|
| د. عثمان عبد الرحيم |
المطالع لوثيقة الدكتور فضل -يلمس بكل وضوح- أنها كتبت على أسس وقواعد منهج التأصيل الذي يربط الجزئيات بالكليات والفروع بالأصول، ثم التفريع عليها بمسائل يقيد فيها المطلق، ويخصص العام أو يصحح الخطأ، وترد الشبهة مع استخدام قواعد أصول الفقه وأدلته في فهم الأحكام الشرعية وتخريجها ومعرفة أوضاعها والمزاوجة بين دلالة النص ومراعاة المقصد.
فلقد تحدث في مقدمة موجزة عن السياق التاريخي الذي أوصل الأمة الإسلامية إلى ما هي الآن ثم عن دين الإسلام الذي يعني الاستسلام والانقياد الكامل لشرع الله سبحانه، ثم تطرق بأسلوب تأصيلي علمي إلى شروط أهلية التكليف في الإسلام، وأهمها العلم ثم فرع على قضية العلم ضوابط وكليات ضابطة للاجتهاد في مقام الجهاد فيما يقرب من 40 قاعدة ما بين أصولية ومنهجية في فهم الأحكام الشرعية، وهكذا مضت الوثيقة في كل باب تناولته تبدأ بالأصل والحديث عنه ثم تتناول الضوابط في ضوء هذه الكليات العامة.
ولا شك أن صياغة وثيقة (الترشيد) بهذه المنهجية تعد تطورا مهمًّا في العقلية المنهجية لدى دعاة الخطاب الجهادي التي كانت تقوم أساسا على استلال الفروع أو الجزئيات ونزعها من سياقاتها العامة والتاريخية والمنهجية، وإخراجها في صورة (أبحاث) علمية مجتزأة من خلال ما يعرف بـ(منهجية الأبحاث) التي تتمحور حول تأصيل جزئية معينة من الفكر العام للجماعة بهدف تأصيلها وتعزيزها والإيهام بشرعيتها كجزئية (شرعية استهداف مسئولي الدولة) في بحث (شرعية الاغتيالات)، وتقرير جواز قتل رجال الجيش والشرطة في بحث (قتال الطائفة الممتنعة عن تحكيم الشريعة) و(الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث) وتكفير الجيش والشرطة في بحث (الإيضاح والتبيين في أن الحكام الطواغيت وجيوشهم كفار على التعيين)، وجواز قتل المسلمين تبعا في بحث (حكم استهداف أئمة الكفر وهم مختلطون بالمسلمين) وغير ذلك من الأبحاث العلمية التي صنفها قادة الجماعات الإسلامية لرسم خطوط الفكر العام للجماعة أو التنظيم.
ولعل سبب لجوء الخطاب الجهادي إلى الأبحاث المنفصلة ليصوغ من خلالها مكونات فكره هو حالة الجفاء والتيبس التي أصابت علاقتهم بالعلماء؛ وهو ما جعل تلك الجماعات في حرج شديد لافتقادهم مرجعية علمية تؤصل منهجهم وتقر اجتهاداتهم؛ فرأت تلك الجماعات أن تعالج هذا الخلل الخطير –وهو فقدان المرجعية العلمية- بالبحث العلمي، وتحرير مواضع النزاع والخلاف وحسمها من خلال أبحاث شرعية وفكرية تقوم بها كوادرها العلمية والتنظيمية؛ علها أن تدرك ما فاتها من جفوة العلماء، وبذلك أصبحت تلك الجماعات مسيرة بفكر الأبحاث وليس بفكر العلماء، وفرق كبير بين الفكرين.
ومعلوم أن التحقيقات العلمية أو الأبحاث الشرعية وإن كانت ذات أهمية في حسم الخلاف في المسائل العلمية والفروع الفقهية والوصول فيها إلى قناعة أيا كانت درجتها من الصحة والقبول.. فإنها لا ترقى إلى درجة أن تجسد فكرا حيا أو مشروعا متكاملا للتغيير، تسخر له الإمكانيات من أفراد وأموال وجهود بعيدا عن العلماء؛ لأنها في الغالب أبحاث علمية محضة مجردة عن مناطها التطبيقي، وبعيدة عن سياقها التاريخي، والتعيين الواقعي، بالإضافة إلى أنه لا يؤمن على تلك الأبحاث من غلواء التعصب الحزبي والصراع المذهبي من ممارسات سلبية تنأى بالبحث بعيدا عن إدراك الصواب كبتر النصوص، وحملها على غير محملها، وإلزام المخالف بلازم قوله ومحاكمته إليه.
