|
| استهداف سوريا جزء من استهداف المنطقة |
لن يرحل صانع الحروب الحديثة في مسيرة عسكرة الهيمنة الأمريكية بوش الابن قبل أن يصنع كل ما في وسعه وبأي ثمن للتغطية ولو جزئيا على القدر الكبير من الأذى الذي ألحقه ببلده والسمعة السيئة التي ألحقها بنفسه. ولن يقصّر أولمرت وريث شارون، عن الإقدام على أيّ عمل يحاول من خلاله قبل حلول موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة للتغطية ولو جزئيا على القدر الكبير من زعزعة أسطورة التفوق العسكري المطلق إقليميا بعد أن أهانتها المقاومة الوطنية الفلسطينية واللبنانية في ساحات المواجهة المباشرة.
توقعات لا تكهنات
إنّ السؤال عن جولة عسكرية مقبلة لا يُطرح في صيغة هل ستقع فعلا أم لا، بل متى تقع من شهور عام 2008م، وكيف ستقع في إطار صهيوأمريكي مشترك، ومن تكون الجهة المستهدفة بها لضمان تحقيق الغرض المطلوب بأقصى درجات الضمان وفق المقاييس العسكرية العدوانية.
تكرار ارتكاب مغامرة عسكرية كبرى على غرار حرب غزو أفغانستان أو حرب احتلال العراق مستبعد، وارتكاب مغامرة عسكرية بأهداف محدودة دون مستوى الغزو والاحتلال كما دار الحديث طويلا بصدد استهداف إيران أصبح مستبعدًا إلى حدّ كبير، وارتكاب الجرائم ضدّ المقاومة الفلسطينية مع عدم استبعادها ضدّ المقاومة اللبنانية أمر واقع ولا يؤدّي الغرض المطلوب أمريكيا وإسرائيليا. وهذا بعض ما يجعل ترجيح القيام بعمل عسكري واسع ضدّ سوريا، الأشبه بحلقة الوصل الأساسية فيما يوصف بمحور إيران-سوريا-المقاومة، ترجيحا لا يقوم على تكهّنات قدر ما يقوم على توقّعات، لا ينبغي النظر فيها بمقاييس "المنطق" السياسي والعسكري وحده، فليس هذا المنطق وحده ما يحكم قرار تنفيذ عمل عسكري لتحقيق ما يراد أمريكيا قبل رحيل بوش، وإسرائيليا قبل أن يصبح سقوط أولمرت في انتخابات مقبلة محتما.
إنّ توقيت تنفيذ عمل عسكري ضدّ سوريا، وتحديد حجمه ومداه، لم يعد خاضعا لعوامل مناورات ما، من جانب سوريا أو سواها، في صيغة محاولة دفع هذا التوقيت إلى ما بعد عام 2008م، وبالتالي إلى ما بعد زوال العنصر الأساسي المحرّك لها في التركيبة السياسية الأمريكية والإسرائيلية حاليا. بل على النقيض من ذلك، أصبح الحرص على اختيار توقيت قريب أشبه بضرورة التحرّك بالمنظور الصهيوأمريكي قبل فوات الأوان، أي قبل انقضاء عام 2008م.
العوامل التي يجب النظر فيها خارجة عن منظور أي مناورات سوريا سابقة أو لاحقة، والتي ربما كان من بينها الاشتراك في مؤتمر أنابوليس دونما فائدة، والإعلان بعد المشاركة أنّه كان بلا فائدة، ولكن بعد إثبات الاستعداد للقبول بما يريده الطرف الإسرائيلي تحت عنوان "سلام وتطبيع" إذا أمكن الحصول على الثمن الذي لا يستطيع أي حكم في سوريا القبول بأقلّ منه، وهو استعادة هضبة الجولان المحتلة، حتى حدود 1967م. هذا الثمن كان مرفوضا وبقي مرفوضا، أي أنّ الطرف الأمريكي والإسرائيلي لم يكن على استعداد لمجرّد قبول ذلك كمبدأ، رغم ما سبق وطرحه الجانب السوري من استعداد للتفاوض حول مسائل معلنة أمنية عسكرية مثل تحديد الوجود العسكري والأمني السوري نفسه في الجولان على غرار ما كان ولا يزال في سيناء، أو حول مسائل غير معلن عنها رسميا مثل فصل الموقف السوري عن وجهه العربي الذي يتعامل مع قضية فلسطين على أساس أنها قضية مشتركة، لا يمكن اختزالها إلى نزاع فلسطيني-إسرائيلي.
