|
| خليل العناني |
نادى أحد المتصوفة: "اللهم اهدني طريقا قل فيه السائرون"، وفي البحث العلمي يصبح ارتياد المناطق الجديدة في الإشكاليات القديمة محاولة تستوجب التقدير كما المناجاة.
أما القضية القديمة فهي الإخوان، وأما التجول الجديد فهو بحث ميداني استغرق عدة سنوات، في إلحاح شديد لمعرفة "الفرد الإخواني" قبل "الرأس"، إنها دراسة "الإخوان المسلمون في مصر .. شيخوخة تصارع الزمن" لخليل العناني، نائب مدير تحرير مجلة السياسة الدولية، الصادرة عن مؤسسة الأهرام، والباحث المتخصص في الحركات الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي.
حدث عن الظاهرة ولا حرج
القانون الحاكم لهذا الكتاب ينطلق من الظاهرة ذاتها، باعتبارها أشد دلالة على نفسها من أي متحدث، أو باحث، أو محلل، أو كتاب يتناولها، لاسيما ما نلاحظه من كثرة الزحام حول الظاهرة، وكل يدعي وصلاً بليلى، وليلى صامتة، والمعلومات المتاحة ملونة، أما مصدرها فكتب الإخوان أنفسهم من وجهة نظرهم، أو الكتابات التي تتناول الجماعة من منظور سياسي أيديولوجي، حيث تصفية الخلاف السياسي في بحوث تاريخية.
وبين هذا وذاك مئات من الكتابات امتلأ بها القاموس الذي أتخم بالنتائج النظرية البيزنطية، بينما خسر واقع الإخوان فرصا حقيقية في الفهم والاقتراب، ولا يستثنى من ذلك كله إلا بعض المفكرين والباحثين الجادين، الذين اتسمت دراساتهم بالمنهجية والموضوعية، على اختلاف منهجياتهم ومدارسهم.
لكن تظل دراسة ريتشارد ميتشيل عن الإخوان التي نشرت في منتصف الستينيات بالتشريح والتحليل والتفصيل - برأي المؤلف - رائدة في دراستها وطريقتها. ومنهجية العناني تسير في إطارها الميداني، ويمكن اكتشاف ذلك بسهولة من نقديته الشديدة للدراسات التي رصدت الصعود الثاني للإخوان، والتي سادت طيلة ثلاثة عقود، وكلها تروح وتغدو على أطياف التيارات الإحيائية السلمية منها والعنيفة، من خلال تحليلات جاهزة تدور حول نكسة 67 وآثارها، وإخفاق الفكر القومي، حيث ربط البعض - بنظر العناني - بين تقدم التيارات الإسلامية وتراجع القوى التقدمية اليسارية والليبرالية.
أدان المؤلف معظم هذه الاقترابات، وأكد فشلها في التعامل الجدي مع هذه التيارات، ويرى أنها استنفذت أغراضها التفسيرية.
للإخوان تعريف
وخلافاً لكل هذه المناهج والاقترابات آثر الباحث خوض غمار البحث عن منهجية جديدة أو اقتراب مغاير يمكن من خلاله دراسة الظاهرة الإسلامية بوجه عام،وجماعة الإخوان المسلمين بوجه خاص، فكان اقتراب "سوسيولوجيا الأديان" الذي حاول الباحث استخدامه وإعادة تركيب مفاهيمه الحاكمة كي يضع منظورا استطاع أن يوظفه في دراسته.
وكان لافتا أن يربط الباحث بين اقترابه الجديد والتعريف الشهير لجماعة الإخوان المسلمين الذي وضعه مؤسسها حسن البنا،بأنها "فكرة جامعة تضم كل المعاني الإصلاحية، فهي دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية".
انطلق السؤال مع العناني للغاطس الاجتماعي من الحركة، لا الظاهر فقط، فقبل الاندهاش من صعود الإخوان، علينا تعقب ميل المصري للربط بين الديني والسياسي، وبدلا من رصد تحولات الحركة، يجب الغوص في عمق التحولات الاجتماعية والقيمية، وترك رهانات السيناريوهات والتخمينات لمستقبلها، لحساب الرغبة في استبانة طريق الوعي السياسي الديني لدى المصري عموما.
الإخوان ذلك المجهول
نزل العناني لعدة محافظات، وعدة شخصيات من قواعد الإخوان القيادية، وشرع في التساؤل والبحث لمعرفة نظرة القواعد وكيفية تفكيرهم، وكيف يقيمون قادتهم. وهناك من التربة ومياهها الجوفية اكتشف غواية العديد من المقولات الثابتة عن الإخوان التي تسقطها أية دراسة ميدانية جادة.
