|
| برويز مشرف وبنظير بوتو |
كل اغتيال سياسي عمل إجرامي جدير بالإدانة والشجب بمختلف المعايير، وكل تأويل وتعليل لتسويغه مرفوض بمختلف المقاييس، وكل جريمة من هذا القبيل يجب قبل توزيع الاتهامات انتظار التحقيق فيها، شريطة أن يكون نزيها وعادلا ومضمونا، وإيقاع العقوبة بمرتكبيها، شريطة أن تصدر عن قضاء عادل ونزيه ومستقل، ولا تحتاج باكستان بالذات إلى مزيد من الأعمال المؤدية إلى نشر المزيد من الفوضى السياسية والأمنية، ومزيد من أسباب النزاع بين الفئات الشعبية المتعددة، بغض النظر عن انتماءات أحزابها وزعمائها وتوجهاتهم وممارساتهم.
فمن يقدم على عملية من قبيل اغتيال بنظير بوتو، إنما يخدم بذلك - من حيث يدري أو لا يدري - أغراض من يريدون أن تبقى باكستان غارقة في فوضى النزاعات الداخلية، وعرضة للمزيد من الأخطار الداخلية والخارجية.
جريمة الاغتيال وجريمة الاستبداد
السؤال: من اغتال بنظير بوتو؟ لا يمكن أن يجد إجابة فورية، بل قد لا يجد إجابة على الإطلاق في ظل الأوضاع المسيطرة على البلاد، ولئن صدر عن أي جهة من الجهات تبني المسئولية عن عملية الاغتيال، فلن يكون ذلك أكثر من الإعلان عمن خطط للعملية ونفذها، وقد يكون إعلانا صحيحا أو ناقصا أو كاذبا، أما السؤال الأصح الذي يجب طرحه في باكستان فهو: ما الذي اغتال بنظير بوتو؟
إن التحقيق المهني الضروري من أجل الكشف عن جريمة اغتيال سياسي، وملاحقة مرتكبيها، ومحاكمتهم، وإدانتهم، وتنفيذ الحكم فيهم، يتطلب في أي بلد من البلدان:
1- استقرارا سياسيا على أسس قويمة تضمن التعبير عن استقلال الشعب وسيادته داخل أرضه، وتضمن فصل السلطات وبقاء الجيش في حدود أداء مهمة الدفاع عن الشعب ووطنه، وليس هذا الاستقرار السياسي متوافرا في باكستان.
2- واستقرارا أمنيا يجعل الجريمة حالة استثنائية، لا واحدة من جرائم متواصلة تُرتكب ويقع ضحاياها بالعشرات يوميا، وهم من شعب باكستان، سيان هل هم ممن يتعرضون للملاحقة اضطهادا، أو ممن يمارسون الاضطهاد تنفيذا لأوامر السلطات، وليس هذا الاستقرار الأمني متوافرا في باكستان.
3- وجهازا قضائيا نزيها عادلا مستقلا آمنا على نفسه معتمدا على سيادة القانون وفصل السلطات وثقة الشعب به، وقد اغتيل القضاء في باكستان قبل اغتيال بنظير بوتو.
4- كما يتطلب وجود حكم يمثل الإرادة الشعبية حقا لا ادعاء، ويضع مصلحة البلاد العليا فوق سائر الاعتبارات الأخرى، ويعتبر نفسه خادما لأهداف الشعب لا متسلطا عليه، وهذا ما حُرمت باكستان منه من قبل أن تدخل بنظير بوتو المعترك السياسي وتصل إلى منصب رئاسة الوزراء فيما مضى، ومن قبل أن تعود إلى البلاد من منفاها الذي لجأت إليه بعد اتهامها بالفساد من جانب الحكم العسكري الاستبدادي القائم.
