|
| سلمان العودة |
استثمر د. سلمان العودة -المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم- الجدل حول المراجعات الفكرية للدكتور فضل؛ وناشد الأمة كلها بمراجعة نفسها، وعدم قصر المراجعات على الفكر السلفي.
كما طالب د. سلمان العودة المشاركين في صياغة الخطاب الإسلامي بأن يتسم خطابهم بالاعتدال والتوازن والوسطية؛ لأن "إنسانية" الخطاب الإسلامي من أعظم عوامل نجاحه.
وأكد فضيلته أن تحقيق هذا الاعتدال لا يتم إلا في مجتمع هادئ، أما إذا كان المجتمع يعيش أزمة خانقة تكون المطالبة بالاعتدال ضربًا من المحال؛ لأن تفاقم الأزمات داخل المجتمعات الإسلامية لا يشجع على اعتدال الخطاب الإسلامي.
جاء ذلك في سياق حلقة برنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة الأحد 23 ديسمبر الجاري، وكان عنوانها: "الخطاب الإسلامي.. الواقع والآفاق".
ويعرف العودة الخطاب الإسلامي بأنه حركة الدعوة ككل، وأن الخطاب الشفهي ليس هو الخطاب الإسلامي كما يتخيل البعض بل هو جزء منه، وتعتريه نقاط كثيرة، منها الاستعجال وعدم الدقة في العبارة، وتأثر الداعية بتفاعل الناس معه، وربما يصعد خطابه لدرجة معينة. ولم يغفل العودة الخطاب المكتوب مؤكدًا على أنه الأكثر رصانة.
وأكد على أن اقتصار الخطاب الإسلامي على جماعات إسلامية بعينها ليس من الصواب؛ لأن الدعوة ليست حكرًا على أحد، ويجب إلغاء خصخصة الإسلام؛ فكل فرد له حق الدعوة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلغوا عني ولو آية".
واستدرك: "لا نعني بهذا أن يكون الكلام في القضايا الدينية مباحًا لكل من هب ودب، وفي كل الأحوال يجب التوثيق والتمعن في القول".
الإحباط إقصاء
وبيَّنَ العودة أن الخطاب الإسلامي ليس هو الخطاب السلفي، وأن سر تميز التيارات السلفية عن غيرها -وفق رؤيتها- هو الانتماء لعصور السلف والتمسك بالقرآن والسنة؛ ولذلك تُطلق السلفية في مواجهة المذهبية.
وعن المراجعات الذاتية في الخطاب السلفي يعتبر العودة التيار السلفي أكثر التيارات ولاءً لموضوع المراجعات وحرصًا عليها، مشيرًا إلى حاجتنا إلى مراجعات شاملة، وأن تكون داخل التيارات الإسلامية جميعها أيا كانت مسميات هذه التيارات ولافتاتها.
وينتقد العودة حصر الخطاب الإسلامي اليوم في الاتجاه العقدي بالإيمان والكفر والتفسيق والتبديع، معتبرًا أن إقصاء الآخرين مشكلة مزمنة، ولا تقتصر أعراضها على التيار السلفي فقط.
ويعتبر ثقافة الإقصاء نتاج ضعف القدرة على مواجهة الحجة بالحجة؛ لأن محاولة العزل تدل على اضمحلال القدرة على الحوار الموضوعي.
ويضيف: "منهج التكفير والتبديع والتفسيق مخالف لهدي الرسول عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح؛ فمن أعظم المخاطر المؤسسة للعنف أن يتبادل الناس فيما بينهم الكفر".
ومن جهة أخرى، أشار العودة إلى خطورة حالة التشنج لدى بعض الخطباء والدعاة في مواقفهم ضد الآخر. ورد ذلك إلى الإحباط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وطالب العودة الدعاة بأن يكونوا مصدرًا للسكينة كما قال الله عز وجل في كتابه الحكيم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
ويتابع: كان صلى الله عليه وسلم يعود الناس على الهدوء حتى في أحلك المواقف وأشدها صعوبة، ولم يدعُ على الكفار، وإنما كان يقول: "إن الله لم يبعثني طعانا ولا لعانا ولكن بعثني داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".
لذا ينبغي ألا يكون الدعاء على عموم الكفار؛ لأنهم محل الدعوة إلى الله، وكافر اليوم مسلم الغد، وهناك كافر قريب من الإسلام والمسلمين ومتفهم لقضاياهم، وإنما ندعو على الظالمين والمحتلين".
ومن هنا، تطرق العودة إلى الخطاب الإسلامي القائم على الترهيب والترغيب. ونصح الدعاة بأن يقدموا الحديث عن الرحمة والشفقة والبر والجود والكرم، على الخوض في مداخل التخويف.