وهناك رصد خليل حركة السلحفاة المتأنية من أجل اجتياز انتخابات 2005، وكيفية تلقي التكليف، وترجمته عبر خطط محلية منسلة من خطة مركزية كبرى، وشاهد دوران حركة التبرعات، وكيفية تقاطرها، لتصب في نهر "الروضة" حيث مكتب الإرشاد.
ومن خلال مسامراته معهم غاص في عشرات الموضوعات، وبدأ يفهم منطقهم، يقول: "انتقيتهم، حاورتهم، وحاججتهم، واستدرجتهم وأوقعوا بي، فمجاهيل الإخوان عميقة، ودروبهم عميقة وعويصة، وإلا لما بقيت الجماعة على قيد الحياة لنحو ثمانين عاما".
فعلها الإخوان !
يقول خليل العناني في الفصل الثاني: "البحث في كيفية إفادة حركة ما، على غرار جماعة الإخوان، من طبيعة الفضاء السوسيولوجي السائد في مصر، يعني التعرف على طبيعة التحولات التي حدثت في هذا الفضاء، وأنتجت واقعا حياتيا عظم مكاسب الجماعة".
وينبه المؤلف في معرض تحليله إلى ضرورة نجنب الربط بين التدهور، كشرط لصعود الإخوان، وثبت في تحليله بعض تحولات رئيسية شكلت الخلفية السوسيولوجية التي عززت صعودها السياسي، منها انفصال المجتمع عن الدولة البادي في حالة الهزال والضعف التي بدت عليها العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر، والأدهى - بحسب العناني - أن الطرفين لا يدركان التغيير الذي مس تلك التراتبية بين الطرفين.
وشرع المؤلف في استجلاء معالم الانهيار على كافة المستويات سياسيا واقتصاديا بلغة رقمية دالة، ومن ثم وبحسب المؤلف يصبح انخراط الكوادر الإخوانية في المجال الاجتماعي الاقتصادي الذي تقوم به جماعة الإخوان المسلمين مؤثرا، خصوصا أن المكون الاجتماعي للجماعة يمثل نموذجا مثاليا للطبقة المتوسطة، ووضعا مثاليا لها من أجل النفاذ إلى هذه الفئة والتأثير في خيارتها الاجتماعية والسياسية، مستدلا بعينتين إحداهما من شبرا والأخرى من مدينة نصر، وكلا المرشحين يعملان في لجان الزكاة والمساعدات.
التباينات الجيلية
وفي الفصل الثالث تجلت نزعة المؤلف الاجتماعية نحو صنع وجهة نظر، تبدأ من الفرد الإخواني صعودا لأعلى، تستوعب مركب التباينات والتنويعات داخل الجماعة المتراصة عبر عدة صفوف، تمثل عمقا خصبا للإمداد والتموين.
وهنا حاول العناني دراسة المناهج الفكرية والتربوية التي يتم على أساسها تشكيل عقول هذه القواعد، ولحسم الكثير من المقولات التي عادة ما تثار من أجل التمييز بين هذه القواعد ومواقف القيادات، فيما يخص القضايا الإشكالية، كالديمقراطية، والشورى، والموقف من المرأة والأقباط، فضلاً عن رؤيتهم لأهداف الجماعة.
وهنا يرصد خليل فكرة مهمة، وهي كلما نجح الربط بين الفكرة والإسلام، تأكد إيمان الأفراد بها، لكنه في نفس الوقت يرصد أن إيمان البعض بالديمقراطية لا يتعدى أنها وسيلة لحكم إسلامي. وبالنسبة لتحول الجماعة إلى حزب فمعظم العينات رفضت التحول الكامل والتخلي عن الجماعة.
ووصل العناني إلى نتيجة مدهشة، وهي أن 23% أبدوا مرونة ودرجة عالية من التسامح بإعلان قبولهم برئاسة أحد الأقباط للدولة المصرية طالما يمتع بالكفاءة، وهو ما يعطي صورة مغايرة لمناهج التربية التي تروج بحسبانها معارضة لقيم المواطنة، كما أن 73% من الذين قابلهم العناني لا يمانعون من انضمام أقباط إلى جماعة الإخوان، مقابل رفض 3%، كما رفض 86%من الإخوان أن يدفع الأقباط الجزية، وقبل بها 13%، كما وافق 40% من العينة على تولي المرأة لرئاسة الدولة.