تلك المنهجية التي لا تتفق مع المنهج المعتمد في دراسة العلوم الشرعية التي "لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليل منها أي دلـيل كان، وإن ظهر لبادي الـرأي نطق ذلك الدلـيل فإنما هو توهمي لا حقيقي".
كما أن خروج وثيقة الدكتور فضل في صورة (ترشيد) علمي يحمل أصولا عقدية وعلمية وضوابط منهجية أسداها إلى شباب الأمة دون أن تحمل معها تلك الصورة روح (المراجعة) التي خرجت بها مبادرة الجماعة الإسلامية جعلها غير ذات حاجة إلى ما احتف بمراجعة الجماعة الإسلامية من تبريرات أو تخريجات علمية أو فكرية لدفع هواجس المقايضة الأمنية أو الصفقات الخفية، إلا ما كان من شبهة ولاية الأسير حيث تعرض بالرد عليها؛ وذلك ليدفع فقط عن وثيقته شبهة الإكراه، إضافة إلى عراقة هذه الشبهة في طبيعة العلاقة بين الجهاد والجماعة الإسلامية التي لم ترض بولاية عبود الزمر اعتمادا على هذه القاعدة، كما لم يرتض الجهاد إمارة الدكتور عمر عبد الرحمن بناء على قاعدة: "لا ولاية لضرير".
تراجع الإسلامية وتأصيل الجهاد
وبمقارنة وثيقة الدكتور فضل بمراجعات الجماعة الإسلامية نجد الفارق كبيرًا والبون شاسعًا؛ فمراجعات الجماعة لم تكتب على هذا النحو التأصيلي وإنما توجهت بالأساس إلى منهجية التراجع الشمولي الناسخ لكل مفردات الفكر -ثابتة ومتغيرة- بصورة تتناول أصول الفكر ومحاوره الرئيسة فيتوجه إليها النقد موضعا موضعا حتى يقوم بهدمها، ويأتي عليها جميعا، ثم يقيم فكرا جديدا، وقد بدا ذلك واضحا من أول بيان للجماعة في 1997 حينما نص على إلغاء (كافة الكتب والبيانات المحرضة على العنف والداعية إليه).
أما وثيقة الدكتور فضل فنستطيع القول بأنها ليست من قبيل ما يعرف بـ(المراجعات) التي تعني التخلي عن أفكار وقناعات وركائز فكرية ونبذ كل ما يدعمها من أدبيات وإصدارات وبيانات، والدليل على ذلك:
- تسمية ما طرح الدكتور فضل بـ(وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم) في حين أطلقت الجماعة الإسلامية اسم (المراجعات)على مجمل أفكار ما بعد المبادرة واشتهارها بذلك وإقرار قيادتها.
- تمسك الدكتور فضل بكتبه السابقة وتبنيه لكل ما فيها مع إرجاع الخلل في فهمها إلى النظر إليها باعتبارها فتاوى للواقع المعاصر أو اعتباره هو مجتهدا أو حدوث سرقات قام بها البعض؛ حيث قال ما نصه: "قد كتبت كتبًا إسلامية من قبل وإنني لست عالما ولا مفتيا ولا مجتهدًا في الشريعة، وما في كتبي ليس من باب الفتوى وإنما هو مجرد نقل العلم إلى الناس، وهذا لا يشترط له بلوغ مرتبة الاجتهاد"، في حين نبذت الجماعة الإسلامية كل ما كتبته وسطرته في مرحلة انتهاج العنف سبيلا للتغيير، ومن أهمها: (ميثاق العمل الإسلامي)، و(حتمية المواجهة)، و(قتال الطائفة).
- اعتباره لما ورد في وثيقته من جنس الضوابط المنهجية التي أخذ أغلبها من علم أصول الفقه حتى لا يتم فهمها فهما خاطئا، وليست إلغاء لكل ما سبق؛ فقد ذكر أن الوثيقة "إنما هي مسائل فقهية عامة بأدلتها الشرعية للتنبيه على مخالفات جسيمة ترتكب بدعوى الجهاد في سبيل الله".
