسكرية مشابهة خارج نطاق المجال الجغرافي للحلف مستقبلا، وبالتالي سقوط أهم أهداف تحويله إلى أداة ضاربة عالميا لنشر الهيمنة الأمريكية أو الغربية، كما صيغت عند الاحتفال ببلوغه الخمسين من عمره، في مؤتمر واشنطن عام 1999 في أواخر عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون.

2- العجز الأمريكي عن توظيف الحلف لاستكمال مهمة عسكرية عجزت القوات الأمريكية عن القيام بها، ورفض الدول الأعضاء الأوروبية في الحلف الاستجابة للمطالب والضغوط الأمريكية المتوالية لهذا الغرض، يعني أن التصدع في حلف شمال الأطلسي، الذي ظهر مع نهاية الحرب الباردة، وتفكيك حلف وارسو، وفقدان المغزى من وجوده درعا واقعيا من انتشار الشيوعية في الغرب آنذاك، يمكن أن يبلغ مداه عاجلا أو آجلا، فيتحول التصدع إلى انشقاق، نتيجة تناقض مباشر في الرؤى والمصالح، فلم تعد واشنطن تتحرك عسكريا لحماية مصالح غربية مشتركة، بل تسعى لجر الدول الحليفة لتحقيق مصالح ومطامع أمريكية محضة.

3- التعبير المتداول عن سقوط الهيبة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية والحلف الذي تعتمد عليه وكانت تسيطر على صناعة القرار فيه طويلا، لم يعد تعبيرا "إنشائيا" أو صياغة منمقة لأمل مرجو، بل أصبح يمثل جوهر تبدل جذري قادم في العلاقات الدولية التي بقيت تعاني من خلل كبير، ما بين شمال وجنوب، فقد كانت القوة العسكرية أو التلويح بها من وراء معظم ما مارسته القوى الغربية لفرض إرادتها السياسية، والأمنية، والمالية، والتجارية، على دول ما يسمى العالم الثالث. ولئن لم نشهد حتى الآن زوال مفعول القوة والتهديد بها دفعة واحدة، فلا ريب أن حصيلة الهزيمة في أفغانستان، والعراق، وفي مواقع أخرى، سيؤدي تدريجيا إلى تلاشي هذا المفعول واضمحلاله عاما بعد عام.

التحرر المطلوب بعد التحرير

بالعودة إلى الهزيمة السوفييتية في أفغانستان، نستخلص أيضا ما لا ينبغي إغفاله عما يمكن أن يئول إليه الوضع في أفغانستان، وفي المنطقة الإسلامية عموما، بعد أن تبلغ الهزيمة الغربية مداها.

1- موقف استعراض درجة من الاستقلالية في اتخاذ القرار من جانب كرزاي، لا يواري أنه حصل على الأرجح على ما يسمى الضوء الأخضر من جانب واشنطن، ليجعل من عملية طرد الدبلوماسيين عملية مسرحية استعراضية، وليظهر من خلالها وكأنه لا يمثل "الرئيس التابع لقوة دولية"، إضافة إلى قابلية توظيف الحدث ليكون من قبيل الضغط على الدول الأوروبية للاستجابة للمطالب الأمريكية، بعد أن أصبح أثر الهزيمة المرجحة شاملا لها ولا يقتصر على الدولة الغازية التي بدأت المغامرة العسكرية في جبال أفغانستان. ولكن هذا الموقف لا يختلف كثيرا عن موقف آخر الرؤساء الذين نصبتهم القوة السوفييتية الغازية، نجيب الله، وهو يحسب أنها قادرة على حماية وجوده وإن انسحبت عسكريا، فكانت نهايته التسليم لقوات المجاهدين آنذاك، ولا يبدو أن نهاية كرزاي ستختلف كثيرا عن ذلك ما لم يستبق التسليم بالعودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستئناف عمله القديم في مخابراتها إذا كانت على استعداد لاحتضانه من جديد.

2- خلو الساحة الأفغانية عاجلا أو آجلا من القوات الغازية لا يعني بالضرورة الاستفادة من الدرس التاريخي للغزو السوفييتي، بل سيخلف الانسحاب الغربي من ورائه "فوضى هدامة" أشد خطرا على البلاد وزعمائها على اختلاف توجهاتهم وتعدد تنظيماتهم، مما كان آنذاك، فلا يجد الاستقرار إلى البلاد طريقا، ما لم تتجاوز تلك الزعامات والتنظيمات نفسها، وتجعل المصلحة العليا المشتركة فوق كل اعتبار ذاتي وتصور ذاتي، وتحتكم إلى إرادة الشعب الأفغاني، الذي أثبت رغم تعدد انتماءاته، استحالة إخضاعه لعدو أجنبي، ومن المؤكد استحالة إخضاعه لحكم استبدادي بأي صورة أو صيغة، بما في ذلك صيغة التوجه الإسلامي، ما لم يكن توجها وسطيا جامعا للانتماءات المتعددة، مانعا من الصراع والنزاع على السلطة، وهذا مما ينبغي أن تضعه نصب أعينها "الجبهة الوطنية" المتشكلة حديثا مقابل حكومة كرزاي التي استشرى الفساد فيها علنا.

3- ما يجري في الساحة الأفغانية الآن سيترك آثاره البعيدة المدى على المنطقة الإسلامية إجمالا، وليس على باكستان المجاورة وحدها، فلا ينبغي أن تتأخر الدول الإسلامية عن التلاقي "الآن" على تصور مشترك للتعامل بينها، ولمستقبل أفغانستان، بموازين ومعايير جديدة، بعيدة عما صنعته وتصنعه الحروب بالوكالة، أو الحروب المحلية، أو الأنانيات التسلطية، أو التبعيات الأجنبية، فلمثل هذا التأخر المرصود حتى الآن عواقب بعيدة مدى، وبما يمكن أن يحول الهزيمة الأمريكية والأطلسية إلى نصر أمريكي وأطلسي، إذا ما أصبح نشر الفوضى الهدامة مدخلا لحقبة جديدة من السيطرة الأجنبية دون غزو عسكري، وإلى إضعاف المنطقة الإسلامية بمجموعها والحيلولة دون أن تأخذ مكانها في الأسرة الدولية وعلى مسرح صناعة الحدث داخل حدودها وعالميا، فيصنع الحدث سواها من القوى المعادية المهيمنة. 

أفغانستان يمكن أن تدخل كتب التاريخ على أنها البلد الأضعف عسكريا وسياسيا واقتصاديا، الذي شهدت أرضه بداية النهاية لأكبر حلفين عسكريين سيطرا عالميا في حقبة الحرب الباردة، ولا ينبغي أن تدخل كتب التاريخ على أنها البلد الذي صنع انتصارات تعطي فرصة تاريخية لتحول جذري في المنطقة الإسلامية، ثم تضيعها الدول الإسلامية نفسها، على غرار ما كان في فترة التعامل العدائي مع المجاهدين في أفغانستان، بذريعة انقساماتهم، بدلا من التأثير الإيجابي عليهم ووضع حد لها، وبدلا من تحويل الفوضى الهدامة التي خلفها السوفييت آنذاك، إلى منطلق جديد يقوم على أسس وطيدة جديدة، تنهي سياسات التبعية والهيمنة، والتجزئة والتفرقة، وتجمع القوى والإمكانات الذاتية على أرضية مشتركة لبناء مستقبل مشترك.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات