|
| المتوسط يجمع أم يفصل بين قارات ثلاث؟ |
تشجيع التنمية الاقتصادية في منطقة البحر المتوسط.. رسم معالم فضاء الأمن المتوسطي.. الدفع بالتنمية الاجتماعية.. حماية البيئة.. التنمية المستديمة (إيكوميد).. حوار الثقافات (ميدياميد)، تلك هي الركائز الأساسية الستة التي يقوم عليها المشروع الفرنسي (مشروع الاتحاد المتوسطي)، وهي الفكرة التي يروج لها الرئيس نيكولا ساركوزي منذ دخوله قصر الإليزيه في مايو الماضي والتي تتخذ من التجربة الأوروبية نموذجًا للاتحاد، لكنها بطبيعة الحال أقل سقفًا، حيث يركز المشروع على قضايا الأمن والتنمية، وفي ذات الوقت يُعَدّ المشروع أكثر تقدمًا من ميثاق برشلونة الذي لم يثمر شيئًا ملموسًا على مدى 12 عامًا حتى الآن.
محددات مغايرة
وكما هو معروف، فإن مسار برشلونة (الشراكة الأوروبية المتوسطية) قد انطلق مع نهاية 1995 بدفع مباشر من الاتحاد الأوروبي، وضم إلى جانب الدول الأعضاء في الاتحاد وقتها، كافة الدول المطلة على الضفتين الشرقية والجنوبية للمتوسط، من تركيا إلى المغرب، إضافة إلى إسرائيل، باستثناء ليبيا التي كانت تحت مظلة العقوبات الدولية آنذاك، وارتبط بشكل رئيسي بالمناخ المحيط بمفاوضات التسوية السلمية للنزاع الشرق أوسطي، عبر دعم مشروع سلام عربي - إسرائيلي ينطلق من اتفاق أوسلو 1993؛ لتكون هذه الشراكة إطارًا إقليميًّا للحل المنشود، إلا أن كل التطلعات والآمال ارتطمت بصخور البحر، إثر توقف مشهد التسوية، وفشل دول الاتحاد في الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، ومع ذلك، فإن الدول الأوروبية تنكر ذلك، وتلقي بالمسئولية على الجانب العربي والفلسطيني على وجه الخصوص.
بيد أن مشروع ساركوزي هذه المرة لا يركز على الخلفيات السابقة، بقدر ما تحكمه محددات وأهداف يمكن عرضها كالتالي:
- كبح جماح الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا: والتي تزايدت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وأصبحت المنطقة المتوسطية الجنوبية، من وجهة النظر الأوروبية، هي بؤرة كل المخاطر من إرهاب وصراع ديني طائفي، كما أن التصدي لهذه الظاهرة هو أحد المحاور الرئيسية لبرنامج ساركوزي الانتخابي، وبالتالي يركز المشروع على فكرة التنمية الاقتصادية لدول الجنوب، من خلال تحسين ظروفها المعيشية، بما يدفع سكان تلك الدول إلى عدم التفكير في دخول أوروبا.
- استيعاب الدور التركي في منظومة بديلة عن الاتحاد الأوروبي ، تلعب فيها أنقرة دورًا محوريًّا، فعلى الرغم من الرفض الفرنسي القاطع لانضمام تركيا إلى الاتحاد، فإن باريس في الوقت ذاته لا تريد عزل تركيا، خاصة مع إدراكها لتحول الدور التركي إلى دور إقليمي محوري في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن عزل تركيا عن الكيان الأوروبي قد يدفع بتيارات إسلامية أكثر تشددًا نحو الشرق، وبما يمكن أن يحدث اختلالاً في موازين القوى الإقليمية بالمنطقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهديد المصالح الأوروبية.