قوة الزخم وضعف الأثر
لا شك أن ثمة أثرا لوثيقة الدكتور فضل على واقع الخطاب الجهادي في الساحة الفكرية المعاصرة وإن اختلفنا في حجم هذا الأثر ما بين مضخم ومهون، غير أنني أرى أن هذا الأثر ليس بالصورة التي يتوقعها الكثير ممن هاله الزخم الإعلامي الذي رافق صدور هذه الوثيقة.
ولعل أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف أثر وثيقة الدكتور فضل في رأيي تتلخص في النقاط الآتية:
- أنّ المشكلة المرتبطة بجماعات العنف ليست ذات طابع فكري بقدر ما هي نتاج عوامل موضوعية اجتماعية وسياسية وأزمة (بنيوية) خلقت الظروف المناسبة لنمو وصعود هذا التيار؛ فالأفكار ليست هي العقدة الحقيقية التي ترتبط بوجود حالة من الفراغ الإستراتيجي الناجم عن عجز عام في الوضع الحالي عن مواجهة التحديات.
-على الرغم من أن كتب الدكتور فضل لا تزال تدرّس في شبكة القاعدة؛ فإنّ هنالك تنظيرًا جديدًا قد تجاوزها، وبرزت أسماء جديدة أخرى (أبو محمد المقدسي، أبو أنس الشامي، مصطفى أبو حليمة، أبو بصير الطرطوسي)، تتوازى أفكار هؤلاء مع حالة التطور الحركي التي وصلت إليها القاعدة.
- سبق للجهاديين التعامل مع مثل هذا الموقف من قبل، حينما صدرت مراجعات الجماعة الإسلامية، وبينوا موقفهم منها القاضي بأن (الحق أحق أن يُتبع، وأنه لا عصمة لأحد من البشر بعد رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وأنه لا مانع من مناقشة المتراجعين في بعض ما ذهبوا إليه وتمحيص الحق بالدليل الشرعي)، وفرقوا بين المراجعة والتراجع في كتاب "هشيم التراجعات"؛ وهو ما يدل على أن ما ورد في وثيقة الدكتور فضل ليس جديدا على مسامعهم، وسبق لهم التعامل معه؛ الأمر الذي سيقلل من أثر هذه المراجعات على مجمل منتسبي الفكر الجهادي.
- ما حدث لمجمل الفكر الجهادي من تطور وتجديد انتقل به من مرحلة المحلية (العدو القريب) إلى مرحلة العالمية (تنظيم القاعدة) جعل طرح (جماعة الجهاد) يبدو طرحا فكريا قديما غير متوائم مع المعطيات الدولية والعالمية، وهو الفكر الذي أسقط الدكتور فضل عليه مراجعاته الأخيرة.
الولاية الحركية
وثيقة الدكتور فضل لم تصدر من رأس حركي أو أمير تنظيمي، وإنما صدرت من منظِّر فقهي وشرعي لجماعة الجهاد ليست له أدنى ولاية حركية على كوادر الجماعة؛ فقد ترك فضل جماعة الجهاد منذ عام 1993 بل ونص على (إنني لم أدع الولاية على أحد، ولا ألزم أحدًا بقولي باسم السمع والطاعة للقيادة؛ فهذا شيء لا وجود له، وإنما أنا مجرد ناصح وناقل علم وأطالب المسلمين بطاعة الدليل الشرعي لا بطاعتي)، ومن ثم فإن أهمية الوثيقة لا تعود إلى الموقع التنظيمي للشيخ فضل في جماعة الجهاد المصرية بقدر ما تعود إلى:
- الزخم الإعلامي المقصود الذي سبق الوثيقة، وما رافق صدورها من حراك إعلامي وفكري تكرر خلاله ما سبق طرحه وتناوله حينما أطلقت الجماعة الإسلامية مبادرتها من نوع (مستقبل جماعة الجهاد، أثر الوثيقة على القاعدة، تعامل الدولة مع جماعة الجهاد... إلخ).
- رمزية الدكتور فضل التاريخية في الحقل الجهادي، وكونه من أهم المنظرين لفكر الجهاد في العالم.
