|
| صلاح الدين الجورشي |
من المغرب العربي يتكلم الكاتب والباحث الإسلامي التونسي صلاح الدين الجورشي عن مراجعات الشيخ سيد إمام، باعتبارها تفتح بابا من النقاش والتطويق لجرثومة العنف، فهي في رأيه بذرة بسيطة وربما ليست مغرية للمتابعين، خصوصا من خارج خطوط الفكر الإسلامي، لكنها مهمة للزراع، باعتبارها عودة ثانية لأصول مصادر التلقي، يستولد من المرجعية ذاتها خيارات، ربما لا تستوعب طاقات الغضب كلية، لكنها تطوي دوافع العنف.
وتوقع الجورشي في هذا الحوار أن تمتد آثار المراجعات للمغرب العربي وحركاته الجهادية، التي شرعت في مد خيوطها مع تنظيم القاعدة، ومن هنا تبرز أهمية كبرى لهذه المراجعات، أي تفكيكها للمنظومة من داخلها ومحاولة إعادة ترتيب النصوص والمنطق الداخلي لهذه الجماعات.
وطالب الجورشي في هذا الحوار بتفكيك بعض الأوهام التي تهيمن على الخطاب الإسلامي المعاصر، المتمثل في إزاحة الدولة القومية الكائنة لسراب لن يكون، ودعا إلى العمل داخل المنظومة الإدارية والقانونية للدولة المعاصرة؛ لأن ذلك سيجعل خطابها واقعيا وتفصيليا وممتحنا من الجماهير.
نص الحوار:
بؤر العنف الفكري
* المراجعات التي تقوم بها جماعات العنف في مصر مثل جماعة الجهاد ومن قبلها الجماعة الإسلامية.. هل هناك علاقة بين الجماعات الجهادية العنيفة في مصر والجماعات التي نشأت في المغرب العربي أم أنها حالات جهادية كل منها تستنطق تجربتها الخاصة وتستدعي إجابتها الداخلية.. بمعنى آخر بؤرة العنف خرجت من مصر هل تتفق مع ذلك؟
** جماعات العنف في المغرب لم تبرز إلا في الفترة الأخيرة، و تشكلها الحاضر في عدد من دول المغرب العربي كان مرتبطا ارتباطا أيديولوجيا وفي بعض الجوانب تنظيميا مع أفغانستان حيث الجهاد الأفغاني، الذي شارك فيه عدد من مجاهدي الجزائر، خاصة بعد الأزمة السياسية في الجزائر وتشكل الجناح العسكري لجبهة الإنقاذ، حيث تمكن عدد من مؤسسيه من كسب خبرة عالية واحترافية في مجال القتال من الساحة الأفغانية، لكن الملاحظ بعد توقف العنف في الجزائر الذي كان مطبوعا بخصوصية الجزائر في الفترة الأخيرة بدأت تتشكل جماعات عنف مرتبطة بشكل ولاء أو تأثر أيديولوجي أو حتى ارتباط عضوي مع تنظيم القاعدة الذي كان جزءا مؤسسا فيه يعود بجذوره إلى رافد من جماعة الجهاد وهو أيمن الظواهري وتفكيره و خبراته التي وظفها لإعطاء العنف بعدا دوليا في معركة عالمية.
فيمكن أن نقول إن الطرف المصري لعب دورا في نقل خبرة العنف إلى بعض جماعات العنف في المغرب العربي، وإن كان يبدو لي أن الجماعة الجزائرية العنيفة شرعت في توظيف (يافطة القاعدة) لتحدث حالة إرباك عام، فتسمية القاعدة تستبطن مخزونا سياسيا وأمنيا تتصور الجماعة الجزائرية أنه يعزز موقعها ويغطي على حالة الضعف والخلافات التي تشقها.
* لكن هل ترى أن الجماعات الجهادية في المغرب العربي تلزم نفس النظرية السياسة القائمة على الحاكمية وتكفير الحاكم والطوائف المعينة له من شرطة وجيش ومثقفين؟
** هناك تقاطعات عديدة بين التجربتين في مستوى المرجعية، ولا شك في أن الجماعات القتالية في المغرب تؤمن بعدد من المنطلقات النظرية التي تبلورت في تجربة جماعات العنف بمصر، مثل قضية الحاكمية وإعادة الاعتبار للفريضة الغائبة (الجهاد)، واعتبار أن الجهاد شرعي ضد الأنظمة، وممارسة الضغط الأيدلوجي على المواطنين المدنيين لإشعارهم أنهم يجب أن ينخرطوا في الحرب وإلا سيكونون مستهدفين، كل ذلك موجود خاصة في جماعات عنف الجزائر، مثل التيار السلفي الجديد الآن الذي يترسخ انطلاقا من مفاهيم أيديولوجية محددة وواضحة وقطعية وتعتبر هي الأساس للانتماء واستقطاب وتأطير المقاتلين، ولهذا فهناك نوع من التقاطع والترابط والتأثر في المستوى الأيدلوجي.