وأوضح: "يفضل التركيز والعناية بجانب الرحمة -وخاصة في أزمنة الغفلة وغياب المعرفة الشرعية- وهذا أفضل في دعوة الناس خاصة الشاردين؛ لأنك لو أخفته ربما زاد رعبًا، وشعر أنه لا رجاء فيه، ولكن إذا فتحت له أبواب الرحمة وأبواب التوبة وذكرت له بعض الأحاديث والآيات في هذا الجانب والفضائل فقد تنتعش معه بعض المعاني".
قراءة إيجابية للدعاة الجدد
ومن ناحية أخرى، يشير سلمان العودة إلى حاجة ظاهرة الدعاة الجدد إلى تقييم منصف دون مبالغة، مشيرًا إلى ميله إلى القراءة الإيجابية، وهذا يدعو إلى التفاؤل في التعامل مع هذه الظواهر.
ويعتبر الظاهرة في جملتها إيجابية، تدل على شباب يغارون على الإسلام، يخاطبون أبناء جنسهم، ويستفيدون من معطيات العصر، ويتحدثون بلغة بسيطة.
وحذر العودة من الغيرة التي تجعل البعض لا يريد لهم الانتشار والتحقق. ولم يغفل العودة سلبيات هذا الخطاب، وإنما أشار إلى بعضها، ومنها: "التسرع" الذي ينتج عنه وجود كلمات غير مدروسة من الناحية العلمية والشرعية والفقهية.
وعلّق على المبالغة في انتقاد الدعاة الجدد: "ليس مطلوبًا منك تأييد هذا الخطاب مائة بالمائة، وليس مطلوبًا من هؤلاء كل شيء". كما دعا أهل الدعوة والعلم إلى تقبل مثل هذا الخطاب وتأييده وتصحيحيه وتكميله؛ مؤكدًا على أهمية وجود مراجعات في حركة الدعوة والدعاة الجدد وغيرهم وإمكانية تصحيح الأخطاء لهم.
وضع العودة بعض الضوابط العملية للخطاب الديني المستقل عن المؤسسة الدينية، وأبرز هذه الضوابط وجود مرجعية نظرية أو علمية للالتزام بالثوابت، ووجود مرجعية شرعية والرجوع للكتاب والسنة، وهذا يتحقق من خلال وجود قدر من الاختصاص.
ويقيم العودة الخطاب الإسلامي مع الآخر بأنه ليس في أحسن حالاته، ويضيف مبينا: "لا أريد أن أكون متشائما، فما زلنا نعيش حالة من الإقصاء مع الآخرين، ولا أفسر هذا إلا بالتعصب ونقص التربية ونقص الإيمان؛ لأن ركل الآخرين يكون بناء على فهم خاطئ للكتاب والسنة.
لذلك لا بد أن ندرك أن الميدان يتسع للجميع، يجب أن يكون هناك احترام، فلو لم يحترم بعضنا بعضًا فلن يحترمنا الآخرون".
ويرى العودة أن الخطاب الإسلامي تميز في رفضه للتبعية، وكان الأقوى لتميزه بالممانعة، وربما نجح فيها أكثر من الجوانب الأخرى.
ونوه إلى أهمية أن يشكل الخطاب حضورًا وهذا هو التحدي الأكبر له، مثل المساهمة في هموم المواطنة العادية بقدر المستطاع؛ فالإسلاميون متهمون اليوم بأنهم لا يحسنون إلا الاحتجاج والاستنكار.
توحيد بلا تنميط
وقسم العودة التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي إلى نوعين: تحديات داخلية وخارجية. ويرى أن أبرز التحديات الداخلية: "هاجس مؤامرة الآخر، وقدرة الخطاب الإسلامي في الانضباط على الثوابت والمحكمات من الشريعة، والإبداع والتجديد، واستيعاب التنوع.
وأشار إلى أهم تحد يواجه الخطاب الإسلامي وهو ارتباك الرسالة الإسلامية في كثير من الأحيان، وعدم توصيلها بشكل جيد؛ لوجود أشياء شوشت على هذه الرسالة من أطراف أخرى أو قوى خارجية أو أحد خارج إطار الإسلام كله.
واختتم بالدعوة إلى توحيد الخطاب الإسلامي حول الأسس العامة للدعوة وفق الكتاب والسنة؛ لأنها هي المرجعية التي من المفترض أن يرجع إليها كل الدعاة عند الاختلاف، كما طالب بالرجوع إلى الإجماع، ورفض الدعوة إلى "تنميط" الخطاب الإسلامي على هيئة واحدة؛ لأن التنوع هو ما يميز الخطاب الإسلامي.
محررة بالنطاق الدعوي، بشبكة "إسلام أون لاين.نت".
* نقلا عن موقع "المركز العالمي للوسطية" بتاريخ 27-12-2007 .
|