كيف يطمئن أهل باكستان إلى نتائج تحقيق قد تقوم به السلطات الحاكمة الآن، وهي نفسها في قفص الاتهام، وسبب من أسباب الفوضى العارمة المنتشرة في البلاد، حتى أن الحاكم بأمره فيها، الذي بدل المحكمة الدستورية العليا كلها من أجل بقائه في السلطة، تعرض هو نفسه لأكثر من محاولة اغتيال، وتعرض حتى للاتهام من جانب بنظير بوتو قبل فترة وجيزة، بأنه كان - من خلال "تسهيلات أمنية أو تقصير" - وراء تعرضها لمحاولة اغتيال سابقة؟
كيف يطمئن أهل باكستان، لا سيما الحزب الذي كانت تتزعمه بنظير بوتو، إلى حكم قضائي قد يصدر عن جهة قضائية ما، بعد أن سلب الحكم الاستبدادي من القضاة صفة الاستقلالية والسيادة، وجعلهم إما تحت الإقامة الجبرية إذا عارضوه، أو في منصب القضاء إذا وافقوه، وحتى مَن لم تشمله إجراءات العزل والتعيين، أصبح معرضا أن يضع في حسابه أسلوب العزل والتعيين "تخويفا"، بعد أن رأى ما حل بسواه، فيبقى حكمه مشكوكا فيه، وإن كان نزيها عادلا.
إذا وجدت مجموعة أو أكثر وراء عملية الاغتيال تخطيطا وتنفيذا، وكانت مؤيدة أو معارضة للحكم الاستبدادي القائم في باكستان، وأعلنت مسئوليتها عن الاغتيال، فجميع ذلك لا يلغي أن الحكم الاستبدادي يحمل جزءا كبيرا من المسئولية، بسبب الأوضاع التي أوجدها الاستبداد، والفوضى السياسية والأمنية التي نشرها في البلاد، وبسبب اغتيال القضاء واغتيال ثقة الشعب بدولته، من قبل اغتيال بنظير بوتو.
الاغتيال.. الفوضى الهدامة
جميع ذلك لن يغير شيئا من انفجار أتون الغضب الذي أثارته عملية الاغتيال، في حزب الشعب الباكستاني الذي أعطى زمامه لبنظير بوتو، وفي الأوساط المؤيدة لها ولحزبها داخل باكستان، بغض النظر عن حجم هذا التأييد بالمقارنة مع سواها. وقد أصبحت باكستان كلها من خلال سياسات الاستبداد الداخلي والهيمنة الأمريكية مرجلا يغلي، وينتظر الشرارة للانفجار، ولا يُستبعد - ولم تمض على الاغتيال سوى ساعات عند كتابة هذه السطور - أن يمتد الانفجار وينتشر الحريق في العديد من المدن الباكستانية، وأن يؤدي إلى سقوط عدد من الضحايا يستحيل التنبؤ به، وإلى تعاقب الأحداث ما بين انتقام وانتقام مضاد، فلا يتمكن أحد من أن يوقف عجلتها.
ولعل هذه الصورة التي بدأت ملامحها تبدو للعيان فور انتشار خبر جريمة الاغتيال، هي أوضح الصور تعبيرا عما تعنيه كلمة "الفوضى الخلاقة" التي طرحتها السياسة الأمريكية الرسمية، وكأنها هدف ينبغي العمل من أجله، ومارست على أرض الواقع ما يكفي لتحقيقه، في باكستان وسواها، وإن سبق تطورها في باكستان بلدانا أخرى، لتظهر على حقيقتها فوضى هدامة قاتلة، وخصوصيةُ باكستان هنا صادرة عن أن الوجود الأمريكي المهيمن فيها أشد رسوخا وأكثر وضوحا وأبعد تأثيرا ونفوذا، لا سيما من خلال الحكم الاستبدادي العسكري القائم الذي يجسد برويز مشرف أحد بيادقه.
لا يكاد يوجد خلاف حول ربط عودة بنظير بوتو إلى باكستان بمحاولة أمريكية للتعويض من خلال تحالفها مع مشرف عن اهتراء دوره السياسي، بعد كل ما قدمه من خدمات للدولة الاستعمارية الكبرى في عالمنا المعاصر، تحت عنوان الحرب ضد الإرهاب، وإرهاب من لا يلتحق بها ويجعل نفسه جنديا ينفذ الأوامر الأمريكية في خوضها.
ولا يوجد خلاف حول التدخل الأمريكي المباشر في دفع مجرى الأحداث في باكستان ليبقى هذا التحالف قائما بعد أن كاد ينفرط عقده - أثناء فرض حالة الطوارئ - من خلال الخلاف على "تقاسم السلطة" بين الخصمين السياسيين سابقا، خشية سقوطهما معا لو أجريت انتخابات حقيقية في ظروف أخرى غير ظروف الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية.