- خروج الوثيقة من جعبة جماعة الجهاد التي يعد مبدأ (الجهاد) محورها الفكري وأساس منهجها الحركي الأصيل، وعليه تقوم الجماعة، ومن أجله انتصبت وقامت، بخلاف الجماعة الإسلامية التي يعد مبدأ (قتال الطائفة) أحد مرتكزاتها الفكرية المتعددة (الدعوة، الحسبة، الجهاد)، وليس محورها الرئيس الذي تمارسه ابتداء، وإنما دفعت إليه كردة فعل لما تعرضت له من تضيق أمني في الفترة من 90-95، ووسيلة ضغط لتلبية مطالبها الأساسية وهي (الإفراج عن المعتقلين، إفساح المجال للدعوة، وقف الاعتقال التعسفي والتعذيب).
من هنا جاءت أهمية وثيقة الدكتور فضل التي تتمحور حول القضاء على فكرة (العنف) من جذورها، ومن خلال مدرستها الأولى والعريقة.
أما الولاية الحركية فإنها أشد ما ميز مراجعة الجماعة الإسلامية؛ لأنها تنقسم إلى شقين: شق عملي سمي بمبادرة وقف العنف، وشق علمي سمي بالمراجعات التي تمثل حالة (تراجع فكري) تقوم به (جماعة) بكل صفوفها على أعلى مستوياتها القيادية والفكرية والتاريخية داخليا وخارجيا تلملم به ما تبقى من كوادرها؛ الأمر الذي جعل تجربة الجماعة الإسلامية تكتسب الأهمية لأمور عديدة، من أهمها:
- أن هذه أول مرة في التاريخ المعاصر تراجع فيها جماعة أسلوب العنف الذي تتخذه طريقا إلى التغيير، وتقوم بعملية نقد ذاتي صحيح.
- تم في المبادرة -ولأول مرة في تاريخ الحركة الإسلامية- حل الجناح العسكري والتنظيم السري للجماعة الإسلامية.
- حدوث إحلال وتجديد في مجلس شورى الجماعة بإخراج تيار الصقور (رفاعي طه - مصطفى حمزة)، وإحلال قيادات أخرى معروفة بالمرونة واللين.
- هذه أول حركة إسلامية تعترف بكل العلميات التي قامت بها؛ فلم تقل: إن الدولة هي التي دبرتها من أجل الإيقاع بها، ولم تعترف بنظرية المؤامرة التي تسود على نطاق واسع في الحركات الإسلامية والعربية والقومية.
- تعد مبادرة الجماعة الإسلامية أول سابقة في تاريخ الحركة الإسلامية منذ مائة عام يترسخ فيها مفهوم المراجعة الشرعية والفقهية.
دوافع الوثيقة والمراجعات
حينما نطالع وثيقة الدكتور فضل ونحاول أن نقف على الدوافع المهمة التي حضته على إخراج تلك الوثيقة نجد أنها لا تخرج عن كونها دوافع فقهية وأصولية، من أهمها:
- بيان أن الدكتور فضل حين كتب أدبياته السابقة كتبها بنفَس طالب العلم الناقل للعلم الشرعي وليس بنفَس الفقيه العالم المجتهد الذي يطابق بين الحكم الشرعي والواقع المعيش.
- التأكيد على بعض الضوابط العلمية الأصولية التي لا بد منها في فهم نصوص القضايا المصيرية للأمة؛ كالجهاد وغيره من قضايا السياسية الشرعية، ومن أهمها أنه (أنه لا يجوز لغير المؤهلين شرعيا من أفراد الجماعات الجهادية تنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة على واقعنا الحاضر).
بيان عدم اعتبار شرعية أعمال العنف وعدم جوازها شرعا، غير أن الملاحظ على وثيقة الدكتور فضل أنه لم يرجع عدم إيجازه للعمليات القتالية إلى (شرعية المبدأ نفسه)، وإنما رفضها لأسباب أخرى من أهمها:
- غلبة المفسدة المترتبة على تلك الأفعال. - افتقاد تلك العمليات للمقومات والشروط والضوابط.
- انعدام الظروف المحيطة بواقع الجهاد (القدرة في الجهاد لا تنحصر في ذات المسلم كالقدرة البدنية والمالية، وإنما تتعداه إلى واقع الظروف المحيطة به من الموافقين والمخالفين).