- تعزيز الموقع الإستراتيجي الفرنسي، سواء في الدائرة الأوروبية أو الساحة الدولية ، خاصة بعد انحساره في الآونة الأخيرة؛ بسبب ما شهده الاتحاد الأوروبي من حالات توسيع العضوية التي بلغت حاليًّا نحو 27 دولة، وما تبعه من ضعف التأثير الفرنسي على سياسات وإستراتيجيات الاتحاد، إلى جانب ضعف الدائرة الفرانكفونية التي لم تتجاوز كونها منتدى للشراكة الثقافية، والتخوف الفرنسي المتزايد من المد الأمريكي والصيني في منطقة شمال إفريقيا، خصوصًا في ظل العقود النفطية الأمريكية الموقعة مع الجزائر، وصفقة الطائرات الحربية الأمريكية مع المغرب، الأمر الذي يقلق باريس التي تحاول من خلال المشروع استعادة دورها الإستراتيجي في دول جنوب المتوسط التي كانت محسوبة بحكم التاريخ الاستعماري منطقة نفوذ فرنسية بدون منازع.
- التطبيع العربي مع إسرائيل: يضم المشروع المزمع إنشاؤه، الدول الممتدة من ضفاف الأطلسي في موريتانيا إلى ضفاف البوسفور في تركيا، مرورًا بالدول العربية جنوب وشرق المتوسط بما فيها إسرائيل، وهو ما يعني أن التطبيع العربي الإسرائيلي سيكون شرطًا أساسيًّا للانضمام إلى الاتحاد، مما يعكس الرغبة الأوروبية والفرنسية في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وليس حلّه، بمعنى تجاوز أسباب الصراع والقفز مباشرة إلى مرحلة التطبيع، وبالتأكيد من دون حل للقضية الفلسطينية أو عودة الأراضي العربية المحتلة.
إن الهدف الفرنسي بهذا الشكل ليس غريبًا، فساركوزي معروف بمواقفه المعلنة لصالح تل أبيب، منها قوله "إنني أدافع عن حق إسرائيل في حماية نفسها ضد العدوان الخارجي، خصوصًا إذا اتخذ شكل أعمال إرهاب عمياء وجبانة، وإن ردود فعل إسرائيل على أعمال كهذه يجب أن تكون مناسبة ومتناسبة"، حسب صحيفة الجروزالم بوست الإسرائيلية. كما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في بيان رسمي أن ساركوزي سوف يزور إسرائيل وأنه تعهد لأولمرت قائلاً: "إنني صديق لإسرائيل، وتستطيع إسرائيل دائمًا الاعتماد على صداقتي"، وهو ما يبين طبيعة العلاقة الحميمة بين الرئيس الفرنسي والدولة العبرية.
مواقف متباينة
ورغم أن المشروع الفرنسي يستهدف -بالأساس- إزالة كل المعوقات أمام تنامي فرص تعظيم المصالح الأوروبية عامة والفرنسية خاصة في العالم العربي، فإنه يلقى رفضًا أوروبيًّا واسعًا وتعتبره العديد من الدوائر الغربية تغريدًا فرنسيًّا خارج السرب الأوروبي؛ إذ أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن خطة ساركوزي قد تسبب توترات متفجرة بين ألمانيا وفرنسا وتمزق الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن التعاون ينبغي أن يكون مفتوحًا أمام كل دول الاتحاد ويحصل على موافقة الجميع، وإذا لم يحدث ذلك فسيكون هناك ميل لدى دول مثل ألمانيا لأن تكون أكثر توجهًا نحو الشرق، ولدى دول مثل فرنسا لأن تكون أكثر توجهًا نحو الجنوب، وإذا حدث ذلك فسيوقظ قوى متفجرة.
ويأتي ذلك أيضًا في الوقت الذي ترفض فيه الدول الأورومتوسطية (اليوروميد) المقترح الفرنسي، وتؤكد على تمسكها القوي بالتعاون المشترك عبر عملية برشلونة، ودروها المهم لخوض التحديات المشتركة التي تواجهها المنطقة اليورو - متوسطية.
كما سارع الأتراك إلى رفض المشروع، معتبرين أن المطروح عليهم هو الانضمام للاتحاد الأوروبي، وليس مقعدًا صغيرًا في اتحاد من الدرجة الثانية، وقالوا على لسان وزير خارجيتهم: إن الاتحادين كيانان مختلفان بعضهما عن بعض.
وفي المقابل، أبدت بعض دول الشمال الإفريقي قبولها للفكرة أو الأقل إخضاعها للدراسة لتحديد موقف حيالها، فقد أعلن ملك المغرب محمد السادس، استعداده لبحث دعوة ساركوزي في إقامة اتحاد للدول المطلة على البحر المتوسط، معربًا عن أمله في حصول بلاده على دعم فرنسا للحصول على "وضع متميز" في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.