وخلاصة القول، فإن إخوان القواعد برأي الدراسة ليسوا تيارا واحدا، وهم تنويعات جمعتهم الفكرة وفرقتهم التحيزات ومناهج التلقي.
الإخوان والديمقراطية
الإخوان برأي العناني مثل عموم الإسلاميين، علاقتهم بالديمقراطية ملتبسة لم تحسم، والسبب برأيه يرجع للاقتراب القسري الذي دفعت إليه الجماعة لتقبل بالديمقراطية، وبالتالي هي ليست مطلبا داخليا أو واقعيا، ويرى الباحث أن الإخوان لم يدخلوا في كليات الديمقراطية، كقيمة وفلسفة، وتمسكوا بمظاهرها (التصويت والتعددية).
ويطرح المؤلف طرحا ذكيا لمفهوم المرجعية، بأنه لا يمثل ميزة أو أداة أو شعارا فضفاضا بقدر ما هو مسئولية ثقيلة يجب التفكير بها بجدية، والتعاطي معها بمسئولية؛ لأن أي فشل سيوجه للمرجعية، وعدم القدرة على ترجمتها عبر منظومة من القيم والأنساق الفكرية سيمثل طعنا موجها للفكرة.
ويرى العناني أن محاولات التشكيك في هذه المرجعية كما لو كانت تشكيكا في النبع الثوري للحضارة الإسلامية التي ظلت على طوال تاريخها رمزا للإبداع والتجديد.
وفي ذات الفصل أيضا يلاحظ الباحث إشكالية مهمة، وهي حدود النقد الداخلي كأحد مظاهر الديمقراطية، حيث تسمح الجماعة لأي عضو بالنقد الداخلي، وليس من خلال الكتابة في الإعلام، أو الأحاديث الخارجية، وهي الإشكالية التي برزت مؤخرا مع برنامج الحزب.
الإخوان والحكومة
كما يرصد في الفصل السادس قواعد اللعبة الجديدة بين الإخوان والحكومة، والتي مثلت ذروتها حادثة الأزهر، أو ما يعرف إعلاميا بالعرض العسكري، والذي ترتب عليه عودة المحاكمات العسكرية مرة أخرى، وتوجيه أكبر ضربة للجماعة، خصوصا لقدراتها المالية.
ولمس الباحث رد فعل الجماعة بقوله: "لم يرق إلى مستوى الحدث، وهو ما يعكس عدم تقدير الجماعة لما هي مقدمة عليه". وبرأي العناني أن ثمة دوافع تتحرك خلف سواتر الأحداث لابد من رصدها، حيث شرعت الجماعة في تبني إستراتيجية جديدة تعبر عن مرحلة جديدة هي مرحلة المجتمع المسلم، واعتبار نتائج 2005 دليلاً قويا على انتهاء مرحلة البيت المسلم، وقبلها مرحلة الفرد المسلم.
وبحسب الدراسة عقدت اجتماعات تنظيمية بين شهري فبراير ومارس، ضمت مسئولي المحافظات لهذا الغرض، ولوضع خطة خمسية لتحقيق بقية الأهداف، وقبلها قرار النزول إلى الشارع لأول مرة منذ الخمسينيات، حيث قامت الجماعة في 2005 بحوالي 23 مظاهرة خلال ثلاثة شهور، من مارس حتى مايو، شارك فيها ما يقرب من 140 ألف شخص، وتم اعتقال أربعة آلاف شخص.
ويبدو بحسب الدراسة أن ثمة سياسات ممنهجة يجري تنفيذها بحق الجماعة ضمن ترتيبات الأوضاع المستقبلية، يضمن عدم دخولها طرفا مؤثرا في هذه الترتيبات، وأغلب ظن الباحث أن الكفة تميل لصالح تيار إقصاء الجماعة.
وخصصت الدراسة فصلاً يقدم فيه المؤلف طرحا معمقا لإشكالية علاقة الإخوان بالأمريكان والغرب عموما، تعقب فيها المصادر المحددة لرؤية الإخوان للولايات المتحدة، وأبعادها المختلفة، سواء الدينية أو الحضارية.
هندسة النجاح الإخوانية
ولرصد بيئة النجاح التي صممها الإخوان، تم تخصيص فصل كامل من الكتاب يتحدث عن هندسة النجاح الإخوانية، عبر خطة تحرك، حرثت الأرض لمرور موكب المرشحين، من قيد الأسماء، لحصر دوائرهم المقربة، وتدشين خط الدعاية من اللجان السياسية المحلية صعودا للجنة السياسية المركزية.