- الدافع الأخلاقي؛ حيث قال: "إنه ليس من المروءة أن تنزل بقومٍ ولو كانوا كافرين غير معاهدين يأذنون لك في دخول دارهم والإقامة بها، ويؤمّنونك على نفسك ومالك، ويمنحونك فرصة العمل أو التعليم لديهم، أو يمنحونك حق اللجوء السياسي مع الحياة الكريمة لديهم، ونحو ذلك من أعمال المعروف، ثم تغدر بهم تقتيلاً وتخريبا".
وبعد استقراء أهم دوافع الدكتور فضل نلاحظ الآتي:
1- اقتصارها على الدوافع العلمية وما يترتب عليها من مفاسد بمقياس فقه الموازنات وفقه النتائج والمآلات.
2- التركيز على الدافع الأخلاقي من خلال تكرار تناول تحريم الإسلام للغدر والخداع، وأن ذلك مما حرمه الإسلام، ومما يتناقض مع مبادئه ومحاسنه.
3- لم يتطرق إلى أسباب سياسية أو واقعية أو ظروف دولية.
أما دوافع المبادرة لدى الجماعة الإسلامية فيلاحظ عليها ما يأتي:
-ترى الجماعة أن عدم جواز العمليات القتالية لا يعود فقط إلى ما يترتب عليها من مفاسد عظيمة تمثلت في زيادة عدد المعتقلين والتضييق على الدعوة وإغلاق منافذها، وإنما يعود إلى عدم شرعية القتال ذاته بغض النظر عما يترتب عليه من مفاسد.
- دوافع المبادرة لدى الجماعة الإسلامية غير مقتصرة على الجانب الشرعي للقضية، وإنما تنوع ليتناول قضيتين لم يتطرق إليهما الدكتور فضل:
القضية الأولى: الظروف الدولية المحيطة بالمنطقة العربية والإسلامية؛ فقد ذكرت مبادرة الجماعة أن من أهم أسباب المبادرة ما يحيط بالمنطقة من أخطار محاولات تسييد الحضارة الغربية على حساب الهوية الإسلامية وبروز سياسة الحصار، ومن ثم الاستئصال لتجليات الظاهرة الإسلامية والخطر الإسرائيلي.
القضية الثانية: الوطنية الإسلامية؛ فقد ذكرت الجماعة أن أهم دوافع المبادرة (السعي الإسرائيلي لاستنزاف قدرات مصر كدولة لها دور مركزي في أي مواجهة مع إسرائيل في المستقبل، والخطر الناشئ من محاولات بعض دوائر أقباط المهجر لتوظيف الضغوط الدولية ضد مصر لتحقيق مكاسب غير مستحقة أو مشروعة بدعوى أن الأقباط يتعرضون لعمليات تستهدفهم من الجماعات الإسلامية والحكومة تتستر على ذلك).
وتلك هي المرة الأولى التي يبرز فيها الحديث عن قضية الوطنية والحرص على الوطن ومكتسباته بهذا الوضوح في خطاب الجماعات ذات التوجه السلفي، والتي كانت تتحاشى الحديث عن هذه القضية فيما سبق خشية الوقوع في مفهوم (الوطنية) الاستعماري الوافد، والذي يعد في أدبيات الفكر الإسلامي جاهلية نتنة تفرق الأمم، وتشرذم المجتمعات، وتعقد الولاء على ذرات رمال، وحبات تراب وحدود استعمارية مصطنعة، في حين تدعو الحركة الإسلامية فيما تدعو إلى عقد الولاء على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإلى الوحدة والاجتماع والتآلف، مهما تباعدت الديار والأوطان.
بين المراجعة والتراجع
درجة (التراجع) -إن صح التعبير- في وثيقة الدكتور فضل أخف وطأة وأقل حدة مما ورد في مراجعات الجماعة الإسلامية التي انتقدها بعض رجالها ومنظريها كعبد الآخر حماد ومحمد مصطفى المقرئ لتحولها إلى (وثيقة تسويغ) للأوضاع القائمة؛ حيث رفض المقرئ "المساس بالأصول المنهجية والثوابت الشرعية للجماعة الإسلامية، محذرا من أن هذا التحول الفكري مضر بالفكر كله".