أما المستوى التنظيمي فقد تبلور في فترة متأخرة، فالجماعة السلفية الليبية أعلنت عن ارتباطها بتنظيم القاعدة أو ما يسمى الآن الجماعات المقاتلة في الجزائر التي تعتبر نفسها تحت القاعدة وكذلك الجناح السلفي لم ينجحا في التحول إلى هيكل واضح في المغرب.
لكن عموما دعني أؤكد على مستوى الأفكار والارتباطات العضوية الفردية التي تتم عن طريق الأفراد وتدل على التأثير السياسي الأيدلوجي العقدي لجماعات العنف المصرية.
المراجعة.. والمصلحة
* تقييمك لحركة المراجعة بشكل عام، خصوصا المراجعات التي قدمتها جماعة الجهاد المصرية: هل هي قائمة على المصلحة المباشرة في وقف القتال وحفظ أمن هذه الجماعات، خصوصا أن النظرية لم تسقط إنما تعددت الاستجابة معها في توسيع خيارات الرفض والغضب ليشمل الهجرة أو السكوت أو تحمل الأذى والصبر، أم نحن بصدد تراجع عن منهج تلق عن التراث بشكل جدي؟
** أولا أهم عنصر دفع هذه الجماعات للمراجعات هو إدراكها بشكل واضح أن طريق العنف لن يؤدي إلى تحقيق نتائج عملية لصالح هذه الجماعات، فممارسة العنف قد بلغ أقصى درجاته ولم يحقق الأهداف التي كانت مطروحة، ولذلك مراجعتها مهمة جدا من هذا الجانب؛ لأنها إعلان إفلاس اللجوء للعنف كوسيلة للتغيير، وهذا مهم لأنه بغض النظر عن بقية الوسائل والخيارات فالتوقف عن هذا المنهج هو عامل مساعد لتوفير حد أدني من الوضوح والاستقرار.
الأمر الثاني أن عادة الأنظمة والجماعات الفكرية والنخب أن تتفاعل بشكل خاطئ مع هذه الأفكار، حيث تريد إقناع هؤلاء الإفراد وتغيير ما استقر في أذهانهم من أنه لا وسائل جبرية لتحقيق التغيير، لكن التغيير يكون من منطلقات حقوق الإنسان والثقافة الحديثة، وهذا لن يؤدي لأي تأثير لأنهم يرفضون الإقرار بأن المنظومة الدولية مرجعية بالنسبة لهم، ولذلك لن يقتنعوا بهذا الخطاب.
والأجدى أن يدور نقاش داخل المنظومة نفسها من قبل عناصر مؤسسة فيها وتدرك وتقر أن هناك فهما آخر للنصوص الإسلامية الأساسية المحرضة على الجهاد، وأن له ضوابطه الشرعية، وأن الفرد ينتبه أنه سيقتل آخرين وبالتالي القتل يشكل عنصرا خطيرا وفتنة، إذن بات مهما في هذه اللحظة أن يكتشفوا أن هناك آلية أخرى للتعامل مع النصوص الشرعية و الإسلامية.
ومن هنا تبرز أهمية كبرى لهذه المراجعات أي تفكيك المنظومة من داخلها ومحاولة إعادة ترتيب النصوص والمنطق الداخلي لهذه الجماعات، ولذلك تعتبر تجربة مهمة لتطويق حالات العنف. ولهذا أنا متعجب ومستغرب.. أولا لأن النخب الحديثة والعلمانية لم تنتبه أو تريد أن تعطي أهمية هذه المراجعات رغم قيمتها المعرفية والمنهجية.