وعن موقف الجزائر، نجد أنها تحفظت على المشروع في البداية، إلا أنها سرعان ما أبدت الموافقة؛ لاعتبارات اقتصادية بحتة، خاصة في مجال المحروقات من خلال الأنبوب العابر للقارات، فقد أكد وزير شئون الخارجية الجزائرية مراد مدلسي على أن الفكرة التي يدافع عنها ساركوزي حتى قبل أن يصل إلى قصر الإليزيه تأتي لتكمل المسارات الأخرى، فهي خطوة إضافية، وإذا كان المشروع المطروح اليوم يهدف لتنفيذ مشاريع تنموية مشتركة في منطقة المتوسط فإنه من البديهي أن نؤيده.
ورأى مدلسي أن: "المشروع ليس خطرًا على مسار برشلونة وسياسة الجوار الأوروبية، داعيًا إلى تقارب فاعل بين بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، لا سيما أعضاء اتحاد المغرب العربي.
مشروع أعرج
أما احتمالات النجاح والفشل للمشروع الفرنسي، فنجد أن معظم المؤشرات تذهب نحو الاحتمال الثاني، وسيكون مآله مثل العديد من مشروعات الاندماج التي شهدتها المنطقة وذهبت أدراج الرياح، ولعل ما يعزز هذا القول جملة من العقبات التي تقف ضد إمكانية تحقيقه والتي يمكن إيجازها في التالي:
- الرفض الأمريكي: فلا شك أن واشنطن لن تسمح بوجود هذا المشروع الذي يمثل تهديدًا صريحًا لنفوذها في منطقة حوض البحر المتوسط وشمال إفريقيا، ورغم محاولة ساركوزي طمأنة الرئيس بوش بشأن المشروع أثناء زيارته لواشنطن مؤخرًا، فإن الولايات المتحدة لن تسمح بأن يكون مشروع الاتحاد المتوسطي بديلاً عن مشروعاتها في المنطقة مثل "الشرق الأوسط الكبير"، أو أن يستفيد الرئيس الفرنسي من فشل هذا المشروع في الفترة الأخيرة، بعد الفشل الأمريكي الذريع في العراق.
- بيئة غير مناسبة: أعلن ساركوزي أن مشروعه المتوسطي يهدف إلى جمع الشعوب المتوسطية لبناء السلام، لكن يبدو أن هذا الهدف بعيد المنال، بالنظر إلى عدة اعتبارات، منها عدم التوصل لتسوية نهائية تحل القضية الفلسطينية، وكذلك الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية؛ لتبدو فرص دمج الدول العربية مع إسرائيل ضعيفة للغاية، إلى جانب الخلاف الجزائري المغربي حول الصحراء الغربية الذي لم يُحل بعد، وهو ما عبّر عنه بوضوح وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط حين قال من سينضم؟ إسرائيل ستنضم، دول عربية ستنضم، فهل سيكون بين إسرائيل وسوريا وبين إسرائيل والفلسطينيين اتحاد وبينهم هذا النوع من المواجهة.
- إغفال الاقتصاد: تخشى العديد من الدول أن يتحول الاتحاد إلى جملة من الالتزامات الأمنية على عاتق دول جنوب المتوسط، فيما يتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية ومكافحة التطرف والإرهاب، دون التركيز على التعاون الاقتصادي الفعّال، أو على الوجه الذي تحتاجه هذه الدول؛ ليحتل التعاون الأمني صدارة الاهتمامات الأوروبية في هذا المشروع.
إن مشروع ساركوزي بهذه الطريقة لا يخرج عن كونه أداة لإدارة الأزمات الأوروبية على الطريقة الفرنسية، دون أية اعتبارات لمصالح الدول المرشحة لعضويته من خارج أوروبا، وبالذات تركيا والدول العربية، الأمر الذي يفرض على هذه الدول الوعي والحذر في تعاملها مع مثل هذا المشروع وغيره من المشروعات، وهي الأمور التي قد تقوض إمكانية تحقيقه على أرض الواقع.
باحث سياسي.
|