مؤشرات العدوان
بعد مؤتمر أنابوليس اتضحت الأمور أكثر من ذي قبل، وبدأت الممارسات الإسرائيلية على المحور الفلسطيني تؤكّد الثبات إسرائيليا وأمريكيا على مسألة بقاء احتلال عام 1967م قائما وتحويله إلى ما أصبح عليه احتلال عام 1948م، جنبا إلى جنب مع توظيف مفاوضات لانهائية على ما يسمّى "المرحلة النهائية"، والمطلوب مرحليا هو ترسيخ واقع الانقسام الفلسطيني، بما يخدم هدف الاحتلال الاستعماري الاستيطاني.
وقد كانت السياسة العدوانية الإسرائيلية قائمة منذ البداية على تكسير الجبهة الإسلامية فالعربية فجبهة المواجهة لتصل الآن إلى محاولة تكسير جبهة المقاومة، المنفردة عسكريا في الميدان، فلم يكن السؤال أين يمكن تحقيق السلام أولا، بل أين يُفرض أولا واقع جديد عبر عمل عسكري. هل يكون على الجبهة الفلسطينية مباشرة، أم جبهة لبنان التي نشأت من حيث لا يحسبون، أم الجبهة السورية التي انفرد الميدان بها عربيا؟..
1- بعد مؤتمر أنابوليس حُسم الجواب على هذا السؤال على الأرجح، وبات المطلوب هو إطالة أمد الواقع القائم المضني للجبهة الفلسطينية، إلى ما بعد توجيه عمل عسكري عدواني ضدّ سوريا، للتفرّغ من بعد للجبهتين اللبنانية والفلسطينية.
2- هذا ما يؤكّده أيضا تجدّد العرقلة الأمريكية المباشرة عبر الركائز المحلية في لبنان، كيلا يتمّ الوصول إلى حلّ لأزمة الرئاسة اللبنانية بصيغة تحقق قدرًا من الوحدة الوطنية أو الوفاق الوطني، أي دون أن يكون حل الأزمة على حساب المقاومة. وما دام هذا الهدف الأمريكي مستحيل التحقيق لفترة زمنية طويلة، أي إلى أواخر عام 2008م، الحاسم أمريكيا وإسرائيليا، فمن الأرجح أن يكون التوقيت لعمل عسكري ضدّ سوريا في النصف الأول إن لم يكن الربع الأول من العام الميلادي الحاسم.
3- هذا ما يؤكّده أيضا التبدّل الملحوظ في التعامل مع إيران، وإن كان لا يعني الوصول إلى تفاهم كامل أو إلى القبول باستمرار مسيرة البرنامج النووي في إيران حتى يصل إلى مرحلة حاسمة في جعلها "قوة نووية". إنّما تسمح مرحلية هذه المسيرة بتأجيل المواجهة إلى مرحلة مقبلة، تتهيّأ لها ظروف أخرى، لا تقتصر على تثبيت وضع جديد لتجزئة العراق، ومضاعفة جهود حلف شمال الأطلسي لردّ الاعتبار لقوته أمام "فلول" طالبان بأفغانستان، بل تشمل أيضا احتمال تحييد سوريا وبالتالي دورها صلة وصل بين إيران والمقاومة في لبنان على الأقل.
4- هذا ما يؤكّده أيضا الأسلوب الذي اتبع في تبديل معالم السياسة الغربية ضدّ إيران، فتقرير المخابرات الأمريكي الذي اكتمل إعداده قبل الإعلان عنه بعام على الأقل، تحوّل الإعلان عنه في هذا التوقيت إلى إجراء مقصود لتحقيق عدّة أهداف دفعة واحدة، منها التأكيد لقوى دولية أخرى أنّه لم يعد يوجد ما يستدعي التخوّف من عمل عسكري أمريكي واسع النطاق ضدّ إيران قبل رحيل بوش الابن. ومنها أيضا محاولة الوصول إلى صفقة ضمنية على الأقل لتحييد إيران، قد يكون من جوانبها أيضا تقبّل نفوذها في العراق، والانفتاح الجزئي عليها من جانب بلدان الخليج ومصر. ومن المستبعد أن تكون إيران من الأصل على استعداد للمشاركة في مواجهة عسكرية مباشرة إذا ما تعرّضت سوريا إلى عمل عسكري عدواني واسع النطاق، ولكن يمكن لتلك الخطوات أن تعزّز هذا الموقف.