ولئن كانت بنظير بوتو أحد المرتكزات التي اعتمدتها واشنطن وعواصم غربية أخرى، كيلا يتبدل الوضع في باكستان في اتجاه قد ينهي دور الحكم بباكستان في خدمة ما يسمى الحرب ضد الإرهاب، من خلال إنهاء وجود الاستبداد نفسه وتحقيق قدر ما من التعبير عن الإرادة الشعبية وحكم الغالبية، فإن الأسلوب الذي اتبعته السياسة الأمريكية لتحقيق مآربها، يجعل واشنطن أيضا تحمل قسطا كبيرا من المسئولية عن عملية الاغتيال، من خلال الظروف التي ساهمت في إيجادها، والعداوات التي أشعلت أوارها، حتى باتت التصريحات الصادرة عن بنظير بوتو في الأيام الأخيرة قبل اغتيالها أقرب إلى استعداء كل من يرفض السياسات الأمريكية العدوانية ويدينها، وكل من اختار طريق العنف لمواجهتها ومقاومتها، وليس مجهولا أن انتقادات بوتو لمشرف - كما لو كانت معركة الانتخابات معركة حقيقية وليست وهمية مزيفة - لم تعد تركز على استبداده ومطالبته بالتراجع عن الإجراءات الاستبدادية التي اتخذها، مثل إعادة تشكيل المحكمة الدستورية على هواه وما رافق ذلك من إقالة عشرات القضاة من مناصبهم في أنحاء البلاد، ووضع كبارهم تحت الإقامة الجبرية وحصار حراب السلطة لهم، قدر ما انصبت تلك الانتقادات على ما كانت بوتو تعتبره "تهاونا" من جانب الجنرال.. الرئيس.. الحاكم بأمره، في مواجهة ما يعتبره - أي ما تعتبره واشنطن- إرهابا يجب إعطاء الحرب ضده الأولوية على كل اعتبار آخر، بما في ذلك إراقة الدم الباكستاني بأسلحة باكستانية، على حساب تحكيم إرادة الشعب في السلطة وضمان حرياته وحقوقه. فكأنما كانت بوتو قبل اغتيالها تقول إنها ستقوم بأكثر مما قام به مشرف عند اقتحام "المسجد الأحمر" مثلا، وهو الحدث الذي اندلعت مع شرارته الموجة الأخيرة من موجات المواجهة بين العنف والعنف المضاد في باكستان.
إن دفع واشنطن بنظير بوتو إلى الدخول في معمعة المعركة الدائرة في باكستان، في فترة شهدت أشد درجات العنف الاستبدادي والعنف المضاد، ودفعها إلى المزايدة على مشرف نفسه في تبني السياسات الأمريكية، كان دفعا بها إلى "الخطوط الأمامية" في حرب واشنطن في المنطقة، وليس في "قضية باكستان" الداخلية، وهو ما جعلها هدفا لكل من يريد أن يستهدف سياسات واشنطن في تلك الحرب، وليست هدفا في التعامل مع خصم سياسي، سيان حجم الخصومة معه، وهذا ما يضاعف من مسئولية واشنطن عن إيجاد الأسباب والظروف التي جعلت تنفيذ عملية الاغتيال الإجرامية مسألة زمن فحسب.
"اغتيال" الهيمنة الأمريكية
لم تعد المشكلة مشكلة إجراء انتخابات مهما كان حجم التزييف قبل إجرائها، بل مشكلة خطر اندلاع حرب أهلية، كنتيجة أخطر من سواها من نتائج الفوضى الهدامة المزروعة زرعا في باكستان.
وخطر الحرب الأهلية أول ما ينبغي أن يضعه المسئولون في باكستان نصب أعينهم، سواء كانوا في نظام الحكم المرتبط بسياسات واشنطن ارتباطا انتحاريا، أو في أحزاب المعارضة على اختلاف أطيافها وتوجهاتها، بما في ذلك حزب الشعب الذي تزعمته بنظير بوتو قبل اغتيالها.