وثانيا: والأكثر من ذلك أن الحكومات لم تتعامل بجدية مع هذه المراجعات وأنها مكسب أمني، وإن جاء اضطراريا، حيث كان يفترض أن تتعامل معها النخب والأنظمة بأساليب مختلفة تسمح باندماج هذه الجماعات التي أعلنت القطيعة مع العنف بفضاء للنشاط وفضاء للمشاركة، وتتوفر إستراتيجية لإدماجها في الدورة الثقافية والسياسية، ولكن للأسف الأنظمة تعاملت بتجاهل وعدم جدية، وكأنها إما لم تدرك أهمية هذه المراجعات، وإما تحرص على بقاء حد أدنى من الجماعات العنيفة لاعتبارات سياسية معينة.
الجهاد يحتاج لنقاش طويل
* هل يمكن أن تؤثر هذه المراجعات في الحركات الإسلامية المصرية على الجماعات الشبيهة في المغرب العربي على اعتبار أن هذه الجماعات كان لها أثرها في التأسيس، ومن ثم ما هي العوامل المساعدة على زيادة تأثير هذه المراجعات، وما هو دور الإخوان أو الجماعات المعتدلة بالنسبة للمراجعات؟
** رغم أن جماعات العنف في المغرب تحكمها خصوصيات محلية وظروف سياسية معينة، لكني أتوقع أن تأثير هذه المراجعات إذا لم يكن على مجمل الجماعات في المغرب العربي فسيكون على الأقل على شق داخلها.
هذه المراجعات إذا وصلت إلى جماعات العنف فستشكل بداية نوع من النقاشات المهمة التي قد تجعل جزءا من هذه الجماعات يتخلى عن العنف أو يعيد النظر فيه، والدليل في مرحلة سابقة وبعد حصول المراجعات الأولى في الجماعة الإسلامية لاحظنا أن نقاشا حصل داخل الجماعة الليبية حتى أن بعض قادتهم أعطى تصريحات في بعض الصحف يبين مبادرات لمراجعات يقوم بها بعض العناصر السلفية الجهادية في الجماعة الليبية، وبين بالدليل القاطع أن العنف لم يؤد لنتيجة، وبعضهم بدأ محادثات من داخل السجن مع النظام الليبي عن طريق سيف الإسلام.
هذه المراجعات نحن جميعا يجب أن نستثمرها وننقلها ونعتمد على بعض وسائلها ومنطقها الداخلي لنروجها ونوصلها إلى كل من يؤمن أن العنف ممكن أن يكون خيارا إستراتيجيا ووسيلة للتغيير.
* وهل ستؤثر هذه المراجعات على تنظيم القاعدة؟
** مجموعات القاعدة في تقديري حالة خاصة؛ لأنها ليست مرتبطة بجانب فكري وعقائدي فقط، بل بشخصيات لها تأثير كارزمائي كبير على عناصرها، مثل بن لادن والظواهري.
يضاف إلى ذلك أن التنظيم يتحرك على مستوى دولي ويعطي حرية الأفراد والمجموعات المحلية، ولديه مجال حيوي في العراق لتطبيق بعض الخطط رغم ما يتلقاه من ضربات.
يضاف إلى ذلك الإمكانيات المالية التي تلعب دورا في استقطاب العناصر وتوجيهها وإعطائها الفرص لتقطع مع أوضاع سابقة.
تنظيم القاعدة لم يتلق الضربات القوية التي تجعله يدرك أنه وصل لطريق مسدود، ما زالت إمكانية الكسب السياسي متوفرة لديه ما دامت المعركة مع الولايات المتحدة بهذا النطاق، وما دامت الإدارة الأمريكية ترتكب أخطاء فظيعة تعطي تنظيم القاعدة أكثر من مبرر، لكن على المستوى الأيدلوجي هذه المراجعات إذا عرفنا كيف نتفاعل معها ونبرزها على السطح ونسوقها على نطاق واسع بعد 10 / 15 سنة فسيتحول العنف إلى خيار هامشي، وسيتعزز الخيار الإستراتيجي الأساسي محاولة تغيير الأوضاع بالطرق السلمية، ولكن لكل اختياره عن طريق العمل السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، المهم أن نقضي على جرثومة العنف التي ما زالت ليست أساسية لكنها مربكة للعمل العام، إضافة إلى تأثيراتها وتداعياتها الإستراتيجية والسياسية الخطيرة التي تستغلها الولايات المتحدة والغرب لتحقيق أهداف بعيدة المدى وخطيرة على مستوى وحدة الأمة وثرواتها، وهي أعطت - هذه السياسات- مبررا لقمع الأنظمة ليس فقط الإسلاميين، ولكن النخب، وتضيق النطاق على الديمقراطيين.