ويؤكد العناني أن عملية اختيار المرشحين عبرت عن لغة سياسية عالية الاحتراف، تخللتها دراسات مسحية، ورفع تقديرات، وقراءات متتالية لواقع المرشحين، تلتها عمليات معقدة لاختيار الأعداد المناسبة والاحتياطية، حيث بلغ عدد المرشحين كلهم 320 مرشحا، وميزانيات تخطت بحسب تقدير الباحث 920 ألف جنيه لكل مرشح.
شيخوخة وترهل
وفي الفصل الأخير، والذي يعتبر الخلاصة العامة التي انتهت إليها جولة الباحث التي قضت عامين في تأمل المشهد الإخواني، بدت الجماعة أمام الباحث تعاني من الشيخوخة. كائن يقف على الثمانين من عمره، ويسعى جاهدا للحفاظ على حيويته، وجسد كبير مترهل، يعاني غيبوبة فكرية وعقلية، لا تقوى على إدراك التغيرات التي حدثت، وتقف على مفترق طرق في تاريخها النضالي، فإما القيام طوعا بثورة إصلاحية داخلية تخلص الجماعة من عيوبها، وإما أن تتعرض لنوع من الانفجار الداخلي ربما يكون بداية لاندثار الطبيعة الكلاسيكية للجماعة، وبروز تيار إسلامي جديد.
ويلاحظ الباحث ضعف الجانب الفكري التنظيري في الجماعة مقارنة بأدائها الحركي، حيث تشير الدراسة إلى سطحية شديدة واختزال مربك يعتري النظر الإخواني في قضايا المرأة والأقباط والحجاب.
ويخلص من هنا الكاتب بنظره أنه لا يوجد عند الإخوان مشروع فكري لتجديد الخطاب الديني، وعلى العكس يبدو مشروعها دليلاً على العزلة. كما يلاحظ الكاتب أعراض الشيخوخة التنظيمية، وإشكالية السمع والطاعة، ومفهوم الحرية كقيمة مهملة يطويها التجاهل والتغافل اللذان حوَّلا قسطا كبيرا من المنتمين للجماعة إلى مجرد كم، حيث حرمت الطاعة - بمفهومها الجامد - الجماعة من قوة الاختلاف في الرأي.
كما تبرز إشكالية أخرى عند التنظيم، وهي الثقة مقابل الكفاءة، ونادرا ما يجتمع - برأي العناني - عنصرا الثقة والكفاءة في اختيارات الجماعة للقيادات. كما رصد العناني عددا من العيوب البنيوية والهيكلية، منها إشكالية السياسي مقابل الدعوي، وتأبيد القيادة، والانفجار الجيلي.
ملاحظات على الكتاب
جدير بالذكر أن الكتاب قدم له كل من المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا، والباحث المعروف ضياء رشوان، اللذان أكدا على أن الكتاب يعد إضافة متميزة للدراسات التي تعتني بقراءة الحركات الإسلامية في العالم العربي، وإن سجلا اختلافا مع بعض نتائجه.
وتبقى بعض الملاحظات حول الكتاب:
الأولى منهجية، وتتعلق بقدرة الباحث على الاستفادة والتوظيف الجيد للمداخل الاجتماعية في الاقتراب من الظاهرة، وهل استطاع التمسك بأهداب ذلك المنهج، أم أن الإيقاع اهتز منه في ثنايا الدراسة لصالح غواية الرصد السياسي، وما يصحبه من تعميمات؟ الإجابة تترك لخبراء المناهج السوسيولوجية.
والثانية تخص الجزء الميداني، ومدى اطمئنان الباحث لتمثيل تلك العينات التي استطلعها للنتائج التي خلص إليها عن الإخوان، وهل تصلح لأن تكون بالفعل معبرة عن الحالة الحقيقية.
الثالثة شكلية وموضوعية في نفس الوقت، وتتمثل في السؤال: هل نجح عنوان الكتاب في التعبير عن مادته، أم أن العنوان قد اختطف الجهد المميز للباحث في وجهة لا تتفق مع مسار عمله في معظم فصول الكتاب، الذي تحدث فيه عن لحظات صعود وقوة وفتوة، فوجئنا في فصلها الأخير أنها ثوب قشيب لشيخوخة تصارع الزمن؟!.
|