وهذا يدل على ذكاء الدكتور فضل وعلى عمقه الشرعي والمنهجي؛ فقد أورد (قراءته) الجديدة للواقع في صورة ضوابط منهجية وقواعد كلية وصل عددها إلى ما يقرب من 40 قاعدة؛ الأمر الذي أعطى شيئا من الانسيابية الفقهية والفكرية لتقبل هذه القناعات الجديدة؛ كونها واردة في صورة ضوابط علمية لا يختلف عليها كثير من طلاب العلم، بالإضافة إلى رصد عدد من القضايا التي برز فيها أن وثيقة الدكتور فضل لم تكن بدرجة (تراجع) الجماعة الإسلامية، ولعل من أهمها:
1- عدم تراجعه عن قضية تكفير الحاكم؛ وهو ما يؤكد وجود ما يشبه الرواسب الفكرية من آرائه السابقة المتعلقة بقضية الحكام؛ حيث تجاهل بيان قناعته العلمية ورأيه الراجح في قضية (تكفير الحكام) بشكل صريح وواضح، وإن كنت أرجح شخصيا بقاء قناعته القديمة التي صرح بها في كتاب "العدة" وذلك من قوله في قاعدة تكفير الحاكم: "والجهاد ليس هو الخيار الشرعي الوحيد لمواجهة الواقع غير الشرعي"، ومن قوله أيضا: "وسواء كان ترك الحكم بالشريعة كفرًا أو كفرًا دون كفر أو معصية.. فإننا لا نرى أن الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين باسم الجهاد هو الخيار المناسب للسعي لتطبيق الشريعة".
أما الجماعة الإسلامية فإنها تراجعت عن موقفها السابق وهو تكفير الحاكم بشكل واضح في حواراتها مع مكرم محمد أحمد؛ الأمر الذي دفع عبد الآخر الغنيمي إلى الاعتراض عليهم في مقال "مراجعات حول المراجعات".
2- دفاعه عن مبدأ التكفير في الشريعة وأنه "حكم شرعي لا ينبغي الغمز واللمز فيه، ولا الاستخفاف به لتنفير الناس منه" و"لأن التكفير من أحكام الشريعة، ولا يخلو منه كتاب من كتب الفقه؛ فإن السلف رضي الله عنهم لم يطلقوا اسم (التكفيريين أو جماعة التكفير) على الخوارج".
في الوقت الذي أفردت الجماعة الإسلامية كتابا من كتبها الأربعة (حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين) للحديث عن خطورة التكفير وتسميتها (بدعة التكفير)، مع أن المعروف عن فكر الجماعة الإسلامية أن تكفير المسلمين ليس من أصول فكرها.
3- من الفروق الدقيقة التي تُبرز بوضوحٍ ذكاءَ الدكتور فضل حديثه عن أهلية من يفتي في أمر الجهاد والدماء؛ فقد جعل الحديث في مثل تلك الأمور محصورا فيمن كانت له الأهلية الشرعية والعلمية التي تمكنه من الخوض في مثل تلك القضايا، أما الجماعة الإسلامية فقد اختصت الإفتاء في قضايا الجهاد بـ(العلماء) فقط، والخلاف قد يبدو للبعض لفظيا، غير أن الممحص يجد أن كلام الدكتور فضل أدق في العبارة وأصح في التأصيل، ووجه ذلك أن المراد هو بلوغ درجة الاجتهاد والأهلية التي تمكن صاحبها من الإفتاء في تلك الأمور سواء اشتهر بين الناس أو لم يشتهر، أما قول الجماعة الإسلامية وهو قصرها على (العلماء) فإنه قد يفهم منه حصرها في فئة (العلماء) فإذا لم يتحدثوا في مثل تلك القضايا المصيرية (الإكراه أو خوف أو غير ذلك) فليس لغيرهم ممن بلغ رتبة الاجتهاد أن يتحدث فيها؛ لأنه ليس من عداد (العلماء) فقال: "ولا يجوز لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد".
4- لم يقطع ببطلان الأعمال القتالية لذاتها ولم يتطرق إلى حكم قتال الجيش والشرطة لذاته، وإنما رأى عدم جواز ذلك لافتقاده إلى (القدرة)؛ فقال: "أما أن يضع المسلم لنفسه هدفًا وإن كان في أصله مشروعًا ولكن فوق طاقته ولا يناسب حاله، ثم يسلك أي وسيلة لتحقيق هدفه غير متقيد بضوابط الشريعة.. فهذا قد قدم مراد نفسه على مراد ربه".
* دكتوراة في الشريعة الإسلامية-مدير وحدة التأصيل بالمركز العالمي للوسطية.
* نقلا عن المركز العالمي للوسطية .
|