مراجعات التيار الوسطي
* لم تزل فكرة المراجعة قاصرة على جماعات العنف، فمثلا لم نر في التيارات السلفية أو جماعات أخرى توسم بالاعتدال مراجعات حقيقية.. هل لا بد أن ندفع للمراجعة دفعا؟
** اعتبر أن الخط الرئيسي في الحركة الإسلامية الحالية يتحمل مسئولية كبيرة في هذا المجال، حيث لم يدفع هذا الخط نسق المراجعات في داخله إلى أعلى مستوياته لكي نكسب الزمن ونستفيد من الفرص ونطرح الإسلام بنظرة جديدة.
وبالتالي كلما تباطأ التيار الرئيسي (التيار الوسطي) في عملية المراجعات العميقة كلما ظل الجدل الدائر حول رئاسة القبطي والمرأة.. ما دمنا نتخبط بعد 100 سنة من تأسيس الحركة الإسلامية في قضايا لم نحسمها بشكل واضح وقطعي فإن بقية الفصائل التي تقف على يمين الحركة الإسلامية الرئيسية ستكون مراجعاتها محدودة ومرتبطة بقضايا المفروض أننا تجاوزناها منذ فترة طويلة.
كان لا بد أن يدفع التيار الرئيسي الظاهرة نحو النضج ونحو القول إن هناك أزمة عميقة في الفكر الإسلامي يجب أن نتصدى لها بقوة من خلال تغيير التعامل مع النص والرؤية الإسلامية والمراجع الإسلامية الأساسية ونفهم أن هناك قضايا ذات أولوية يجب أن تكون هي الأصل والقاعدة في الرؤية الإسلامية، مثل: قضية الحريات، وحقوق الإنسان، وبناء الدولة الحديثة، وتفعيل العلاقات الاجتماعية، وتحقيق المساواة بين الجنسين.
أنا في تقديري ما لم يطرح المثقفون الإسلاميون والتيار الإسلامي الرئيسي هذه القضايا بكل قوة وبالتالي يحرر المشروع الإسلامي الحركي من البؤرة التي انتكس فيها أو ما زال يتخبط في داخلها منذ 60 سنة فسنظل ندور في مراجعات جزئية تنتظر عمرا وتستنزف جهودا كثيرة حتى نبدأ في مراجعة جزئية أخرى بينما الزمن يمر والمسافة بيننا وبين الآخر تتسع.
* كمفكر إسلامي وناشط حقوقي كيف تراقب صيرورة الحركات الإسلامية المصرية من المغرب؟
** أول ما يلفت النظر بالنسبة للساحة الإسلامية في مصر هو كثافة الجدل الدائر حولها والدائر بينها وبين الآخرين، وهذا يدل على أن الحركة الإسلامية المصرية تعيش مرحلة جديدة لم تتبلور ملامحها المستقبلية لكن الأكيد أنها ستضطر إلى إعادة النظر في مرحلة قادمة في مجموعة من قضايا أساسية متعلقة بدورها وبعلاقتها مع قواعدها وعلاقاتها مع بقية الأطراف السياسية والفكرية؛ أي أن حالة الإخوان كأني بها خرجت من مرحلة السكون التي لازمتها لفترة طويلة وبدأت تجد نفسها مضطرة للتفاعل أحيانا إيجابيا وأحيانا سلبيا مع عوامل ضغط تتكثف في هذه المرحلة، ضغط لا يزال بشكل رئيسي من النخب التي تعبر عن شكوك حول الدور السياسي الذي يمكن أن تلعبه هذه الحركة في المرحلة القادمة، وأيضا ضغوط عالمية بدأت تأخذها بعين الاعتبار وتتعامل معها، وما زال ينقصها تيارا ضاغطا داخل صفوفها يدفعها إلى أن تقوم بمراجعات أكثر جدية وأكثر عمق وأكثر طمأنة للمحيط.
حزب الإخوان
* بالنسبة للإخوان وبرنامج الحزب وما يطرحه من أفكار كيف ترى الأمر.. الفكرة في حد ذاتها هل تتقبلها؟
** اعتبرتها مؤشرا إيجابيا على أن الجماعة تبلور ولو مشروعا أوليا محدودا لبرنامج سياسي إيجابي؛ لأنه يحاول أن يعكس حالة النضج السياسي الذي بلغته هذه الجماعة بعد هذا الشوط الذي قطعته منذ تأسيسها. ثم كانت هذه الوثيقة فرصة لعاصفة من الاحتجاجات ومن الجدل سيدفعها بالضرورة إلى أن تنتبه إلى أن أي موقف تعلن عنه سيحاسبها عليه الناس.