وكما أن الفوضى الهدامة في نظر واشنطن فرصة لتحقيق مآربها عبر استبدال وجوه بوجوه، وتابعين بتابعين، فلا يردعها عن نشرها من يسقط ضحية لها، عدوا كان أو تابعا، فإن الحرب الأهلية أيضا، وهي أقصى ما توصل إليه الفوضى الهدامة، لن تكون في نظر واشنطن إلا فرصة لمتابعة العمل على تحقيق مآربها.
ألا ينبغي أن يردع ذلك أتباع واشنطن في باكستان عن المضي في طريق أوصلت إلى حافة اندلاع حرب أهلية؟!
ألا ينبغي أن يردع ذلك كل من يرفض سياسات واشنطن وممارساتها في باكستان وسواها من البلدان الإسلامية عن ممارسات تحقق غاية واشنطن أكثر مما تحقق غاياتهم هم؟!
إن كل عنف يصدر عن حزب الشعب انتقاما لزعيمته يزيد من خطر الحرب الأهلية على الجميع، حتى أنصارها.
وإن كل عنف مضاد يصدر عن أي جهة أخرى بصورة مباشرة أو ردا على عنف تتعرض له، يساهم في مضاعفة خطر حرب أهلية لا يستفيد منها سوى عدو لا يهمه أي طرف من أطرافها سوى بالقدر الذي يحقق مآرب استمرار الهيمنة الأمريكية وترسيخها.
هذا بعض ما يستدعي من مختلف القوى السياسية وغير السياسية في باكستان أن تستعيد في اللحظة الراهنة قدرتها على التلاقي على أرضية مشتركة، وإن بقيت الخصومات والاختلافات السياسية، فالمصلحة العليا المشتركة مقدمة على كل اختلاف.
وهذا بعض ما يستدعي أن يصدر عن الجميع موقف مشترك واحد، يحدد المطالب المشروعة للشعب الباكستاني، وليس لحزب من الأحزاب، أو زعيم من الزعماء، لتكون منطلقا مشتركا في مواجهة ما تتعرض له باكستان من مؤامرات علنية خارجية ومن ممارسات داخلية خطيرة.
برويز مشرف أول من يحمل المسئولية عن اتخاذ خطوة حاسمة في اتجاه إعادة الحياة السياسية في باكستان إلى وضعها الطبيعي، فصلا للسلطات دون مناورات استبدادية، وتثبيتا لاستقلالية القضاء وسيادته دون إجراءات تعسفية، ودعوة للقوى السياسية جميعا دون تمييز أن تأخذ بنفسها زمام قيادة البلاد في حكومة وحدة وطنية مؤقتة، لاستعادة الشروط الأولية الضرورية لدستور لا تمزقه نزوات إعلان حالة الطوارئ، وانتخابات لا تفصل على مقاس الاستئثار بالسلطة، وإقامة نظام حكم لا يكون فيه لقوة زعامات الجيش العسكرية حق التسلط بدلا من الدفاع عن البلاد وأهلها ومصالحها العليا وأهدافها المشروعة.
ولن يكون للهيمنة الأمريكية آنذاك القدرة على فرض إرادة واشنطن وإن بقيت مرتكزاتها تسعى لذلك، فشرط تنفيذ ما تريد هو استغلال الأوضاع التي تمكنها من استخدام أدوات محلية لشق الطريق أمام أهدافها، ولا يوجد ما يهزم الهيمنة الأجنبية، مهما كان شأنها، إلا التحدي الأكبر الذي تمثله إرادة شعبية تلتقي القوى السياسية والشعبية حولها، وعلى القبول بها، والاحتكام إليها، وتنفيذ ما تتطلع إليه، لتحقيق حياة كريمة وحكم قويم وأهداف جليلة مشروعة.
ولن يتحقق ذلك ولن تتحقق أيضا الحيلولة دون أعمال العنف غير المشروع بمختلف أشكاله، إلا إذا تلاقت أحزاب المعارضة السياسية، على اختلاف مشاربها ومنطلقاتها وتصوراتها، على حد أدنى من الإجراءات العملية المشتركة، الكافية لإعادة الطمأنينة إلى مختلف فئات الشعب وقواه، وطوائفه ومنظماته، والاقتناع بأن عملية الاغتيال الإجرامية لا ينبغي توظيفها في إشعال حرب أهلية، بل في طريق تؤدي إلى إزالة الأسباب المؤدية إليها.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|