English

 

الاثنين. ديسمبر. 24, 2007

دعوي » الدعوة والحركة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

مراجعات الجهاد (5) *

بقلم - أبو العلا ماضي

Image
أبو العلا ماضي

يقوم المرتكز السادس الذي استندت إليه جماعات العنف في تأسيس فكرها علي أساس أن غير المسلمين (كالأقباط المسيحيين في مصر) في بلاد المسلمين نقضوا عهد الذمة الذي بموجبه في مفهومهم يدفعون الجزية وعليه فدمهم مباح وكذلك أموالهم ولذلك استحلوا دمائهم وكذلك استحلوا أموالهم، ولقد كانت "الجماعة الإسلامية الجهادية" أكبر المجموعات التي قامت بهذا الاستحلال للدماء في صراعها مع السلطة وكذلك استحلال الأموال ومثالها سرقة محلات الذهب الخاصة بالمسيحيين في بعض المناطق.

وكذلك مجموعة "الناجون من النار" قاموا بسرقة محلات ذهب مملوكة لمسيحيين، وحينما قامت "الجماعة الإسلامية" بمراجعاتها راجعت فكرة الاستحلال تلك وغيرتها واعتبرتهم أهل ذمة حتي لو لم يدفعوا الجزية سواء بسبب عدم مطالبة الحكام بها أو إسقاطهم عنها في بعض العصور مثل الخديو اسماعيل ، ولكنهم لم يصلوا بعد إلي مفهوم المواطنة التي استقر عليه الفقه الحديث للعلماء والمفكرين الإسلاميين الوسطيين الذي يسوي بين المواطنين مسلمين ومسيحيين في الحقوق والواجبات، فماذا قال د. فضل في مراجعاته تلك بهذا الخصوص؟ لقد كان أول ذكر لهذا الموضوع في حلقاته التي نُشرت في الحلقة الثامنة ، وللعلم فإن جماعات العنف مارست عدوانها علي الأقباط المسيحيين في مصر بسببين:

السبب الأول يتعلق بالفهم الخاطئ للنصوص وتأويلها فيما يتعلق بأهل الكتاب وأهل الذمة وغيرها، والسبب الثاني : كنوع من الضغط علي السلطة وإظهارها في مظهر الضعيف عن حماية أبناء الوطن من غير المسلمين أي هدف سياسي، ولذلك في إشارة د. فضل عن هذا الموضوع في الحلقة الثامنة أشار تحت عنوان: النهي عن قتل المدنيين في بلاد المسلمين، وهي إشارة يمكن فهمها علي أنه يقصد العدوان علي المسيحيين لأنه يقول: "وقد عجز البعض عن الصدام مع هذه السلطات فلجأ إلي إزعاجها بارتكاب ما لا يحل له من قتل عامة الناس (المدنيين) لأنهم أهداف سهلة لا حراسة لهم ولا هم مسلحون".

وبالطبع لم تستهدف هذه الجماعات مدنيين مسلمين لإزعاج السلطات بل كانت تستهدف رموز الدولة وأجهزة الشرطة والمتعاونين معها من المسلمين ومن قُتل من المدنيين المسلمين كان بسبب الخطأ في الاستهداف ، أما استهداف المدنيين لإزعاج السلطات فكان للأقباط المسيحيين وكذلك السياح الأجانب وهو تكلم عن السياحة والاعتداء علي السياح بشكل مفصل وواضح في اماكن عدة من هذه المراجعات وبالطبع رفضها وهو أمر جيد.

والموضع الآخر الذي ورد فيه كلام مباشر عن هذا الموضوع كان في الحلقة العاشرة وكان بعنوان : في معاملة أهل الكتاب المقيمين ببلاد المسلمين، فهو مازال يتردد في اعتبارهم أهل ذمة أم أنهم مواطنون بنص الدستور فهو يقول: "وقال البعض (إن النصاري مازالوا أهل ذمة) ، والقول بأنهم أهل ذمة يتعارض تماماً مع مبدأ المواطنة المعمول به في هذه الدول.

وذلك لأن المواطنة تساوي بين المواطنين سكان البلد الواحد في الحقوق والواجبات، وهذا بخلاف عقد الذمة الذي يلزم أهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام بشروط تميزهم عن المسلمين وتفرق بينهم وبين المسلمين"، وهو قول غير دقيق فيما يتعلق بفهمه لأهل الذمة في الزمن القديم فهو لم يفرق بين المسلمين وغير المسلمين ولكنه فقط استثناهم من المشاركة في القتال إذا دفعوا ضريبة صغيرة فرضت علي القادر فقط و سميت "الجزية" ومن شارك في القتال سقطت عنهم "الجزية" وكان إعفاؤهم من المشاركة في القتال في ذلك الوقت لأن معظم الحروب كانت بدوافع دينية إسلامية فلم يفرض عليهم المشاركة فيها إلا من رغب فاسقط عنهم الجزية.

وكانت "الجزية" كما قال الدكتور العوّا "عقدا" وليس "وضعا" أي عقد بين طرفين يخضع لشروط العقد وبإرادة الطرفين الموافقين علي العقد، فلما تغيرت الأوضاع وسقط هذا العقد اتفق أهل البلاد من مسلمين ومسيحيين علي عقد جديد أسموه "الدستور" قائم علي المواطنة وليس أهل الذمة ، وهو يساوي كما ذكرنا في الحقوق والواجبات بين المواطنين أياً كانت ديانتهم ، وهو عقد شرعي ولا يخالف الإسلام.