لكن المشكلة التي لا تزال مطروحة في صفوف الإخوان هي أنهم لا يزالون لا يميزون بين الجماعة كمفهوم متداخل يرتبط فيه السياسي بالديني بالاجتماعي بالتربوي بالاقتصادي، وبين مفهوم الحزب السياسي كمفهوم حديث، ولذلك حالة المخاض ستستمر في اتجاه أن يقع الفصل بين المفهومين، بين مفهوم الجماعة الأقرب إلى المجال الدعوي الأيدلوجي كما بناه وتصوره مؤسس الإخوان حسن البنا، وبين الحزب السياسي كرؤية تنظيمية وعملياتية واجتماعية وسياسية مختلفة في البنية والتصور والآليات عن الجماعة.
هذه الوثيقة الأولية ستعمق النقاش وسيؤدي ذلك على الأقل لاكتساب حد أدني من الوضوح والإرادة للفصل بين المستويين، لكن من المهم الآن أن تستوعب المنظومة الإخوانية أن مشروع الدولة التي تشكل في العهد الإسلامي انتهى، وثانيا: أن نحدد بشكل دقيق مفهومنا للدولة الحديثة وأين تكمن خلافتنا معها، وعلى أي شيء نعترض معها.
ثالثا لم ندرك أننا نتحدث عن دولة وهمية ونحترق من أجل شيء لن يتحقق؛ لأننا لو أردنا ذلك فسيتم عن طريق صراعات مع الجميع، ولهذا فعلى الإسلاميين أن ينطلقوا من الدولة القومية لإصلاحها، وأن يظهر مشروع إصلاحي سياسي يؤكد أن الدولة ليست لنا معها خلافات أساسية، إنما نحن ندعم مجال المراقبة، وأن نحدد أدوات التشريع فيها ونحارب ظاهرة الفساد فيها، أي رؤية إصلاحية للدولة القائمة.
* هذا الجدل يبدو أنه عربي في حين تسعى التيارات الإسلامية خارج العالم العربي إلى مراجعة أوضاعها والاندماج داخل بنية الدولة.
** هذا الجدل لم يبق إلا داخل المجتمعات العربية، فالحركات الإسلامية الأخرى اندمجت في النظام وشاركت في الانتخابات كما حدث في بنجلاديش وباكستان وتركيا.
كما يوجد وهم آخر اسمه الاقتصاد الإسلامي لا تستطيع الحركات الإسلامية والفكر الإسلامي أن يفهم أن الاقتصاد يمثل موتور السيارة ونحن نريد أن نعطي قطع السيارة مفهوما أيدلوجيا سرابيا وهميا لا وجود له، وضيعنا جهد 40 سنة ندور حول وهم فيمتلئ القاموس ويخسر الواقع، وبعد هذا كله ستنتهي هذه الحركات إلى قبول النظام الليبرالي الاقتصادي.
فمثلا حزب العدالة والتنمية المغربي عندما قبل أن يخوض الانتخابات قام سعد العثماني بعمل جولة أوروبية وأمريكية لكي يطمئنهم أنهم في حالة تشكيل الحزب للحكومة فسوف يسرعون في عملية الإصلاحات الاقتصادية وسيكونون أكثر أمانا من غيرهم في تطبيقها فقط سيقومون بعمل تغييرات تمس الفئات الضعيفة في المجتمع.
الواقع سيفرض نفسه على الإسلاميين بعد نوع من المنازعة والمعاندة استمر طويلا، الإسلاميون لن يتمكنوا من فهم معنى الدولة أو الاقتصاد إلا عندما يقصوا الأيدلوجي العقائدي وينخرطوا في الواقع ويفهموه ليغيروا آلياته، فلن نغير الأوضاع في الجزائر بشعار الإسلام هو الحل، حيث الاقتصاد تفجر، والدولة متوغلة لكن بلا أرجل، والفقر المنتشر وحالات الهجرة غير الشرعية اليومية لن تغير الوضع أو تحل المشكلة، فالشعب يريد طعاما وعملا ومسكنا.. لا غير.
|