5- الساحة الأوروبية في الوقت الحاضر أكثر استعدادا للقبول بعمل عسكري ضدّ سوريا ممّا كانت عليه من قبل، ليس بسبب ما أضيف إليها من عنصر عدواني ضدّ سوريا والمنطقة عموما بعد وصول ساركوزي إلى منصب الرئاسة الفرنسية فحسب، بل لأنّ ما تخشاه الدول الأوروبية علاوة على ذلك هو في الدرجة الأولى نشوب حريق الحرب على نطاق واسع في المنطقة المجاورة لها، فإذا وصلت إلى الاقتناع بأنّ العدوان المرجّح ضدّ سوريا لن يؤدّي إلى اشتعال الحريق إقليميا، فلن تتردّد عن دعم مباشر أو غير مباشر لهذا العدوان، والحدّ الأدنى أنّها لن تقف حجر عثرة ضدّه كما بدا من موقفها جزئيا عند اندلاع حرب احتلال العراق.
6- لا يوجد في الساحة الدولية في الوقت الحاضر ما يمكن التعويل عليه بالمنظور السوري، برغم كثرة الحديث عن موقف إيجابي روسي على وجه التحديد، فالصين الشعبية يمكن أن تعترض كلاميا في حدود ما لا يقوّض علاقاتها مع الغرب عموما، ولا يشغلها عن الساحة الإفريقية المفضلة لتحرّكها في الوقت الحاضر، كما أنّ موسكو تركّز اهتمامها الأكبر على قضايا أخرى، مثل جيورجيا وحوض بحر قزوين، وتثبيت أسس تعاون جديد بين الأقطاب الآسيويين، والحدّ من الزحف الغربي الأطلسي شرقا لا سيما عبر الخلاف على مستقبل كوسوفا، كما يعتبر الوضع الداخلي الروسي عنصرا حاسما قبيل انتخابات الرئاسة في آذار/ مارس 2008م.
7- الأهمّ مما سبق، أن القوى الدولية، بما في ذلك الاتحاد الروسي والصين الشعبية، لن تتخذ في قضية سوريا موقفا أبعد مدى فيما يوصل إليه على أرض الواقع، أي ما يتجاوز الاعتراض الكلامي إلى تحرّك فعلي مضاد، ما دامت ترصد أنّ تعامل الدول العربية مع سوريا حتى الآن، وربما إلى ما بعد عدوان عسكري مرجح، لا يخرج عن الاعتراض الكلامي، بل يقترن هذا الاعتراض الكلامي بمشاركة مباشرة من جانب دول عربية رئيسية في كثير من الإجراءات المضادة لسوريا، بدءا بالمقاطعة المالية على مستوى يتنامى تدريجيا، مرورا بضغوط عربية للمشاركة في مؤتمر أنابوليس دون مقابل واضح للعيان، انتهاء بتبني السياسات الغربية في لبنان على حساب وحدته الوطنية وعلى حساب السياسات السورية في وقت واحد.
نهاية المناورات
إن خطر عدوان صهيوأمريكي يُدبّر كان قائما منذ سنوات، أجّلته أكثر من مرة عوامل مختلفة، منها اضطرار حكومة بوش الابن الأمريكية إلى ترميم ما فسد من علاقاتها مع القوى الدولية الأخرى، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، وقد حققت ذلك نسبيا بصورة ملحوظة، ومنها انكسار العمود الفقري للحروب الأمريكية ما بين أفغانستان والعراق والصومال وما يسمّى جبهة الإرهاب، ومنها الهزيمة العسكرية الإسرائيلية في لبنان، ومنها أيضا مناورات سياسية سورية متوالية منذ ظهور معالم التحوّل في الموقف الغربي من التفاهم الضمني على الوجود السوري بلبنان مع ما يعنيه من موقع سوري متميز عربيا، إلى موقف العداء والحصار.
ولكن لم تعد المرحلة الراهنة مرحلة مراهنة على مفعول المناورات، ولم تعد العوامل الأخرى تلعب دورا في تأجيل تنفيذ المخطط العدواني ضدّ سوريا قدر ما تلعب دورها في التعجيل به في عام 2008م الحاسم أمريكيا وإسرائيليا. وبينما كانت توجد في الساحة السورية داخليا أصوات عديدة تستبعد هذا الخطر، وتهوّن من شأنه، ازدادت أصوات التحذير منه في الآونة الأخيرة على مختلف المستويات.
قد تقترن أصوات التحذير بمحاولات لطمأنة النفس أو خداع الذات، بأساليب حماسية، أو بنشر معلومات تدعم تلك المحاولات ولو ظاهريا، فهل يمكن الاطمئنان إلى ذلك؟..