ومع هذا فقد انتهي د. فضل بهذا الشأن في نفس الحلقة العاشرة إلي "وجوب معاملتهم ( أهل الكتاب المقيمين ببلاد المسلمين) بالحسني وعدم التعرض لهم بأذي ونصح جميع المسلمين بذلك" لأسباب عددها ، ونصح كذلك نصاري مصر بمعاملة المسلمين بالحسني وأكد علي أن نصاري مصر لهم وضع خاص فقد أوصي بهم الرسول صلي الله عليه وسلم وانتهي كذلك في نفس الحلقة إلي عدم وجوب قتل كل اليهود والنصاري بالجملة الذي يسميهم البعض بالصليبيين وانتهي إلي أن القتال الصحيح هو علي من اعتدي منهم فيما سمي "جهاد الدفع".

كذلك من المرتكزات التي أسست للعنف في تلك الجماعات هو استخدام فتاوي قديمة في ظروف مختلفة واسقاطها علي واقع حديث وظروف مختلفة أيضاً ، مثل فتوي الإمام ابن تيمية في قتال التتار ، فيما عُرف في كتابات محمد عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة" وكذلك "الجماعة الإسلامية" ببحث "وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن تطبيق شريعة من شرائع المسلمين".

فالدكتور فضل أفرد حلقة كاملة عن هذا الموضوع ( الحلقة الثانية) فهو يشرح فيها أهمية العلم بالشرع وكذلك أنه لا يجوز لغير المؤهلين شرعياً من أفراد الجماعات الجهادية تنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة علي واقعنا الحاضر ، وكذلك لا يجوز الفتوي إلا للمؤهل لذلك ، ويؤكد علي أن الفتوي تتغير بتغير الأزمان والأحوال ، ولا يجوز نقل الأحكام وفتاوي من غير المؤهلين عن طريق شبكة المعلومات الدولية ( internet) لأنها جلبت صداماً في غير موضعه وأطلقت أحكاماً علي الأنفس والأموال غير صحيحة ، وهي مراجعة معقولة في هذا الجانب وإن لم تكن مفصلة تفصيلاً كبيراً كما ورد في كتاب صدر عن "الجماعة الإسلامية" مؤخراً بعنوان "فتوي الإمام ابن تيمية عن التتار دراسة وتحليل" ولعل ذلك يحدث في استكمال هذه المراجعات في المستقبل بإذن الله.

بقي أن نقول أن مجموعات الجهاد التي انتشرت وتأثرت بأفكار مثل أفكار د.سيد إمام (د.فضل) فكل أفكاره كانت منتشرة في بلاد عربية وإسلامية عديدة وفي بلاد غربية كذلك ، ولهذا مارست ما عُرف "بالإرهاب الدولي" ، أو ما أسموه هم "الجهاد الدولي" ؛ ولذلك أفرد
د.فضل مساحة كبيرة في مراجعاته لهذا النوع من "الجهاد" وفند كل مزاعمه وهو أمر محمود
(ففي الحلقة السابعة كلها يتحدث فيها عن هذا الموضوع وجزء من الحلقة الثامنة) وفيها ينهي عن الغدر لمن دخل بلاد الأجانب بإذنهم واعتبر أن العمليات التي تتم من هذه المجموعات في بلاد الأجانب غدر لا يجوز شرعاً .

وأقر بخطأ الجرائم التي ارتكبها بعض المسلمين في بلاد المهجر من تفجيرات وقتل وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة والاحتيال للاستيلاء علي الأموال والاحتيال علي شركات التأمين والهروب من المساكن قبل دفع الإيجار وتسديد فواتير التليفونات وغيره بحجة أنهم كفار وقال:" نعلم أن هذا كله حرام لا يجوز شرعاً وهو غدر والغدر نفاق ومن الكبائر."

ونهي كذلك عن قتل المدنيين في تلك البلاد وإن كان مازال يسميها " بلاد الكفار" وهي تسمية تحتاج لمراجعة أيضاً.

ويؤكد علي نفس المعني في الحلقة الثامنة بقوله "إنه ليس من المروءة أن تنزل بقوم ولو كانوا كافرين غير معاهدين يأذنون لك في دخول دارهم والإقامة بها ويؤمنونك علي نفسك ومالك ويمنحونك فرصة العمل أو التعليم لديهم أو يمنحونك حق اللجوء السياسي مع الحياة الكريمة لديهم ونحو ذلك من أعمال المعروف ثم تغدر بهم تقتيلاً وتخريباً."

كما أفرد كما سبق أن أشرنا إلي حرمة قتل السياح الأجانب في بلادنا بتأويل من التأويلات وهو أمر محمود أيضاً في هذه المراجعات.

ملاحظة ختامية:

أود التأكيد علي ما أشرنا إليه من أن هذه المراجعات خطوة إيجابية وشجاعة ، ولكنها بدائية تحتاج لاستكمال وتطوير وانضاج كما فعلت "الجماعة الإسلامية" في مراجعاتها في مراحلها الأخيرة ، ولست من المشككين في هذه المراجعات ، ولكن مع الترحيب بها وتشجيع الاستمرار فيها مع نقد ما فيها من قصور ونقص حتي تستكمل لوجه الله ولصالح الوطن والبشرية كلها.

والله من وراء القصد


وكيل مؤسسي حزب الوسط

* نقلا عن موقع "المصريون" بتاريخ 23-12-2007 .

 

ابحث

بحث متقدم