1- التأكيد المتكرّر أنّ القوات الأمريكية لن تغامر بنفسها في عدوان واسع النطاق ضد سوريا، صحيح جزئيا، ولكنّ الاحتمال الأكبر هو أن تكون الآلة العسكرية الإسرائيلية هي الأداة التنفيذية المباشرة لعدوان صهيوأمريكي، وتتولّى القوات الأمريكية في العراق وعبر البحر دعما "واسع النطاق" لتبلغ الآلة الإسرائيلية أهدافها من جهة، وللحيلولة دون تعرّضها لقوة ضاربة مضادّة فعّالة من جهة أخرى.
2- التأكيد المتكرّر أنّ سوريا أصبحت تملك قدرة صاروخية ضاربة لا يستهان بها، صحيح جزئيا، ولكن يبقى ثابتا في أي حرب نظامية أنّ مثل هذه القدرة يمكن أن تؤذي العدو لا أن تشلّ قدرته العسكرية لضرب البنى التحتية والقوات العسكرية عمومًا، لا سيما إذا ساهم الدعم الأمريكي في الحدّ من مفعول القدرة الصاروخية الإسرائيلية، وحقّق العمل العسكري الإسرائيلي أهدافه خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا.
3- التأكيد المتكرّر أن التدريبات العسكرية السورية أصبحت تجمع ما بين التدريب المعتاد في القوات النظامية التقليدية وبين تدريب جديد على استخدام القوة العسكرية المتوافرة بأساليب المقاومة غير النظامية، على غرار ما كان في لبنان، صحيح جزئيا أيضا، ولكنّ ما تحقق من تدريب وإعداد في لبنان امتد لعدة عقود، وليس لعدة أشهر أو سنوات، وتميّز بعدم خضوعه لعدد من العوامل السياسية والعسكرية التي يفرضها التحرّك باسم الدولة والحكومة القائمة فيها، ولا يسري هذا على الوضع في سوريا.
الخطر على سوريا قائم ويزداد ظهورًا للعيان، كما يزداد داخل سوريا حجم إدراك اقتراب توقيته بشكل واضح، ولا يمكن الجزم بهذا التوقيت، إنّما يمكن النظر في عدد من العوامل الزمنية -علاوة على ما سبق- للاقتراب أكثر من ترجيح موعده، ومن ذلك على المستوى العربي موعد انعقاد القمة المقرّرة في دمشق في الأصل آذار/ مارس 2008م، واستحالة استمرار عرقلة إيجاد حل توافقي للأزمة في لبنان أكثر من بضعة أسابيع وليس بضعة شهور، وهذا ما يسري أيضا على استحالة أن تستمر الأوضاع المتناقضة الصارخة على الساحة الفلسطينية ما بين مفاوضات غير مجدية وعدوان إسرائيلي متواصل إلى جانب حصار قطاع غزة وما يعنيه سياسيا وإنسانيا. كما يبرز على المستوى الدولي الموعد المفتوح في التعامل مع الملف النووي الإيراني، وموعد انتخابات الرئاسة الروسية في آذار/ مارس 2008م، واعتياد القوى الدولية على حسم العديد من ملفات الأزمات التي تخوضها قبل حلول منتصف العام الحافل بسلسلة مؤتمرات للقمة، على المستوى الأوروبي والأطلسي ومجموعة الثمانية.
هذا بعض ما يرجّح توقيت العدوان إما في الربع الأول أو في الربع الثاني من عام 2008م. وهذا بعض ما يؤكّد أنّ أخطر جوانب القصور في السياسة السورية لمواجهة الخطر الخارجي الكبير، أنّها تساهم في إضعاف الجبهة الداخلية -وهي العنصر الحاسم والمضمون الوحيد الباقي في يد سوريا- بدلا من تقويتها، لا سيما وأن العلاقة بين الحكم والمعارضة لم تعد توحي -كما كان قبل سنوات- باحتمال تفاهم على صيغة ما، قدر ما توحي أو تستعرض علنا أنّ الاعتداد بالذات من جانب الحكم بلغ درجة أقرب إلى خداع النفس أو الغرور، لا سيما تجاه معارضة بقيت ضعيفة لبقائها دون مستوى أداء المهام التي ينبغي أن تحملها على عاتقها في الأصل، ودون مستوى تقديم مبادرات عملية وعلنية لتحقيق وحدة وطنية سوريا شاملة تقوم على أسس وطيدة وعادلة، بدلا من بقائها، على مستوى الحكومة والمعارضة معا، شعارا مرفوعا دون مضمون فعّال.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|